وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ إِلَّا أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
(لكلِّ وارِثٍ بمُعَيَّن بقَدْرِ) نَصِيبِه؛ كرجلٍ خَلّف ابنًا وبنتًا، وعَبْدًا قِيمَتُه مائة، وأمَةً قِيمَتُها خَمْسُون، فوَصَّى للابنِ بالعبدِ، وللبنتِ بالأمَةِ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ حَقَّ الوارِثِ في القَدْرِ لا في العَينِ، بدَلِيلِ ما لو عاوَضَ المَرِيضُ بعضَ وَرَثَتِه أو أجْنَبِيًّا بجَمِيعِ مالِه، فإنَّه يَصِحُّ إذا كان بثَمَنِ المِثْلِ وإن تَضَمَّنَ فَواتَ عَينَ المالِ.
والثانِي، يَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّ في الأعْيانِ غَرَضًا صَحيحًا، فكما لا يجوزُ إبْطالُ حَقِّ الوارِثِ مِن قَدْرِ حَقه، لا يجوزُ مِن عَيْنه.
٢٦٥٨ - مسألة: (وإن لم يَفِ الثُّلُثُ بالوصايا، تحاصُّوا فيه، وأُدْخِلَ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ بقَدْرِ وَصِيَّته. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ) إذا خَلَتِ الوصايا مِن العِتْقِ، وتَجاوَزَتِ الثُّلُثَ، فرَدَّ الوَرَثَةُ الزِّيادَةَ،
فإنَّ الثلُثَ يُقْسمُ بينَ المُوصَى لهم على قَدْرِ وَصاياهم، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهم بقَدْرِ ما لَه في الوَصِيَّةِ، كمَسائِلِ العَوْلِ إذا زادَتِ الفُرُوضُ عن المالِ.
فلو وَصَّى لرجلٍ بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بمائةٍ، ولآخَرَ بمُعَيَّن قِيمَتُه خَمْسُون، ووصَّى بفِداءِ أسِيرٍ بثَلاثين، ولعِمارَةِ مسجدٍ بعِشْرِين، وثُلُثُ مالِه مائةٌ، جمعت الوصايا كلَّها فبَلَغَتْ ثلاثَمائةٍ، ونَسَبْتَ منها الثلُثَ فكان ثُلُثَها، فتُعْطِي كلَّ واحِدٍ منهم ثُلُثَ وَصيَّته، فلصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ المائةِ،
وكذلك صاحِبُ المائةِ، ولصاحِبِ الخَمْسِين سُدْسُها, ولفِداءِ الأسِيرِ عَشَرَةٌ، ولعِمارَةِ المَسْجِدِ سِتَّةٌ وثُلُثان.
وإن كان فيها عِتْقٌ، ففيها رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بينَ الوصايا والعِتْقِ، كما هو لم يكنْ فيها عِتْقٌ. وهذا قولُ ابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنهم تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فَتساوَوْا فيه، كسائِرِ الوصايا. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يُقَدَّمُ العِتْقُ، وما فَضَلَ منه يُقْسَمُ بينَ سائِرِ الوصايا على قَدْرِ وَصاياهم. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ. وبه قال شُرَيح، ومَسْرُوق، وعَطاء الخُراسانِيُّ، وقَتادةُ، والزُّهْرِي، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ فيه حَقًّا لله تعالى وللآدَمِيِّ، فكان آكَدَ، ولأنَّه لا يَلْحَقُه فَسْخ ويَلْحَقُ غيرَه، ولأنَّه أقْوَى، بدَلِيلِ سِرايته ونُفُوذِه مِن الرّاهِنِ والمُفْلِسِ.
ورُوِيَ عن الحسنِ، والشافعيِّ، كالرِّوايَتَين.
فصل: والعَطايا المُعَلَّقَةُ بالمَوْتِ، كقَوْلِه: إذا مِتُّ فأعْطُوا فُلانًا كذا -أو- أعْتِقُوا فلانًا. ونحوه، وَصايا حُكْمُها حُكْمُ غيرِها مِن الوصايا في [التَّسْويَةِ بينَ] مُقَدَّمِها ومُؤَخَّرها، والخِلافِ في تَقدِيمِ العِتْقِ منها؛ لأنَّها تَلْزَمُ بالمَوْتِ، فتَتساوَى كلها.
