وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ فِي أَنَّهُ إذا أَدَّى عَتَقَ وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ
الشروح عليها
(لِكُلِّ واحِدٍ مِن) السيدِ والمُكاتَبِ (فَسْخَها) سَواءٌ كان ثَمَّ صِفَةٌ أو لم تَكُنْ. وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الفاسِدَ لا يَلْزَمُ حُكْمُه، والصِّفَةُ ههُنا مَبْنِيَّةٌ على المُعاوَضَةِ وتابِعَةٌ لها؛ لأنَّ المُعاوَضَةَ هي المَقْصُودُ ، فلمَّا أبْطَلَ المُعاوَضَةَ التيِ هي الأصْلُ، بَطَلَتِ الصِّفَةُ المَبْنِيَّةُ عليها،
بخِلافِ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، ولأنَّ السيدَ لم يَرْضَ بهذه الصِّفَةِ إلَّا بأن يُسَلَّمَ له العِوَضُ المُسَمَّى،
فإذا لم يُسَلَّمْ كان له إبْطالُها،
بخِلافِ الصَّحِيحَةِ، فإنَّ العِوَضَ سُلِّمَ له، فكان العَقْدُ لازِمًا له. الثالثُ، أنَّه لا يَلْزَمُ السيدَ أن يُؤَدِّيَ إليه شيئًا مِن الكِتابَةِ؛ لأنَّ العِمقَ ههُنا بالصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنْتَ حُرٌّ. ٣٠٣٨ - مسألة: (وتَنْفَسِخُ بمَوْتِ السيدِ، وجُنُونِه، والحَجْرِ للسَّفَهِ) اخْتُلِفَ في انْفِساخِها بمَوْتِ السيدِ، فذهبَ القاضي وأصحابُه إلى بُطْلانِها به. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، لا يَئُولُ إلى اللُّزومِ، فبَطَلَ بالمَوْتِ، كالوَكالةِ، ولأنَّ المُغَلَّبَ فيها حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، والصِّفَةُ تَبْطُلُ بالمَوْتِ، كذلك هذه الكِتابَةُ.
وقال أبو بكرٍ: لا تَبْطُلُ بالمَوْتِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ إلى الوارِثِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّه مُكاتَبٌ يَعْتِقُ بالأداءِ إلى السيدِ، فيَعْتِقُ بالأداءِ إلى الوارِثِ، كالكتابةِ الصَّحِيحَةِ، [ولأنَّ الفاسدةَ كالصحيحةِ] في بابِ العِتْقِ بالأداءِ، فكذلك في هذا. واخْتُلِفَ في انْفِساخِها بجُنُونِ السيدِ والحَجْرِ عليه للسفَهِ ، والخلافُ فيه كالخلافِ في بُطلانِها بمَوْتِه. قال شيخُنا : والأوْلَى أنَّها لا تَبْطُلُ ههُنا؛ [لأنَّ الصِّفَةَ] المُجَرَّدَةَ لا تَبْطُلُ بذلك، والمُغَلُّبُ في هذه الكتابةِ حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، فلا تَبْطُلُ به.
فعلى هذأ، لو أدَّى إلى سيدِه بعدَ ذلك عَتَقَ، ولا يَعْتِقُ عندَ مَن أبْطَلَها.
فصل: (ويَمْلِكُ السيدُ أخْذَ ما في يَدِه،
وإن فَضَلَ عن الأداءِ فَضْلٌ فهو لسيدِه) هذا قولُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّ كَسْبَ العبْدِ لسيدِه بحكمِ الأصْلِ، والعَقْدُ ههُنا فاسدٌ، لم يثْبُتِ الحُكْمُ في وُجوبِ العِوَضِ في ذِمَّتِه، فلم يُنْقَلِ المِلْكُ في المُعَوَّضِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، ولأنَّ المُغَلَّبَ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، وهي لا تَثْبُتُ له في كَسْبِه، فكذا ههُنا. وفارَقَ الكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ، فإنَّها أثْبَتَتِ المِلْكَ في العِوَضِ فأثْبَتَتْه في المُعَوَّضِ.
وقال القاضي: ما في يَدِ المُكاتَبِ وما يَكْسِبُه وما يَفْضُلُ في يَدِه بعدَ الأداءِ له. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها كِتابَةٌ يَعْتِقُ بالأداءِ فيها، فيَثْبُتُ هذا الحُكْمُ فيها، كالصَّحِيحَةِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِمَا بينَ الفاسِدَةِ والصَّحِيحَةِ مِن الفُرُوقِ.
