وَعَنْهُ: تَصِيرُ وَأَحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ أَحْكَامُ الْأَمَةِ فِي الْإِجَارَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْوَطْءِ وَسَائِرِ أُمُورِهَا إِلَّا فِيمَا يَنْقُلُ الْمِلْكُ فِي رَقَبَتِهَا كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ أَوْ مَا يُرَادُ لَهُ كَالرَّهْنِ
الشروح عليها
(وعنه، تَصِيرُ) وسَواءٌ مَلَكَها حامِلًا فوَلَدَت في مِلْكِه، أو مَلَكَها بعدَ ولادَتِها. وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّها عَلِقَت منه بمَمْلوكٍ، فلم يثْبُتْ لها حكمُ الاسْتِيلادِ، كما لو زَنَى بها ثم اشْتَراها؛ لأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، وإنَّما خولِفَ هذا الأصْلُ فيما إذا حَمَلَت منه في مِلْكِه، بقولِ الصَّحابَةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ. ونَقَلَ ابنُ أبي موسى عن أحمدَ، أنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ في الحالين. وهو قولُ الحسنِ، وأبي حنيفةَ؛
لأنَّها أُمُّ وَلَدِه، وهو مالِكٌ لها، فيثْبُتُ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، كما لو حَمَلَتْ في مِلْكِه. قال شيخُنا : ولم أجِدْ هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ فيما إذا مَلَكَها بعدَ ولادَتِها، إنَّما نُقِلَ عنه التَّوقُّف عنها، في رِوايةِ مُهَنَّا، فقال: لا أقُولُ فيها شيئًا. وصَرَّحَ في رِوايَةِ سِواه بجَوازِ بَيعِها، فقال: لا أرَى بَأْسًا أن يبِيعَها، إنَّما الحسنُ وَحْدَه قال: إنَّها أُمُّ وَلَدٍ.
وقال: أكثرُ ما سَمِعْنا فيه مِن التَّابِعين يقولون: إنَّها لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ حتى تَلِدَ عندَه وهو يَمْلِكُها. كان عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ يقولُ ببَيعِها، وشُرَيحٌ، وإبراهيمُ، والشَّعْبِيُّ .
أمَّا إذا مَلَكَها حامِلًا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها تصِيرُ أُمَّ ولدٍ. وهو مذهبُ مالكٍ؛ لأنَّها وَلَدَت منه في مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو أحْبَلَها في مِلْكِه. وقد صَرَّحَ أحمدُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ منصورٍ، أنَّها لا تكونُ أُمَّ ولدٍ حتى تُحْدِث عندَه حَمْلًا. وروَى عنه ابنُه صالحٌ، قال: سألتُ أبي عن الرجلِ يَنْكِحُ الأمَةَ فتَلِدُ منه، ثم يَبْتاعُها. قال: لا تكونُ أُمَّ ولدٍ له.
قُلْتُ: فإنِ اشْتَراها وهي حامِلٌ منه. قال: إذا كان الوَطْءُ يَزِيدُ في الولدِ، وكان يَطَؤُها بعد ما اشْتَرَاها وهي حامِلٌ، كانتْ أُمَّ ولدٍ له. قال ابنُ حامِدٍ: إنْ وطِئَها في ابْتداءِ حَمْلِها أو بواسِطَةٍ، صارت له بذلك أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في سَمْعِ الولدِ وبَصَرِه.