فصل: إذا وَصَّى بعِتْقِ عَبْدِه، لَزِم الوارِثَ إعْتاقُه، ويُجْبِرُه الحاكِمُ عليه إن أبَى؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ عليه، فأجْبِرَ عليه، كتَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بالعَطِيَّةِ.
وإن أعْتَقَه الوارِثُ أو الحاكِمُ، فهو حُرٌّ مِن حينَ أعْتَقَه؛ لأنَّه حِينَئِذٍ عَتَقَ، ووَلَاؤه للمُوصِي؛ لأنَّه السَّبَبُ، وهؤلاء نُوّاب عنه، ولهذا لزِمِهم إعْتاقُه.
فإن كانتِ الوَصِيَّةُ بعِتْقِه إلى غيرِ الوارِثِ، كان الإِعْتاقُ إليه؛ لأنّه نائِبُ المُوصِي في إعْتاقِه، فلم يَمْلِكْ ذلك غيرُه إذا لم يَمْتَنِعْ، كالوَكِيلِ في الحَياةِ.
٢٦٥٩ -
(إِلَّا أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ) كَمَنَ خَلَّفَ ابْنًا وَبِنْتًا وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَأَمَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ، فَأَوْصَى لِلِابْنِ بِالْعَبْدِ، وَلِلْبِنْتِ بِالْأَمَةِ (فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا جَمَاعَةٌ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَارَضَ الْمَرِيضُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ، أَوْ أَجْنَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِذَا كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ،
وَإِنْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ الْمَالِ،
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِجَازَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ فِي الْأَعْيَانِ غَرَضًا صَحِيحًا، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُ حَقِّهِ مِنْهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ مِنَ الْقَدْرِ،
وَكَذَا، وَقَفَهُ بِالْإِجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا.
١ - (وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا، تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الْأَصْلِ، وَتَفَاوَتُوا فِي الْمِقْدَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كَمَسَائِلِ الْعَوْلِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ،
فَلَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ،
وَالثَّالِثِ بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ، وَلِفِدَاءِ أَسِيرٍ بِثَلَاثِينَ، وَلِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ بِعِشْرِينَ، وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ، فَجُمِعَتِ الْوَصَايَا كُلُّهَا فَبَلَغَتْ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَنُسِبَتْ مِنْهَا الثُّلُثُ فَكَانَ ثُلُثَهَا، فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ وَصِيَّتِهِ
إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. يَعْنِي، أنها تصِحُّ بإجازَةِ الوَرَثَةِ، فتكونُ مَوْقوفَةً . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليهَ جماهيرُ الأصحابِ. صحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِي: هو المَشْهورُ المَنْصُورُ في المذهبِ؛ حتى أنَّ القاضِيَ في «التَّعْليقِ»، وأبا الخَطَّابِ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
«خِلافِه»، والمَجْدَ، وجماعَةً، لم يحْكُوا فيه خِلافًا.
وعنه، الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ، وإنْ أجازَها الوَرَثَةُ، إلا أنْ يُعْطُوه عَطيَّةً مُبْتَدَأةً. واخْتارَه بعضُ الأصحابِ. وهو وَجْهٌ في «الفائقِ» في الأجْنَبِيِّ، ورِوايَةٌ في الوارِثِ.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنفِ، إذا أوْصَى بثُلُثِه يكونُ وَقْفًا على بعضِ وَرَثَتِه، فإنَّه يصِحُّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، على ما تقدَّم في الهِبَةِ. وفيه قولٌ اخْتارَه المُصَنفُ بعدَمِ الصِّحَّةِ. فيكونُ ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ مُوافِقًا لما اخْتارَه. إلا أنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّن بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينَ. إلَّا أنْ يُوصِيَ لكُل وارِثٍ بمُعَيَّن بقَدْرِ ميِراثِه، فهل يصِحُّ؟ على وَإنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا، تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتهِ.
وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، تَصِحُّ. وهو الصَّحيحُ.
