وَإِنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، وَقَبْلَ الْقَسْمِ، لَمْ يَرِثْ وَجْهًا وَاحِدًا وَيَرِثُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ وَهُمْ ثَلَاثُ مِلَلٍ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَدِينُ سَائِرِهِمْ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ لَمْ يَتَوَارَثُوا
الشروح عليها
مسألة: (وإن عَتَقَ عبدٌ بعدَ موتِ مَوْروثِه وقبلَ القسمِ لم يَرِثْ، وَجْهًا واحِدًا) نصَّ عليه أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، وَفرَّقَ بينَ الإسلامِ والعِتْقِ. وعلى هذا جمهورُ الفقهاءِ مِن الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم. ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ مات وتَرَك أباه عَبْدًا فأُعْتِقَ قبلَ أن يُقْسَمَ ميراثُه، فقال: له مِيراثُه. وحُكِيَ عن مَكْحولٍ، وقَتادةَ، أنَّهما وَرَّثا مَن أُعْتِقَ قبلَ القِسْمَةِ، لأنَّ المانِعَ مِن الميراثِ زال قبلَ القِسْمَةِ، أشْبَهَ ما لو أسْلَمَ.
وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيُّ: يُخَرَّجُ على قولِ مَن ورَّثَ المسلمَ أن يُوَرَّثَ العبدُ إذا أُعْتِقَ. وليسَ بصحيحٍ،
فإنَّ الإِسلامَ قُرْبَةٌ، وهو أعْظَمُ الطَّاعاتِ، والقُرَبُ وَرَد الشَّرْعُ بالتأليفِ عليها، فوَرَد الشَّرْعُ بتَوْريثِه؛ تَرْغِيبًا له في الإِسلامِ وحثًّا عليه، والعِتْقُ لا صُنْعَ له فيه، ولا يُحْمَدُ عليه، فلم يَصِحَّ قِياسُه عليه، ولولا ما وَرَد مِن الأثَرِ في تَوْريثِ مَن أَسْلَمَ لَكان النَّظَرُ يَقْتَضِي أن لا يَرِثَ مَن لم يكنْ مِن أهلِ الميراثِ حينَ الموتِ؛ لأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ به إلى الوَرَثَةِ، فيَسْتَحِقُّونَه، فلا يَبْقَى لمن حَدَث شيءٌ، وإنَّما خالفْناه في الإِسلامِ للأَثَرِ، وليس في العِتْقِ أثَر يَجِبُ التَّسْلِيمُ له، ولا هو في معنَى ما فيه الأثرُ، [فيَبْقَى على مُوجِبِ القياسِ].
فصل: ولو مَلَك ابنَ عَمِّه فدَبَّرَه، فعَتَق بموتِه، لم يَرِثْ؛ لأنَّه رقِيقٌ حينَ الموتِ.
فإن قال: أنتَ حُرٌّ في آخِر حياتي. عَتَق ووَرِثَ؛ لأنَّه حُرٌّ حينَ الموتِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَرِثَ؛ لأنَّ عِتْقَه وصِيَّةٌ له، فيُفْضِي إلى الوصِيَّةِ للوارثِ.
٢٨٤٩ - مسألة: (ويَرِثُ أهْلُ الذِّمَّةِ بعضُهم بعضًا إنِ اتَّفَقَتْ أَدْيانُهم) وجملةُ ذلك، أنَّ الكُفارَ يَتَوارَثون إذَا كان دِينُهم واحدًا، لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا. ولا فَرْقَ في ذلك بينَ أهْلِ الذِّمَّةِ وغيرهم مِن الكُفارِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَرِثُ المسْلِمُ الكَافِرَ، ولا الكَافِرُ المسْلِمَ». دليلٌ على أنَّ بعضَهم يَرِثَ بعضًا.
[وكذلك قولُه:«لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى». دليل على أنَّ أهْلَ المِلَّةِ الواحدةِ يَرِثُ بعضُهم بعضًا] . وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وهل تَرَك لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دارٍ». دليلٌ عَلى أنَّ عَقِيلًا وَرِثَ أبا طالبٍ دُونَ جَعْفَرٍ وعَلِيٍّ؛ لأنَّهما كانا مُسلِمَين، وكان عَقِيل على دينِ أبيه مُقيمًا بمكةَ، فكذلك لمّا قيل للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أينَ تَنْزِلُ غدًا؟ قال:«وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ».
وقال عمرُ في عَمَّةِ الأشْعَثِ بنِ قَيسٍ: يَرِثُها أهْلُ دينِها.