وقال القاضي: إن مَلَكَها حامِلًا، فلم يَطَأْها حتى وَضَعَت، لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ،
وإن وَطِئَها حال حَمْلِها، نَظَرْنا؛
فإن كان بعدَ أن كَمَلَ الولَدُ، وصارَ له خَمْسَةُ أشْهُرٍ، لم تَصِرْ بذلك أُمَّ ولدٍ،
وإن وَطِئَها قبلَ ذلك، صارَت له بذلك أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ عمرَ قال: أبعدَ ما اخْتَلَطَتْ دِماؤُكم ودماؤُهُنَّ، ولُحومُكُم ولُحومُهنَّ، بِعْتُمُوهُنَّ ! فعلَّلَ بالمُخالطَةِ، والمُخالطَةُ ههُنا حاصِلَةٌ؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الولدِ، ولأن لحُريَّةِ البَعْضِ أثَرًا في تَحْرِيرِ الجميعِ، بدليلِ ما لو أعْتَقَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه مِن العبدِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن وَطِئَها بعدَ الشِّراءِ فهي أُمُّ وَلَدٍ. وكلامُ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أن لا تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، إلَّا أن تَحْبَلَ منه في مِلْكِه. وهو الذي رَواه إسحاقُ بنُ منصورٍ عن أحمدَ. وهو ظاهِرُ المذهبِ؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ منه بحُرٍّ، فلم يثْبُت له حكمُ الاسْتِيلادِ، كما لو زَنَى بها ثم اشْتَراها، ولأنَّ حَمْلَها منه إذا لم يُفِدِ الحُرِّيةَ لوَلَدِها، فلَأن لا يُفِيدَها الحُرِّيةَ أوْلَى. ويفارِقُ هذا ما إذا حَمَلَت منه في مِلْكِه،
فإنَّ الولدَ حُرٌّ، فَتتَحَرَّرُ بتَحْرِيرِه. وما ذَكَرُوه مِن أنَّ الوَلَدَ يَزِيدُ فيه الوَطْءُ، غيرُ مُسْتَيقَنٍ، فلا يثْبُتُ الحكمُ بالشَّكِّ،
ولو ثَبَتَ أنَّه زاد، لم يثْبُتِ الحكمُ بهذه الزِّيادَةِ، بدليلِ ما لو مَلَكَها وهي حامِلٌ منه مِن زِنَى أو مِن غيرِه، فوَطِئَها، لم تَصِرْ أُمَّ وَلدٍ وإن زادَ الولَدُ به. ولأنَّ حُكْمَ الاسْتِيلادِ إنَّما ثَبَتَ بالإِجْماعِ في حَقِّ مَن حَمَلَتْ منه في مِلْكِه، وما عَداه ليس في مَعْناه، وليس فيه نَصٌّ ولا إجْماعٌ، فوجَبَ أن لا يثْبُتَ هذا الحكمُ. ولأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، فتَبْقَى على ما كانت عليه.
فصل: قال أحمدُ، في مَن اشْتَرَى جارِيَةً حامِلًا مِن غيرِه،
فوَطِئَها قبلَ وَضْعِها: فإنَّ الولدَ لا يَلْحَقُ بالمُشْتَرِي، ولا يَبِيعُه، لكنْ يُعْتِقُه، لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الولدِ. وقد رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه مَرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسْطاطٍ، فقال:«لَعَلَّهُ يُرِيدُ أن يُلِمَّ بهَا؟». قالوا: نَعَم. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَه لَعْنًا يَدْخُل مَعَهُ قَبْرَه، كَيفَ يُوَرِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ أمْ كَيفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لا يَحِلُّ له؟».
رَواه أبو داودَ . يعني أنَّه إنِ اسْتَلْحَقَه وشَرِكَه في مِيرَاثِه لم يَحِلَّ لهِ؛ لأنَّه ليس بولدِه،
وإنِ اتَّخَذَه مَمْلُوكًا يَسْتَخْدِمُه لم يَحِلَّ له؛ لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لكَوْنِ الماءِ يَزِيدُ في الولدِ.
فصل: إذا وَطِئَ الرَّجُلُ جارِيَةَ وَلَدِه،
فإن كان قد تَمَلَّكَها وقَبَضَها، ولم يكُنِ الولدُ وَطِئَها، ولا تَعَلَّقَتْ بها حاجَتُه، فقد ملَكَها الأبُ بذلك وصارَتْ جاريَتَه، والحكمُ فيها كما لو اشْتَرَاها.
وإنْ وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}. وهذه ليست زَوْجَتَه ولا مِلْكَ يَمِينِه.
فإن قيلَ: فقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ». فأضافَ مال الابنِ إلى أبِيه بلام المِلْكِ والاسْتِحْقاقِ، فيَدُلُّ على أنَّه مِلْكُه. قُلْنا: لم يُرِدِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَقيقَةَ المِلْكِ، بدليلِ أنَّه أضاف إليه الولدَ، وليس بمَمْلُوكٍ، وأضافَ إليه ماله في حالِ إضافَتِه إلى الولدِ، ولا يكونُ الشيءُ مِلْكًا لمالِكَين حَقِيقَةً، بدليلِ أنَّه يَحِلّ له وَطْءُ إمائِه، والتَّصَرُّفُ في مالِه، وصِحَّةُ بَيعِه وهِبَتِه وعِتْقِه، ولأنَّ الولَد لو مات لم يَرِثْ أبُوه منه إلَّا ما قُدِّرَ له،
ولو كان ماله لاخْتَصَّ به،
ولو مات الأبُ لم يَرِثْ ورَثتُه مال ابْنِه ،
ولا يجبُ على الأبِ حَجٌّ ولا زَكاةٌ ولا جِهادٌ بيَسارِ ابنِه، فعُلِمَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أراد التَّجَوُّزَ بتَشبِيهِه بمالِه في بعضِ أحْكامِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا حَدَّ على الأبِ؛ للشُّبْهَةِ؛ لأنَّه إذا لم يَثْبُتْ له حقيقةُ المِلْكِ، فلا أقَلَّ مِن أن يكونَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ،
فإنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولكن يُعَزَّرُ؛ لأنَّه وَطِيء وَطْئًا مُحَرَّمًا، فأشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يُعَزَّرُ؛ لأنَّ مال ولَدِه كما لِه.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ماله مُباحٌ له، غيرُ مَلُوم عليه،
بخِلافِ وَطْءِ الأبِ، فإنَّه عادٍ فيه مَلُومٌ عليه.