قال في «الفُروعِ»: وتصِحُّ مُعاوَضَةُ مريضٍ بثَمَنِ مِثْلِه،
وعنه، مع وارثٍ بإجازَةٍ، اخْتارَه في «الانْتِصارِ»، لفَواتِ حَقِّه مِنَ المُعَيَّنِ.
ثم قال: ومِثْلُها وَصِيَّة لكُلِّ وارِثٍ بمُعَيَّن بقَدْرِ حَقه. وصحَّحه في «التصْحيحِ»، و «الحارِثِيِّ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «إدْراكِ الغايةِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا تصِحُّ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ. صحَّحه في «المُذْهَبِ»، و «النَّظْمِ».
وإنْ لم يَفِ الثُّلُثُ بالوَصَايا، تحاصُّوا فيهِ، وادْخِلَ النَّقْصُ على كُل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدٍ بقَدْرِ وَصِيَّتِه. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يُقَدَمُ العِتْقُ. ولو اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ، فعليهما ؛ هل يُبْدأ بالكِتابَةِ، لأنَّه المَقْصودُ بها، أوْ لا؛ لأنَّ العِتْقَ تغْلِيبًا ليس للكِتابَةِ؟ فيه وَجْهان. ذكَرَهما القاضي، والمُصَنفُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهم.
وإِنْ أجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ، جَازَتْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أحكَامُهَا فِيهَا.
فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أبا لِلْمُجَازِ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ،
وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي يَخْتَصُّ بِهِ عَصبَتُهُ،
وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ، صَحَّ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْإجَازَةَ هِبَة، فَتَنْعكِسُ هَذِهِ الْأحْكَامُ. وإجازَتُهما تَنْفِيذ في الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو كما قال.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: أشْهَرُ الروايتَين، أنَّها تَنْفِيذ. قال الزَّرْكَشِي: هذا المَشْهورُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَنْصورُ في المذَهبِ. وجزَم به جماعَة. انتهى.
قال في «الفائقِ» وغيرِه: والإجازَةُ تنْفيذٌ، في أصَحِّ الرِّوايتَين. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه. قال الشَّارِحُ: لأنَّ ظاهِرَ المذهبِ، أن الوَصِيَّةَ للوارِثِ والأجْنَبِيِّ بالزِّيادةِ على الثُّلُثِ صَحيحةٌ مَوْقوفَةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فعلى هذا تكونُ إجازَتُهم تنْفِيذًا، وإجازَةً محْضَةً، يكْفِي فيها قوْلُ الوارِثِ: أجَزْتُ. أو أمْضَيتُ. أو نفَّذْتُ. انتهى.
وعنه ما يدُل على أن الإجازةَ هِبَة مُبْتدَأة.
قال في «الفُروعِ»: وخصَّها في «الانْتِصارِ» بالوارِثِ.
قال الشارِحُ: وقال بعضُ أصحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَة. فعلى هذا، تكونُ هِبَةً. انتهى. وأطْلَقَهما أبو الفَرَجِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان؛ أحدُهما، قيل: هذا الخِلافُ مَبْنِي على أن الوَصِيَّةَ بالزِّائدِ على الثُّلُثِ؛ هل هي باطِلَة، أو مَوْقوفة على الإجازَةِ، كما تقدّم؟ وتقدَّم كلامُ الشارِحِ قريبًا عن بعضِ الأصحابِ.
وقيل: بل هو مَبْنِي على القَوْلِ بالوَقْفِ. أنا على البُطْلانِ، فلا وَجْهَ للتنفيذِ.