٢٨٥٠ - مسألة: (وهم ثلاثُ مِلَلٍ؛ اليهوديَّةُ، والنَّصرانيَّةُ، ودينُ سائِرِهم) اخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، رحمهُ الله، في ذلك، فرَوَى عنه حَرْبٌ أَنَّ الكُفْرَ كُلَّه ملةٌ واحِدَةٌ. اخْتارَها الخَلَّالُ. وبه قال حَمادٌ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفَةَ، والشافعيُّ، وداودُ؛ لأنَّ توْريثَ الآباءِ مِن الأبناءِ والأبناءِ مِن الآباءِ، مذكورٌ في كتابِ الله تعالى ذِكْرًا عامًّا، فلا يُتْرَكُ إلَّا فيما اسْتَثْناه الشَّرْعُ، وما لم يسْتَثْنِه يَبْقَى على العُموم. ولأنَّ قولَ اللهِ تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}.
عامٌّ في جميعِهم. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّ الكُفْرَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ. اخْتارَه أبو بكرٍ. وهو قولُ كثيرٍ مِن أهْلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَينِ شَتَّى». ينْفي تَوارُثَهما ويَخُصُّ عمومَ الكتابِ، ولم نَسْمَعْ عن أحمدَ تصريحًا بذكرِ أقْسامِ المِلَلِ.
وقال القاضي: الكفرُ ثَلاثُ مِلَلٍ؛ اليهوديَّةُ، والنَّصرانيَّةُ، ودينُ مَن عَدَاهم؛ لأنَّ مَن عَداهم يجْمَعُهم أنَّه لا كتابَ لهم. وهذا قولُ شُرَيحٍ، وعطاءٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والضَّحَّاكِ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، واللَّيثِ، وشَرِيكٍ، ومُغِيرَةَ الضَّبيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، والحسنِ بنِ صالحٍ، ووَكيعٍ. ورُوِيَ ذلك عن مَالِكٍ. وعن النَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ، القَوْلانِ معًا. وما رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: الكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ. يَحْتَمِلُ أن يكونَ مِلَلًا كثِيرَةً تَزيدُ على ثَلاثٍ، فتكونُ المجوسِيَّةُ مِلَّةً، وعبدةُ الأوْثانِ ملةً، وعُبَّادُ الشمسِ ملَّةً، فلا يَرِثُ بعضُهم بعضًا.
يُرْوَى ذلك عن عليٍّ. وبه قال الزُّهْرِيُّ، ورَبيعَةُ، وطائِفَةٌ مِن أهْلِ المدينةِ، وأهْل البَصْرةِ، وإسحاقُ. وهو أصَحُّ الأقوالِ، إن شاء الله. اخْتارَه شيخُنا ؛ لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى». رَواه أبو داودَ. ولأنَّ كلَّ فريقَين منهم لا مُوَالاةَ بينَهم ولا اتِّفاقَ في دينٍ، فلم يَرِثْ بعضُهم بعضًا، كالمسلمين والكُفَّارِ. والعُموماتُ في التَّوريثِ مخْصُوصَةٌ، فيُخَصُّ منها مَحَلُّ النِّزاعِ بالخبرِ والقياسِ. ولأنَّ مُخالفينا قَطَعوا التَّوْريثَ بينَ أهْلِ الحرْب وأهلِ دارِ الإِسلامِ، فمع اخْتِلافِهم في الملَّةِ أوْلَى.
وقولُ مَن خَصَّ المِلَّةَ بعَدَمِ الكتابِ، لا يصِحُّ؛ لأنَّه وصفٌ عَدَمِيٌّ لا يَقْتَضِي حُكْمًا ولا جَمْعًا، ثم لا بُدَّ لهذا الضّابِطِ مِن دليل يَدُلُّ على اعْتبارِه، وقد افْتَرَقَ حُكْمُهم،
فإنَّ المَجُوسَ يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، وغيرُهم لا يُقَرُّون بها، وهم مُخْتَلِفُون في مَعْبوداتِهم ومُعْتَقداتِهم وآرائِهم، يَسْتَحِلُّ بعْضُهم دماءَ بعضٍ، ويُكَفِّرُ بعْضُهم بعضًا، فكانوا مِلَلًا كاليهودِ والنَّصارَى. ولأنَّه قد روَى الشَّعْبِيُّ عن عَليٍّ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه جعلَ الكُفْرَ مِلَلًا مختَلِفةً. ولم نعْرِفْ له مخالفًا في الصَّحابةِ، فيكونُ إجماعًا.
٢٨٥١ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَتْ أدْيانُهم لم يَتَوارَثُوا) لما روَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى». رَواه أبو داودَ.
(وَإِنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، وَقَبْلَ الْقَسْمِ، لَمْ يَرِثْ وَجْهًا وَاحِدًا) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ،
وَمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنَعَهُ مُطْلَقًا، خَرَجَ مِنْهُ مَا سَبَقَ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ،
وَعَنْهُ: يَرِثُ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، كَمَنْ أَسْلَمَ، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ،
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَالْمَذْهَبُ تَوْرِيثُ مَنْ أَسْلَمَ، لَا مَنْ عَتَقَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْظَمُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبِ، وَرَدَ الشَّرْعُ بِالتَّأْلِيفِ عَلَيْهِ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِتَوْرِيثِهِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا مَا وَرَدَ مِنَ الْأَثَرِ فِي تَوْرِيثِ مَنْ أَسْلَمَ، لَكَانَ النَّظَرُ أَنْ لَا يَرِثَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ حِينَ الْمَوْتِ.
فَرْعٌ: لَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَدَبَّرَهُ، يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ حِينَ الْمَوْتِ،
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ حَيَاتِي عَتَقَ، وَوَرِثَ فِي الْأَصَحِّ لِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ. (وَيَرِثُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْإِرْثِ اخْتِلَافُ الدِّينِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، لَكِنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ فِي ذَلِكَ، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ أُسَامَةَ (وَهُمْ ثَلَاثُ مِلَلٍ) هَذَا رِوَايَةُ (الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ كِتَابٌ، وَأَحْكَامٌ وَشَرَائِعُ غَيْرُ الْأُخْرَى (وَدِينُ سَائِرِهِمْ) أَيْ: بَاقِيهِمْ كَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، فَإِنَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛
لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُمْ بِأَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَجَمْعٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْمُوَالَاةَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَهُمْ، أَشْبَهَ اخْتِلَافَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ،
وَعَنْهُ: الْكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ يَنْفِي تَوَارُثَهُمْ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحْمَدَ تَصْرِيحًا بِذِكْرِ انْقِسَامِ الْمِلْكِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَوَارُثَ بَيْنَهَا،
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِلَلًا كَثِيرَةً، فَتَكُونُ الْمَجُوسِيَّةُ مِلَّةً، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِلَّةً، وَعُبَّادُ الشَّمْسِ مِلَّةً،
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ، لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ، وَقَوْلُ مَنْ حَصَرَ الْمِلَّةَ بِعَدَمِ الْكِتَابِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ عَدَمِيٌّ، لَا يَقْتَضِي حُكْمًا،
وَعَنْهُ: مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، نَقَلَهَا حَرْبٌ، فَعَلَيْهَا يَتَوَارَثُونَ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} عَامٌّ فِي جَمِيعِهِمْ، فَالصَّابِئَةُ، قِيلَ: كَالْيَهُودِ،
وَقِيلَ: كَالنَّصَارَى. (وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ لَمْ يَتَوَارَثُوا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ
(وَعَنْهُ : يَتَوَارَثُونَ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَكَمَفْهُومِ حَدِيثِ أُسَامَةَ،
قَالَ فِي الشَّرْحِ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ
وإنْ عَتَقَ عبدٌ بعدَ مَوْتِ مَوْرُوثِه وقبلَ القِسمَةِ، لم يَرِثْ وَجهًا واحِدًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في «الهِدايَةِ» وغيرِها: رِوايةً واحدةً. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: هذا المذهبُ. وقدَّمه في «الفائقِ» وغيرِه. وصحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يَرِثُ. ذكَرَها ابنُ أبي مُوسى، وخرَّجَه التَّمِيمِيُّ على الإسْلامِ.
فائدة: قال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والخَمْسِين»: ولو وُجِدَتِ الحُرِّيَّةُ عَقِبَ مَوْتِ المَوْرُوثِ أو معه؛ كتَعْليقِ العِتْقِ على ذلك، أو دَبَّرَ ابْنَ عمِّه ثم ماتَ، لم وَيَرِثُ أهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أدْيَانُهُمْ. وَهُمْ ثَلَاثُ يَرِثْ. ذكَرَه القاضي، وصاحِبُ «المُغْنِي».
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: ينبَغِي أنْ يُخَرَّجَ على الوَجْهَين، فيما إذا حدَثَتِ الأهْلِيَّةُ مع الحُكْمِ؛ هل يُكْتَفَى بها، أو يُشْترَطُ تقَدُّمُها؟ ويرِثُ أهلُ الذِّمَّةِ بعضُهم بعضًا إنِ اتّفَقَتْ أدْيانُهم، وهم ثَلاثُ مِلَلٍ؛ مِلَل؛ الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَدِينُ سَائِرِهِمْ. اليَهُودِيَّةُ، والنَّصْرانِيَّةُ، ودِينُ سائِرِهم. هذا إحدَى الرِّواياتِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
هذا قولُ القاضي وعامَّةِ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ».
وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّهم مِلَلٌ شتَّى مُخْتَلِفَةٌ. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. اختارَه أبو بَكْرٍ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ». فعلى هذا، المَجُوسِيَّةُ مِلَّةٌ، وعبَدَةُ الأَوْثانِ مِلَّةٌ، وعُبَّادُ الشَّمسِ مِلَّةٌ.