فإن عَلِقَتْ منه، فالولدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ دُرِئَ فيه الحَدُّ لِشُبْهَةِ المِلْكِ، فكان حُرًّا، كولدِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّ الجارِيَةَ تَصِيرُ مِلْكًا له بالوَطْءِ، فيَحْصُلُ عُلوقُها بالولدِ وهي مِلْكُه، وتَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، تَعْتِقُ بمَوْتِه وتَنْتَقِلُ إلى مِلْكِه، فيَحِلُّ له وَطْؤُها بعدَ ذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، في أحَدِ قولَيه.
وقال في الآخَرِ: لا تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له، ولا يَمْلِكُها؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَها في غيرِ مِلْكِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، ولأنَّ ثُبوتَ أحْكامِ الاسْتِيلادِ إنَّما كان بالإِجْماعِ فيما إذا اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه، وهذه ليستْ [مَمْلوكةً له]، ولا في مَعْنَى مَمْلوكَتِه؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه، فوجَبَ أن لا يثْبُتَ لها هذا الحكمُ؛ لأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، فيَبْقَى على الأصلِ، ولأنَّ الوَطْءَ المُحَرَّمَ لا يَنْبَغِي أن يكونَ سَبَبًا للمِلْكِ الذي هو نِعْمَةٌ وكَرَامَةٌ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَعاطِي المُحَرَّماتِ.
ولَنا، أنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ لأجْلِ المِلْكِ، فصارَتْ أُمَّ ولدٍ له، كالجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، وبهذا فارَقَ وَطْءَ الأجْنَبِيِّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَلْزَمُه مَهْرُها ولا قِيمَتُها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه مهرُها، وتَلْزَمُه قِيمَتُها؛ لأنَّه أخْرَجَها عنِ مِلْكِ سيدِها بفِعْلٍ مُحَرَّم، أشْبَهَ ما لو قَتَلَها، وإنَّما لم يَلْزَمْه مَهْرُها؛ لأنه إذا ضَمِنَها فقد دَخَلَتْ قِيمةُ البُضْعِ في ضَمانِها، فلم يَضْمَنْه ثانيًا، كما لو قَطَعَ يَدَها فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِها فإنَّه يضْمَنُ قِيمةَ النَّفْسِ دُونَ قِيمَةِ اليَدِ.
وقال الشافعيُّ: يَلْزَمُه مَهْرُها؛ لأنَّه وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه وَطْئًا مُحَرَّمًا، فلَزِمَه مَهْرُها، كالأجْنَبِيِّ، وتَلْزَمُه قِيمَتُها، على القولِ بكَونِها أمَّ ولدٍ، كما يَلْزَمُ أحَدَ الشَّرِيكَين قيمةُ نَصِيبِ شَرِيكِه إذا اسْتَوْلَدَ الجاريَةَ المُشْتَرَكَةَ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ». ولأنَّه لا يَلْزَمُه قِيمَةُ ولدِها، فلم يَلْزَمْه مَهْرُها ولا قِيمَتُها، كمَمْلُوكَتِه، ولأنَّه وَطْءٌ صارتْ به المَوْطُوءَةُ أُمَّ ولدٍ لأمْرٍ لا يَخْتَصُّ ببَعْضِها، فأشْبَهَ اسْتِيلادَ مَمْلُوكَتِه.
فصل: فإن كان الابنُ قد وَطِئَ جارِيَتَه، ثم وَطِئَها أبوه فأوْلَدَها؛ فقد رُوِيَ عن أحمدَ في مَن وَقَعَ على جارِيَةِ ابنِه: إن كان الأبُ قَابِضًا لها، ولم يكُنْ الابنُ وَطِئها، فهي أُمُّ ولَدِه، فليس للابنِ فيها شيءٌ. قال القاضي: فظاهِرُ هذا، أنَّ الابنَ إن كان قَدْ وَطِئَها، لم تَصِرْ أمَّ ولدٍ للأبِ باسْتِيلادِها؛ لأنَّها تَحْرُمُ عليه تحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بوَطْءِ ابْنِه لها ، ولا تَحِلُّ له بحالٍ، فأشْبَهَ وَطْءَ الأجْنَبِيِّ. فعلى هذا القولِ، لا يَمْلِكُها، ولا تَعْتِق بمَوْتِه.