قال في «القَواعِدِ» ـ: وهذا أشْبَهُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. الثاني، لهذا الخِلافِ فوائدُ كثيرة، ذكَرَها ابنُ رَجَبٍ في «قَواعِدِه»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ. فمنها، على المذهبِ، لا تفْتَقِرُ إلى شُروطِ الهِبَةِ؛ مِنَ الإيجابِ والقَبُولِ، والقَبْضِ، ونحوه، بل تصِحُّ بقوْلِه: أجَزْتُ. وأنْفَذْتُ. وأمْضَيتُ. ونحو ذلك. وعلى الثَّانيةِ، تفْتَقِرُ إلى الإيجابِ، والقَبُولِ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. وكلامُ القاضي يقْتَضِي أن في صِحتِها بلَفْظِ الإجازَةِ وَجْهَين. قال المَجْدُ: والصحةُ ظاهِرُ المذهبِ. ومنها, لا تثْبتُ أحْكامُ الهِبَةِ، على المذهبِ،
فلو كان المُجِيزُ أبا للمُجازِ له، لم يكُنْ له الرُّجوعُ فيه. وعلى الثَّانيةِ، له الرُّجوعُ. ومنها، هل يُعْتَبَرُ أنْ يكونَ المُجازُ معْلومًا للمُجيزِ؟ ففي «الخِلافِ» للقاضي، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، هو مَبْنِي على الخِلافِ. وطريقَةُ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي»، أن الإجازَةَ لا تصِحُّ بالمَجْهولِ، ولكِنْ هل يُصَدَّقُ في دَعْوَى الجَهالةِ؟ على وَجْهَين.
ومِنَ الأصحابِ مَن قال: إنْ قُلْنا: الإجازَةُ تنْفِيذٌ. صحَّتْ بالمجْهولِ، ولا رُجوعَ،
وإنْ قُلْنا: هي هِبَة. فوَجْهان. ومنها، لو كان المُجازُ عِتْقًا، كان الوَلاءُ للمُوصِي، تخْتَصُّ به عصَبَتُه، على المذهبِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلى الثَّانيةِ، الوَلاءُ لمَن أجازَ،
ولو كان أنثَى.
فائدة: لو كسَب المُوصَى بعِتْقِه بعدَ المَوْتِ وقبلَ الإعْتاقِ، فهو له. على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ. وذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والثَّمانِين».
وقال المُصَنفُ في «المُغْنِي»، في آخِرِ بابِ العِتْقِ: كَسْبُه للوَرَثَةِ، كأم الوَلَدِ. انتهى.
ولو كان المُوصَى بعِتْقِه أمَةً، فوَلَدَتْ قبلَ العِتْقِ، وبعدَ المَوْتِ، تَبِعَها الوَلَدُ، كأم الوَلَدِ. قدَّمه في «القَواعِدِ»،
وقال: هذا هو الظَّاهِرُ. وقال القاضي في «تَعْليقِه»: لا تَعْتِقُ. ومنها, لو كان وَقْفًا على المُجِيزِين؛
فإنْ قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذٌ. صحَّ الوَقْفُ ولَزِمَ،
وإنْ قُلْنا: هِبَةٌ. فهو كوَقْفِ الإنْسانِ على نفْسِه. ومنها, لو حلَف لا يهَبُ، فأجازَ، لم يحْنَثْ. على المذهبِ. وعلى الثَّانيةِ، يحْنَثُ. ومنها, لو قَبِل الوَصِيَّةَ المُفْتَقِرةَ إلى الإجازَةِ قبلَ الإجازَةِ، ثم أُجِيزَتْ؛
فإنْ قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ. فالمِلْكُ ثابِتٌ له مِن حينِ قَبُوله،
وإنْ قُلْنا: هي هِبَةٌ. لم يثْبُتِ المِلْكُ إلَّا بعدَ الإجازَةِ. ذكَرَه القاضي في «خِلافِه». ومنها، أنَّ ما جاوَزَ الثُّلُثَ مِنَ الوَصايا إذا أُجِيزَ؛ هل يُزاحِمُ بالزائدِ الذي لم يُجاوزْه، أوْ لا؟ مَبْنيٌّ على الخِلافِ. ذكَرَه في «المُحَرَّرِ»،
ومَن تابعَه. قال في «القَواعِدِ»: واسْتَشْكَلَ تَوْجِيهُه على الأصحابِ، وهو واضِحٌ، فإنَّه إذا كانتْ مَعنا وَصِيَّتان؛ إحْداهما، مُجاوزَة للثُّلُثِ، والأخْرَى، لا تُجاوزُه؛ كنِصْفٍ وثُلُثٍ؛ وأجازَ الوَرَثَةُ الوَصِيَّةَ المُجاوزَةَ للثُّلُثِ خاصَّةً؛
