وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إِذَا ابْتَغَاهَا بِقِيمَتِهِ مِنْ سَيِّدِهِ أُجْبِرَ عَلَيْهَا وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ،
الشروح عليها
مسألة: (وهل تُكْرَهُ كِتابَةُ مَن لا كَسْبَ له؟ على رِوايَتَين) قال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ كَرَاهَتُه. وكان ابنُ عمرَ يَكْرَهُه . وهو قولُ مسروقٍ، والأوْزَاعِيِّ. وعن أحمدَ، أنَّه لا يُكْرَه. ولم يَكْرَهْه الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وطائفةٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّ جُوَيرِيَةَ بنتَ الحارِثِ، كاتَبَها ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، فأتتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَسْتَعِينُه في كِتابَتِها، فأدَّى عنها كِتابَتَها وتَزَوَّجَها . واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ بَرِيرةَ كاتَبَت ولا حِرْفَةَ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا في عِتْقِه . قال شيخُنا : ويَنْبَغِي أن يُنْظرَ في المُكاتَبِ،
فإن كان ممَّن يتَضَرَّرُ بالكِتابَةِ ويَضِيعُ؛ لِعَجْزِه عن الإِنْفاقِ على نَفْسِه، ولا يَجِدُ مَن يُنْفِقُ عليه، كُرِهَتْ كِتابَتُه،
وإن كان يَجِدُ مَن يَكْفِيه مُؤْنَتَه لم تُكْرَهْ كِتابَتُه؛ لحُصُولِ النَّفْعِ بالحُرِّيةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ.
فأمَّا جُوَيريَةُ فإنَّها كانت ذاتَ أهلٍ، وكانت ابنةَ سيدِ قَوْمِه،
فإذا عَتَقَتْ رَجَعَتْ إلى أهْلِها، فأخْلَفَ اللهُ لها خيرًا مِن أهلِها، فتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وصارت إحْدَى أمَّهاتِ المومنينَ، وأعْتَقَ الناسُ ما كان بأيدِيهم مِن قَوْمِها حينَ بَلَغَهم أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَها، وقالوا: أصْهارُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يُرَ امرأةٌ أعْظَمَ بَرَكَةً على قَوْمِها مِنها.
وأمَّا بَرِيرَةُ، فإنَّ كِتابَتَها تَدُلُّ على إباحَةِ ذلك وأنَّه ليس بمُنْكَرٍ، ولا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ في كَرَاهَتِه. قال مَسْرُوقٌ: إذا سأل العبدُ مَوْلاه المُكاتَبَةَ،
فإن كان له مَكْسَبَةٌ أو كان له مالٌ فلْيُكاتِبْه،
وإن لم يَكنْ له مالٌ ولا مَكْسَبَةٌ، فَلْيُحْسِنْ مَلْكَتَه، ولا يُكَلفْه إلَّا طَاقَتَه. ٢٩٧٧ - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ)
فأمَّا المجْنونُ والطِّفْلُ، فلا تَصِحُّ مُكاتَبَتُهما لرَقِيقِهما، ولا مُكاتَبةُ سَيدِهما لهما، لأنَّ الكِتابَةَ نَقْلُ المِلْكِ بعِوَضٍ، فلا تَصِحُّ منهما ، كالبَيعِ.
