وَهِيَ بَيْعُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يَعْلَمُ فِيهِ خَيْرًا وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ
الشروح عليها
بابُ الكِتابَةِ الكِتابَةُ: إعْتاقُ السيدِ عَبدَه على مالٍ (في ذِمَّتِه) يُؤَدَّى مُؤجَّلًا في نُجُومٍ. سُمِّيَتْ كِتابةً؛ لأنَّ السيدَ يَكْتُبُ بينَه وبينَه كِتابًا بما اتَّفقا عليه.
وقيل: سُمِّيَتْ كِتابةً مِن الكَتْبِ، وهو الضَّمُّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ يَضُمُّ بعضَ النُّجُومِ إلى بعضٍ، ومنه سُمِّيَ الخَرْزُ كِتابًا؛ لأنَّه يُضَمُّ أحَدُ طَرَفَيه إلى الآخَرِ بخَرْزِه.
قال الحَرِيريُّ :
وكاتِبينَ وما خَطَّتْ أنامِلُهم ... حَرْفًا ولا قَرءُوا ما خُطَّ في الكُتبِ
وقال ذو الرُمَّةِ :
وَفْراءَ غَرْفِيَّةٍ أثْأى خَوارِزُها ... مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْه بينَها الكُتَبُ يَصِفُ قِرْبَةً يَسيلُ الماءُ مِن بينِ خُرَزِها. وسُمِّيتِ الكَتِيبةُ كَتِيبةً؛ لانْضِمامِ بعضِها إلى بعض. والمُكاتَبُ يَضُمُّ [بعض نُجُومِه] إلى بَعْضٍ. والنُّجُومُ ههُنا الأوْقاتُ المُخْتَلِفةُ؛ لأنَّ العربَ كانت لا تَعْرِفُ الحِسابَ. وإنَّما تَعْرِفُ الأوْقاتَ بطُلُوعِ النُّجُومِ،
كما قال بعضُهم :
إذا سُهَيلٌ أوَّلَ اللَّيلِ طلَعْ ... فابنُ اللَّبُونِ الحِقُّ والحِقُّ جَذَعْ فسُمِّيَتِ الأوْقاتُ نُجُومًا. والأصْلُ في الكِتابةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ.
أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تعالى {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا}.
وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى سعيدٌ، عن سُفيانَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن نَبْهانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلمَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذا كان لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، [وكان عِنْدَه] ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ». رواه [أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ماجة، والتِّرْمِذِيُّ]،
وقال: حسنٌ صَحيحٌ. وروَى سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«مَنْ أَعانَ غَارِمًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُكَاتبًا في كِتَابَتِه، أَظلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه». في أحادِيثَ كثيرةٍ سواهما. وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على مَشْرُوعِيَّةِ الكِتابَةِ.
٢٩٧٥ - مسألة: (وهي مُسْتَحَبَّةٌ لمَن يُعْلَمُ فِيه خَيرٌ، وهو الكَسْبُ والأمَانَةُ. وعنه، أنَّها وَاجِبَةٌ إذا ابْتَغَاها مِن سَيدِه أُجْبِرَ عليها) إذا سألَ العَبْدُ سَيِّدَه مُكاتَبَتَه، اسْتُحِبَّ له إجابَتُه إذا عَلِمَ فيه خَيرًا. ولم يَجِبْ ذلك، في ظاهِرِ المذهبِ. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن أحمدَ، أنَّها وَاجِبَةٌ إذا دَعَى العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصدوقُ سيدَه إليها. وهو قولُ عَطاءٍ، والضَّحاكِ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وداودَ.
وقال إسحاقُ: أخْشَى أن يأْثَمَ إن لم يَفْعَلْ، ولا يُجْبَرُ عليها. ووَجْهُ ذلك، قولُ اللهِ تعالى:{وَالَّذِينَ يَبْتَغونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا}. وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ. ورُوِيَ أنَّ سِيرِينَ أبا محمدِ بنِ سِيريِنَ كان عبدًا لأنسِ بنِ مالكٍ، فسألَه أن يُكاتِبَه، فأبَى، فأخْبَرَ سيرِينُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ بذلك، فرَفَعَ الدِّرَّةَ على أنس، وقَرأ عليه:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا}. فكاتَبَهَ أنَسٌ .
ولَنا، أنَّه إعْتاقٌ بعِوَضٍ، ولم يَجِبْ عليه، كالاسْتِسْعاءِ. والآيةُ مَحْمُولَةٌ على النَّدْبِ، وقولُ عمرَ يُخالِفُه فِعْلُ أنَسٍ. قال أحمدُ: الخَيرُ: صِدْقٌ وصَلاحٌ ووَفاءٌ بمالِ الكِتابَةِ. ونحوَ هذا قال إبراهيمُ، وعمرُو بنُ دِ ينارٍ، وغيرُهما، وعِباراتُهم في ذلك مُخْتَلِفَةٌ.
وقِيلَ: قوةٌ على الكَسْبِ والأمانَةُ. قاله الشافعيُّ.
وقال ابنُ عباسٍ: غِنًى وإعْطاءُ المالِ.