فإنْ قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ. زاحَمَ صاحِبُ النصْفِ صاحِبَ الثُّلُثِ بنصفٍ كامِلٍ، فيُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على خمْسَ؛ لصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةُ أخْماسِه، وللآخرِ خُمْساه، ثم يُكْمَلُ لصاحِبِ النصْفِ نِصْفُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالإجازَةِ. وإنْ قُلْنا: الإجازَةُ ابْتِداءُ عَطيةٍ. فإنَّما يُزاحِمُ بثُلُثٍ خاصٍّ؛ إذِ الزيادَةُ عليه عَطيَّةٌ مَحْضَةٌ مِنَ الوَرَثَةِ، لم تُتَلَقَّ مِنَ المَيِّتِ. فلا يُزاحِمُ بها الوَصايا، فيُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما نِصْفَين، ثم يُكْمَلُ لصاحِبِ النِّصْفِ ثُلُث بالإجازَةِ، [أي يُعْطَى ثُلُثًا زائدًا على السُّدْسِ الذي أخَذَه مِنَ الوَصِيَّةِ]. وهذا مَبْنِي على القَوْلِ بأن الإجازَةَ عَطيَّة أو تَنْفِيذ. فيُفَرَّعُ، على هذا، القَوْلُ بإبْطالِ الوَصِيَّةِ بالزَّائدِ على الثُّلُثِ وصِحَّتِها، كما سَبَق. انتهى. وقد تكَلم القاضي مُحِبُّ الدينِ ابنُ نَصْرِ الله البَغْدادِيُّ على هذه المَسْألةِ في كُراسَةٍ بما لا طائلَ تحتَه.
وما قاله ابنُ رَجَبٍ صحيح واضِحٌ.
وقال الزرْكَشِيُّ، وقد يُقال: إن عَدَمَ المُزاحَمَةِ، إنما هو في الثُّلُثَين؛ لأن الهِبَةَ تَخْتَصُّ بهما، والمُجِيزُ يُشْرِكُ بينَهما فيهما،
أما الثُّلُثُ، فيُقْسَمُ بينَهما على قَدْرِ أنْصِبائِهما. انتهى.
قلتُ: الذي يظْهَرُ، أنَّ هذا هو الصَّوابُ. ومنها, لو أجازَ المرِيضُ في مرَضِ مَوْتِه وَصِيَّةَ مَوْرُوثِه؛
فإنْ قُلْنا: إجازَتُه عَطيَّة. فهي مُعْتَبَرَة مِن ثُلُثِه.
وإنْ قُلْنا: هي تنْفِيذ. فللأصحابِ طرِيقان؛ أحدُهما، القطعُ بأنها منَ الثُّلثِ أيضًا. قاله القاضي في «خِلافِه»، والمَجْدُ. والطريقُ الثاني، المَسْألةُ على وَجْهَين. وهي طريقةُ أبي الخَطابِ في «انْتِصارِه»، وهما مُنَزَّلان على أصْلِ الخِلافِ في حُكمِ الإجازَةِ.
قال في «القواعِدِ»: وقد يُنَزلان على أن المِلْكَ؛ هل ينْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ في المُوصَى به، أم تمْنَعُ الوَصِيَّةُ الانْتِقال؟ وفيه وَجْهان؛
فإنْ قُلْنا: تنْتَقِلُ إليهم. فالإجازَةُ مِنَ الثُّلُثِ، وإلا فهي مِن رأسِ مالِه. ومنها، إجازَةُ المُفْلِسِ.
قال في «المُغْنِي»: هي نافِذَة. وهو وَمَنْ أوصِىَ لَهُ وَهُوَ في الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيرَ وَارِثٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
وَإنْ أُوصِيَ لَهُ وَهُوَ غَيرُ وَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ.
مُنَزلٌ على القَوْلِ بالتنفِيذِ. وجزَم به في «الفُروعِ».
قال في «القَواعِدِ»: ولا يبْعُدُ على قَوْلِ القاضي في التي قبلَها، أنْ لا ينْفُذَ. وقاله المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، في الشفْعَةِ. ومنها، إجازَةُ السَّفيهِ نافِذَة على المذهبِ، لا على الثَّانيةِ. ذكَرَه في «الفُروعِ».
وقال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: لا تصِحُّ إجازَته مُطْلَقًا. وكذا صاحِبُ «الفائقِ».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.