٣٠٣٩ -
(وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) أَوْ مَجْهُولٍ (يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ فِي أَنَّهُ إذا أَدَّى عَتَقَ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، كَسَائِرِ الْكِتَابَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَاخْتَارَ فِي الِانْتِصَارِ، إِنْ أَتَى بِالتَّعْلِيقِ كَقَوْلِهِ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنْهُ يَعْتِقُ بِالصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَا بِالْكِتَابَةِ،
فَأَمَّا الْكِتَابَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ عِوَضُهَا مُحَرَّمًا،
فَإِنْهَا تُسَاوِي الصَّحِيحَةَ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالصِّفَةِ بِأَنْ يَقُولَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَمْ يَقُلْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهُ بِالْأَدَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَعْطَاهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي كَتْبِهِ.
الرَّابِعُ: إِذَا كَاتَبَ جَمَاعَةً كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ، عَتَقَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِهَا فِي الصَّحِيحَةِ،
وَعَنْهُ: بُطْلَانُهَا بِعِوَضٍ مُحَرَّمٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ (وَلَا يَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ) لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْعَقْدِ
بِخِلَافِ الصَّحِيحَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ صِفَةٌ أَوْ لَا،
وَأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْكِتَابَةِ (وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ) لِأَنَّ الْفَاسِدَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، لَا يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ، فَانْفَسَخَتْ بِذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ
وإذا أدَّى وعتَقَ، فوجَد السَّيِّدُ بالعِوَضِ عَيبًا، فله أَرْشُه أَوْ قِيمَتُه، ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يرْتَفعُ العِتْقُ. هذا المذهبُ. جزَم به في «المُحَررِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائِقِ»، وغيرِهم. وصحَّحه في «النَّظْمِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: هو كالبَيعِ. وقيل: يَرْتَفِعُ العِتْقُ، إنْ ردَّه ولم يُعْطِهِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَدَلَ. وهو تَوْجِيهٌ للقاضي.
قال المُصَنِّفُ وغيرُه: فإنْ بانَ مَعِيبًا، نَظَرْتَ؛
فإنْ رَضِيَ بذلك وأمْسكَه، اسْتقَرَّ العِتْقُ،
وإنِ اخْتارَ إمْساكَه وأخْذَ الأَرْشِ، أو ردَّه، فله ذلك.
وقال أبو بَكْر: قِياسُ قَوْلِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه لا يبْطُلُ به العِتْقُ، وليس له الرَّدُّ، وله الأَرْشُ.
فائدة: لو أخَذ السَّيِّدُ حقَّه ظاهِرًا، ثم قال: هو حُرٌّ. ثم بانَ مُسْتَحَقًّا، لم يَعْتِقْ. قاله الأصحابُ.
وإنِ ادَّعَى السَّيِّدُ تحْريمَ العِوَضِ، قُبِلَ ببَيِّنَةٍ،
وإنْ لم تكُنْ بَيِّنَة، فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ، وَمَنَافِعَهُ، وَالشِّرَاءَ، وَالْبَيعَ، وَالإِجَارَةَ، وَالاسْتِئْجَارَ، وَالسَّفَرَ، وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ، وَالإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ المَالِ.
قُبِلَ قوْلُ العَبْدِ مع يَمِينِه، ثم يجِبُ على السَّيِّدِ أخْذُه، ويعْتِقُ به، ثم يلْزَمُ السَّيِّدَ رَدُّه إلى مالِكِه، إنْ أضافَه إلى مالٍ.
وإنْ نكَل العَبْدُ حلَف سيِّدُه، وله قَبْضُه مِن دَينٍ غيرِ دَينِ الكِتابَةِ وتعْجِيزُه،
وفي تَعْجيزِه قبلَ أخْذِ ذلك مِن جِهَةِ الدَّينِ وَجْهان في «التَّرْغيبِ». واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ». والاعْتِبارُ بقَصْدِ السَّيِّدِ في قَبْضِه عن أحَدِ الدَّينَين، وفائِدَتُه، يَمِينُه عندَ النزاعِ.