٢٩٧٨ -
(وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إِذَا ابْتَغَاهَا بِقِيمَتِهِ مِنْ سَيِّدِهِ) (أُجْبِرَ عَلَيْهَا) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، ذكره الحلواني، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَاهُ سِيرِينَ كَانَ عَبْدًا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَ سِيرِينُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَرَفَعَ الدِّرَّةَ عَلَيْهِ، وَقَرَأَ الْآيَةَ، فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ، وَقَدَّمَ فِي الرَّوْضَةِ الْإِبَاحَةَ،
وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ بِعُوَضٍ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالِاسْتِسْعَاءِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَقَوْلُ عُمَرَ يُخَالِفُهُ فِعْلُ أَنَسٍ، قَالَ أَحْمَدُ: الْخَيْرُ صِدْقٌ وَصَلَاحٌ وَوَفَاءٌ بِمَالِ الْكِتَابَةِ وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ وَالْأَمَانَةِ، وَفَسَّرَهُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ،
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غِنَاءٌ وَإِعْطَاءٌ لِلْمَالِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ لَا تَجِبُ إِجَابَتُهُ (وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ -: أَنَّهَا تُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَسْرُوقٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّ فِيهَا إِضْرَارًا بِالْمُسْلِمِينَ، وَجَعْلَهُ كَلًّا وَعِيَالًا عَلَيْهِمْ، مَعَ تَفْوِيتِ نَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَى سَيِّدِهِ. وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -: لَا تُكْرَهُ ; لِأَنَّ بَرِيرَةَ كَاتَبَتْ وَلَا حِرْفَةَ لَهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ،
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنْ كَانَ يَجِدُ مَنْ يَكْفِيَهُ مَؤُونَتَهُ، لَمْ تُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَتْ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةٍ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَتْ لَا كَسْبَ لَهَا، فَإِنَّهَا تُكْرَهُ لَهَا إِجْمَاعًا (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ
وهل تُكْرَهُ كِتابَةُ مَن لا كَسْبَ له؟ على رِوايَتَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»؛ إحْداهما، تُكْرَهُ كِتابَتُه. وهو المذهبُ. قال القاضي: ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَحِمَه اللهُ، الكَراهَةُ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وصحَّحه في «الخُلاصَةِ»، و «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تُكْرَهُ. فتُسْتَحَبُّ. لكِنْ
قال في «الكافِي»: لو دَعا مَن لا كَسْبَ له سيِّدَه إلى الكِتابَةِ، لم يُجْبَرْ. رِوايَةً واحدَةً. قال المُصَنِّفُ: وينْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في المُكاتَبِ،
فإنْ كان ممَّن يتَضَرَّرُ بالكِتابَةِ ويَضِيعُ؛ لعَجْزِه عن الإنْفاقِ على نفْسِه، ولا يجِدُ مَن يُنْفِقُ عليه، كُرِهَتْ كِتابَتُه،
وإنْ كان يجِدُ مَن يَكْفِيه مُؤْنَتَه، لم تُكْرَهْ كِتابَتُه.
وعنه، تُكْرَهُ كِتابَةُ الأُنثَى. وَلَا تَصِحُّ إِلا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَإنْ كَاتَبَ الْمُمَيِّزُ عَبْدَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، صَحَّ. وَيَحْتمِلُ أَلَّا يَصِحَّ.
فائدة: تقَدَّم في بابِ الحَجْرِ صِحَّةُ كِتابَةِ الوَلِيِّ رَقِيقَ المُوَلَّى عليه. والكِتابَةُ في الصِّحَّةِ والمرَضِ مِن رأْسِ المالِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال أبو الخَطَّابِ ومَن تَبِعَه: في المرَضِ مِنَ الثُّلُثِ.
ولو كاتَبَه في الصِّحَّةِ وأسْقَطَ دَينَه، أو أعْتَقَه في مرَضِه، اعْتُبِرَ خُروجُ الأقَلِّ مِن رقَبَتِه أو دَينِه مِنَ الثُّلُثِ.
ولو وَصَّى بعِتْقِه أو أَبْرأَه مِنَ الدَّينِ، اعْتُبِرَ أَقَلُّهما مِن ثُلُثِه.
ولو حمَل الثُّلثُ بعضَه عتَق، وباقِيه على الكِتابَةِ.
ولو أَقَرَّ في المَرَضِ بقَبْضِ النُّجُومِ سلَفًا، جازَ.
قال: (وهل تكره كتابة من لا كسب له؟ على روايتين) .
أما كون كتابة من ذُكر تكره على روايةٍ؛ فلأن كتابة من لا كسب له إضرار بالمسلمين، وجعله كَلاًّ وعيالاً عليهم مع ثبوت نفقته الواجبة على سيده.
وأما كونها لا تكره على روايةٍ؛ فلأن بريرة كاتبها أهلها ولا حرفة لها. فلم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال (ولا تصح إلا من جائز التصرف. وإن كاتب المميز عبده بإذن وليه صح. ويحتمل أن لا يصح. وإن كاتب السيد عبده المميز صح) .
أما كون الكتابة لا تصح إلا من جائز التصرف؛ فلأنها عقد معاوضة. فلم تصح من غير جائز التصرف؛ كالبيع ونحوه.
وأما كون كتابة المميز عبده بإذن وليه تصح على المذهب؛ فلأن تصرف المميز بإذن وليه صحيح في غير الكتابة. فكذلك فيها.
وأما كونها يحتمل أن لا تصح؛ فلأن المميز غير مكلف. فلم يصح منه عقد الكتابة؛ كالمجنون.
وأما كون كتابة السيد عبده المميز يصح؛ فلأنه مميز والمصلحة له في العتق لخلاصه من الرق. أشبه البالغ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.