وقال مُجاهِدٌ: غِنًى وأدَاءٌ. وقال النَّخَعِيُّ: صِدقٌ ووَفاءٌ. فلا خِلافَ بَينَهم في أنَّ مَن لا خيرَ فيه لا تَجِبُ إجابَتُه. ٢٩٧٦ -
بَابُ الْكِتَابَةِ] سُمِّيَتْ بِهِ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ مِنَ الْكَتْبِ، وَهُوَ الضَّمُّ ; لِأَنَّ الْمُكَاتِبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّي الْحِرْزُ كَتْبًا، وَالْكَتِيبَةُ كَتِيبَةً ; لِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ. وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: عِتْقٌ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا إِلَى أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ ; لِأَنَّ النُّجُومَ هِيَ الْأَوْقَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ، إِذِ الْعَرَبُ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ الْحِسَابَ، وَإِنَّمَا تَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ بِطُلُوعِ النُّجُومِ، فَسُمِّيَتِ الْأَوْقَاتُ نُجُومًا،
كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
إِذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ ... فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ الْجَذَعْ (وَهِيَ بَيْعُ الْعَبْدِ) لَوْ قَالَ: الرَّقِيقُ لَعَمَّ (نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْكِتَابَةِ شَرْعًا،
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مَعْلُومًا، يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، مُنَجَّمًا يُعْلَمُ قِسْطُ كُلِّ نَجْمٍ وَمُدَّتُهُ أَوْ مَنْفَعَتُهُ مُؤَجَّلَةً، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَعَانَ غَارِمًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُكَاتَبًا فِي كِتَابَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ،
فَإِذَا كَاتَبَ رَقِيقَهُ وَلَهُ مَالٌ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُكَاتَبُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ،
وَعَنْهُ لِلرَّقِيقِ (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يَعْلَمُ فِيهِ خَيْرًا) لِلنَّصِّ (وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَسْقَطَ الْأَمَانَةَ فِي الْوَاضِحِ وَالْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ
بَابُ الْكِتَابَةِ وَهِيَ بَيعُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِمَالٍ في ذِمَّتِهِ.
بابُ الكِتابَةِ وهي بَيعُ العَبْدِ نَفْسَه بمالٍ في ذِمَّتِه. زادَ غيرُه، بعِوَضٍ مَعْلومٍ مُؤجَّلٍ. وليستِ الكِتابَةُ مُخالِفَة للأصْلِ؛ لانَّ محَلَّها الذِّمَّةُ. وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يُعْلَمُ فِيهِ خَيرٌ، وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأمَانَةُ.
وعَنْهُ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، إِذَا ابْتَغَاهَا مِنْ سَيِّدِهِ أُجْبِرَ عَلَيهَا. وهي مُسْتَحَبَّةٌ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، بلا رَيبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الكَافِي»، و «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ».
وعنه، واجِبَةٌ، إذا ابتغَاها مِن سيِّدِه أُجْبِرَ عليها بقِيمتِه. اخْتارَه أبو بَكْرٍ في «تَفْسِيرِه».
قال في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: وهو مُتجهٌ. قال الشَّيخُ تَقِي الدينِ، رَحِمَه اللهُ: وعلى قِياسِه وجُوبُ العِتْقِ في قوْلِه: أعتِقْ عَبْدَك عنك، وعلَيَّ ثَمَنُه. وقدَّم في «الرَّوْضَةِ» أنَّها مُباحَةٌ.
فائدة: لا تصِحُّ كِتابَةُ المَرْهُونِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قطَع به كثيرٌ مِنَ الأصحابِ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: قلتُ: تجوزُ كعِتْقِه. وهو الصَّوابُ. وتجوزُ كِتابَةُ المُسْتَأْجَرِ. لمَن يَعْلَمُ فيه خَيرًا؛ وهو الكَسْبُ والأمانَةُ. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، منهم المُصنِّفُ، والمَجْدُ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم.
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، وغيرِهم: المُكْتَسِبُ الصَّدُوقُ.
وقال في «الرِّعايَةِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»: وتُسْتَحَبُّ مع كَسْبِ العَبْدِ وأمانَتِه وصِدْقِه.
وقال في «الواضِحِ»، و «الوَجيزِ»، و «التَّبْصِرَةِ»: وهي مُسْتَحَبَّةٌ مع كَسْب العَبْدِ فقط. وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، في كتاب العِتْقِ، فَأسْقَطُوا الأمانةَ. وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
باب الكتابة] الكتابة مصدر كاتب. يقال: كاتب عبده كتابة ومكاتبة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: بيع العبد نفسه بمال في ذمته. وهي مستحبة لمن يُعلم فيه خيراً. وهو: الكسب والأمانة. وعنه: أنها واجبة إذا ابتغاها من سيده أجبر عليها) .
أما قول المصنف رحمه الله: وهي بيع العبد نفسه بمال في ذمته؛ فبيان لمعنى الكتابة شرعاً.
وأما كونها مستحبة في الجملة؛ فلما فيها من تخليص الرقبة من الرق.
وأما كونها غير واجبة على المذهب؛ فلأنها إعتاق بعوض. فلا تجب؛ كالاستستعاء.
وأما كونها واجبة على رواية؛ فلأن الله تعالى قال:{فكاتبوهم} وظاهر الأمر الوجوب، وروي «أن ابن سيرين أبا محمد ابن سيرين كان عبداً لأنس بن مالك فسأله أن يكاتبه فأبى. فأخبر سيرينُ عمر بن الخطاب بذلك. فرفع الدرّة على أنس وقرأ عليه: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} [النور: ٣٣] . فكاتبه أنس».
وأما كونها إذا ابتغاها العبد من سيده فامتنع يجبر عليها؛ فلأن هذا شأن الواجب.
والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما ذكر.
والآية محمولة على الاستحباب. وقول عمر يخالفه نقل أنس.
وأما قوله: لمن يُعلم فيه خيراً؛ فتنبيهٌ على أن كون العبد فيه خير يعلمه السيد شرط للاستحباب أو الوجوب؛ لأن الله تعالى شرط ذلك حيث قال:{إن علمتم فيهم خيراً}.
وفسر المصنف الخير بالكسب والأمانة؛ لأنه المناسب لإيقاع الكتابة. ونسب ذلك في المغني إلى الشافعي. ونقل عن أحمد فيه أن الخير: صدق، وصلاح، ووفاء بمال الكتابة. وهو قريب من الأول.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.