قلتُ: قد تقدَّم في بابِ الرَّهْنِ، أنَّه لو قضَى بعضَ دَينه، أو أُبْرِئ منه، وببعضِه رَهْنٌ أو كَفيل، كان عمَّا نَواه الدَّافِعُ، أو المُبْرِئُ مِنَ القِسْمَين، والقَوْلُ قوْلُه في النِّيَّةِ بلا نِزاعٍ. فيُخَرَّجُ هنا مثلُه. ويمْلِكُ السَّفَرَ. حُكْمُ سفَرِ المكاتَبِ حُكْمُ سفَرِ الغَريمِ، على ما تقدَّم في أوَّلِ بابِ الحَجْرِ.
قال في «الفُروعِ»: وله السَّفَرُ، كغَريمٍ. قال المُصَنِّفُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ: وقد أطْلَقَ أصحابُنا القَوْلَ في ذلك، ولم يُفَرِّقُوا بينَ السَّفَرِ الطويلِ وغيرِه. وقِياسُ المذهبِ، أنَّ له منْعَه مِنَ السَّفَرِ الَّذي تحِل نُجومُ الكِتابَةِ قبلَه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: قلتُ: وهو مُرادُ الأصحابِ، وإنَّما لم يُقَيِّدوا ذلك اكتِفاءً بما تقدَّم لهم مِنَ الحُرِّ المَدِينَ بطريق الأَوْلَى.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنِّفِ، السَّفَرُ للجِهادِ، فإنَّه لا بجوزُ له السَّفَرُ لذلك إلَّا بإذْنِه، على ما مر في كتابِ الجِهادِ. ذكَرَه الزَّرْكَشِيُّ.
فَإِنْ شَرَطَ عَلَيهِ أَلَّا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
فَصْلٌ: وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ -مِثْلَ أنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خَمْرٍ، والكِتابَةُ الفاسِدَةُ، مثلَ أَنْ يُكاتِبَه على خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، يُغلَّبُ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ.
وكذا لو كان العِوَضُ مَجْهولًا، أو شرَط فيها ما يُنافِيها، وقُلْنا: تفْسُدُ أَوْ خِنْزِيرٍ- يُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ، في أَنَّه إِذَا أَدَّى عَتَقَ، وَلَا يَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ.
بفَسادِ الشَّرْطِ في وَجْهٍ. على ما تقدَّم، يُغَلَّبُ حُكْمُ الصِّفَةِ في كلِّ ذلك؛ في أنَّه إذا أدَّى، عَتَقَ، ولكُلِّ واحدٍ منهما الفَسْخُ، فهي جائزةٌ مِنَ الطَّرفَين. وهذا المذهبُ في ذلك كلِّه، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، وأصحابُه. قاله في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
وصحَّحَه في «النَّظْمِ» وغيرِه. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الحاوي»، وغيرِهم.
وعنه، بُطْلانُ الكِتابَةِ مع تَحْرِيمِ العِوَضِ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ عَقِيلٍ.
قال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والأرْبَعِين»: وهو الأظْهَرُ.
قال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: المَنْصوصُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أن العَقْدَ يَبْطُلُ مِن أصْلِه. وأوَّلَ القاضي، وأبو الخَطَّابِ النَّصَّ.
وقال القاضي في «الخِلافِ الكَبيرِ»: المُغَلَّبُ في الكِتابةِ على عِوَضٍ مَجْهولٍ المُعاوَضَةُ؛ بدَليلِ أنَّه يَعْتِقُ بالأَداءِ إلى الوارِثِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، قال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: قوْلُ الأكْثَرِينَ: إنَّ الكِتابَةَ إذا لم تكُنْ مُنَجَّمَةً باطِلَةٌ مِن أصْلِها. مع قَوْلِهم في الكِتابَةِ على عِوَضٍ مَجْهولٍ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُغَلَّبُ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ. مُشْكِلٌ جِدًّا، وكان الأَوْلَى، إذا كان العِوَضُ معْلومًا، أنْ يُغَلَّبَ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ أيضًا. الثَّانيةُ، قال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ وغيرُه: إذا كانتِ الكِتابَةُ الفاسِدَةُ بعِوَضٍ مُحَرَّم، فإنَّها تُساوي الصَّحيحةَ في أرْبَعَةِ أحْكامٍ؛ أحدُها، أنَّه يَعْتِقُ بأداءِ ما كُوتِبَ عليه مُطْلَقًا. الثَّاني، إذا أعْتَقَه بالأداءِ، لم يلْزَمْه قِيمَةُ نفْسِه، ولم يرْجِعْ على سيِّدِه. الثالثُ، يمْلِكُ المُكاتَبُ التَّصَرُّفَ وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَجُنُونِهِ، وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ [وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا].