وعنه، أنَّ الكُفْرَ مِلَّةٌ واحِدَةٌ. اخْتارَه الخَلَّالُ. وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
وعنه، اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ مِلَّتان، والمَجُوسِيَّةُ والصَّابِئَةُ مِلَّةٌ.
وقيل: الصَّابِئَةُ كاليَهُودِيَّةِ. وقيل: كالنَّصْرانِيَّةِ. وقد تقدَّم في أوَّلِ بابِ عَقدِ الذِّمَّةِ،
أنَّ الإمامَ أحمدَ رَحِمَه اللهُ قال: وَإنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَتَوَارَثُوا.
وَعَنْهُ، يَتَوَارَثُونَ.
هم جِنسٌ مِنَ النَّصارَى.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: بلغَنِي أنَّهم يَسْبِتُون.
وقيل: مَن لا كِتابَ له مِلَّةٌ واحدَةٌ. وأطْلقَهُنَّ في «الفائقِ». وإنِ اخْتَلَفَتْ أدْيانُهم لم يَتَوارثُوا. هذا المذهبُ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيهما»، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه وَلَا يَرِثُ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، وَلَا حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا. ذَكَرهُ الْقَاضِي. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَتَوَارَثَا.
في «الفُروعِ». وعنه، يتَوارَثُون. جزَم به في «المُنَوِّرِ». واختارَه الخَلَّالُ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، فقال: ويَرِثُ الكُفَّارُ بعضُهم بعضًا،
وإنِ اخْتلَفتْ مِلَلُهم. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». وهو مُقتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ. وأطْلَقهما في «الكافِي».
وقال القاضي: يتَوارَثُون إذا كانُوا في دارِ الحَرْبِ.
تنبيه: الخِلافُ هنا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في المِلَلِ،
فإنْ قُلْنا: المِلَلُ مخْتلِفَةٌ. لم يتَوارَثُوا مع اخْتِلافِهم،
وإنْ قُلْنا: الكُفْرُ كلُّه مِلَّةٌ واحدَةٌ. توارَثُوا.
قال رحمه الله: (ويرثُ أهل الذمة بعضهم بعضاً إن اتفقت أديانهم، وهم ثلاث ملل: اليهودية، والنصرانية، ودين سائرهم) .
أما كون أهل الذمة يرث بعضهم بعضاً إذا اتفقت أديانهم؛ فلأن المانع من الإرث اختلاف الدين وهو غير موجود. فوجب الحكم بالإرث عملاً بالمقتضي له السالم عن المعارض.
وأما كون أهل الذمة ثلاث ملل؛ فلأن اليهودية ملة، والنصرانية ملة، ودينُ سائرهم ملة.
أما كون كل واحدةٍ من اليهودية والنصرانية ملة فظاهر؛ لأن لكل واحدةٍ منهما كتاباً وأحكاماً وشرائع غير الأخرى.
وأما كون دين سائرهم ملةً ثالثةً؛ فلأنهم يشملهم كونهم لا كتاب لهم.
فعلى هذا لا يرث يهودي نصرانياً، ولا مجوسياً ولا وثنياً، ولا نصراني يهودياً ولا وثنياً ولا بالعكس؛ لاختلاف الملة.
قال رحمه الله: (وإن اختلفت لم يتوارثوا. وعنه: يتوارثون. ولا يرث ذمي حربياً ولا حربي ذمياً ذكره القاضي. ويحتمل: أن يتوارثا) .
أما كون من اتحدت ملتهم واختلف دينهم؛ كالمجوس وعبدة الوثن وما أشبه ذلك يتوارثون على المذهب؛ فلأن العمومات من النصوص للإرث تقتضي توريثهم، ولم يرد بتخصيصهم نصٌ ولا إجماعٌ.
ولا يصح قياسهم على غيرهم. فوجب العمل بالعموم.
ولأن قوله صلى الله عليه وسلم:«لا يَتوارثُ أهلُ ملتين شتّى» يدل بمفهومه على أن الملة الواحدة يتوارثون.
ولأن ضبط التوريث بالإسلام والكفر دليل على أن العبرة باختلاف الملل.
وأما كونهم لا يتوارثون على روايةٍ؛ فلأن دينهم مختلف. أشبه اختلاف الملل.
وأما كون الذمي لا يرث حربياً ولا الحربي ذمياً على ما ذكره القاضي؛ فلأن الموالاة منقطعةٌ بينهما.
وأما كونهما يحتمل أن يتوارثا؛ فلأن ملتهما واحدة. فوجب أن يتوارثا؛ كالذمي من الذمي، والحربي من الحربي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.