في كَسْبه، وله أخْذُ الصَّدَقاتِ والزَّكَواتِ. الرَّابعُ، إذا كاتَبَ جماعةً كِتابةً فاسدَةً، فأَدَّى أحَدُهم حِصَّتَه، عَتَقَ على قوْلِ مَن قال: إنَّه يعْتِقُ في الكتابةِ الصَّحِيحَةِ بأداءِ حِصَّتِه،
ومَن لا، فلا هنا. وتُفارِقُ الصَّحيحةَ في ثَلاثَةِ أحْكامٍ؛ أحدُها، إذا أَبْرأَه، لم يصِحَّ ولم يعْتِقْ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. واخْتارَ في «الانْتِصارِ»؛ إنْ أَتَى بالتَّعْليقِ، لم يعْتِقْ بالإِبْراءِ، وإلَّا عَتَق. الثَّاني، لكُلِّ واحدٍ منهما فَسْخُها. الثالثُ، لا يلْزَمُ السَّيِّدَ أنْ يؤَدِّيَ إليه شيئًا مِنَ الكِتابةِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ». والوَجْهُ الثَّاني، يلْزَمُه. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروع»، و «الفائقِ». وتَنْفَسِخُ بمَوْتِ السَّيِّدِ، وجُنُونِه، والحَجْرِ للسَّفَهِ.
وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «الخُلاصَةِ». قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. وقاله القاضي وأصحابُه في الانْفِساخِ بالمَوْتِ.
وقال أبو بَكْرٍ: لا وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ أَخْذَ مَا في يَدِهِ،
وَإِنْ فَضَلَ عَنِ الْأَدَاءِ فَضْلٌ تنْفَسِخُ بالموتِ، ولا بالجُنونِ، ولا بالحَجْرِ، ويَعْتِقُ بالأَدَاءِ إلَى الوارِثِ. قال المُصَنِّفُ والأَوْلَى أنَّها لا تبْطُلُ بالحَجْرِ والجُنونِ. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
فصل [في الكتابة الفاسدة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (والكتابة الفاسدة مثل أن يكاتبه على خمرٍ، أو خنزيرٍ يغلب فيها حكم الصفة في أنه إذا أدى عتق فلا يعتق بالإبراء) .
أما كون الكتابة بما ذكر فاسدة؛ فلأنها عقد معاوضة. ففسدت بما ذكر؛ كالبيع.
وأما كون الكتابة الفاسدة يغلب فيها حكم الصفة؛
فلأن الكتابة تتضمن أمرين:
أحدهما: المعاوضة.
والثاني: الصفة. وهي أن تقول: إذا أديت فأنت حر.
فإذا لم تصح المعاوضة بقيت الصفة. فيجب أن يعتق إذا أدى فيها؛ لوجود الصفة.
وقال المصنف في المغني: قال أحمد: إذا كاتب كتابة فاسدة. فأدى: عتق ما لم تكن الكتابة محرمة.
وظاهره أنه لا يعتق بالأداء فيها. وجُمع بينهما: بأن العتق محمول على كتابة فيها صفة، والقول بعدم العتق محمول على كتابة ليس فيها صفة.
وأما كونه لا يعتق فيها بالإبراء؛ فلأن المال غير ثابت في العقد.
بخلاف الكتابة الصحيحة.
قال: (وتنفسخ بموت السيد وجنونه والحجر للسفه. ولكل واحدٍ منهما فسخها) .
أما كون الكتابة المذكورة تنفسخ بما ذكر على المذهب؛ فلأن الكتابة الفاسدة عقدٌ جائز من الطرفين لا تؤول إلى اللزوم. فانفسخت بما ذكر؛ كالوكالة. فعلى هذا إذا مات وأدّى إلى الورثة لم يعتق؛ لأن المعاوضة انفسخت، والصفة بطلت بالموت.
وأما كون كل واحدٍ منهما له فسخها؛ فلأنها ليست بعقد صحيح حتى تكون كإرثه.
فإن قيل: أن يملك السيد فسخها إذا كان فيها صفة؛ كقوله: إن أديت كذا فأنت حر.
قيل: لأن المقصود المعاوضة، والصفة مبنية عليها. بخلاف الصفة المجردة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.