فأمَّا ولدُها، فيَعْتِقُ على أخِيه؛ لأنَّه ذو رَحِمِه. [ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ لها حُكْمُ الاستيلادِ مِن غيرِ أن تَحِلَّ له]، كما لو اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه التي وَطِئَها ابنُه، فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له مع تحْرِيمِها عليه على التَّأْبِيدِ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّه وَطْءٌ يُدْرَأُ فيه الحَدُّ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فصارَتْ به أُمَّ ولدٍ، كما لو لم يطَأَها الابنُ.
فصل: فإن وَطِئَ الابنُ جارِيَةَ أبِيه فهو زانٍ، عليه الحَدُّ إذا كان عالمًا بالتَّحْرِيمِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، ويَلْزَمُه مَهْرُها، ويَعْتِقُ ولَدُه على جَدِّه؛ لأنَّه ابنُ ابنِه، إذا قُلْنا: إنَّ ولدَ الزِّنى يَعْتِقُ على أبِيه. وتَحْرُمُ الجارِيَةُ على الأبِ على التَّأْبِيدِ، ولا تَجبُ قِيمَتُها على الابنِ؛ لأنَّه لم يُخرِجْها عن مِلْكِ أبِيه، ولم يَمْنَعْه بَيعَها ولا التَّصَرُّفَ فيها بغيرِ الاسْتِمتاعِ.
فإنِ اسْتَوْلَدَها الأبُ بعدَ ذلك فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكًا، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلوكَتَه، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ.
فصل: فإن وَطِئَ أمَتَه وهي مُزَوَّجَةٌ، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ. قال أحمدُ: يُجْلَدُ، ولا يُرْجَمُ. يعني أنَّه يُعَزَّرُ بالجَلْدِ؛ لأنَّه لو وَجَبَ عليه الحَدُّ، لوَجَبَ الرَّجْمُ إذا كان مُحْصَنًا.
فإن أوْلَدَها صارَتْ أُمَّ ولدٍ له؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وولدُه حُرٌّ، وما وَلَدَت بعدَ ذلك مِن الزَّوْجِ فحُكْمُه حكمُ أُمِّه.
فصل: ولو مَلَكَ رَجُلٌ أُمَّه مِن الرَّضاعِ، أو أُخْتَه، أو ابْنَتَه، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها.
فإن وَطِئَها فلا حَدَّ عليه، في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ.
وإنْ وَلَدَتْ منه فالوَلَدُ حُرٌّ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، وهي أُمُّ وَلَدِه.
وكذلك لو مَلَكَ أمَةً مَجُوسِيَّةً، أو وَثَنِيَّةً، فاسْتَوْلَدَها، أو مَلَكَ الكافِرُ أمةً مُسْلِمَةً فاسْتَوْلَدَها، فلا حَدَّ عليه، ويعَزَّرُ، ويَلْحَقُه نسَبُ وَلَدِه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له ، تَعْتِقُ بمَوْتِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ، أو وَطِئَ رَبُّ المالِ أمَةً مِن مالِ المُضارَبَةِ فأوْلَدَها، صارَتْ له بذلك أُمَّ ولدٍ، وخرجت مِن الرَّهْنِ والمُضارَبَةِ، [وتَنْفَسِخُ المُضارَبةُ به فيها]،
وإن كان فيها رِبْحٌ جُعِلَ الرِّبْحُ في مالِ المُضارَبَةِ، وعليه قِيمَتُها. للمُرْتَهِنِ، تُجْعَلُ مَكانَها رَهْنًا، أو يُوَفيه عن دَينِ الرَّهْنِ. واللهُ أعلمُ. ٣٠٤٥ - مسألة: (وأحكامُ أُمِّ الوَلَدِ أحْكامُ الأمَةِ، في الإِجارَةِ، والاسْتِخْدامِ، والوَطْءِ، وسائِرِ أمُورِهَا، إلَّا فيما يَنْقُلُ المِلْكَ في رَقَبَتِها؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، أو ما يُرادُ له؛ كالرَّهْنِ. وعنه، ما يَدُلُّ على جَوازِ بَيعِها مع الكَراهَةِ. ولا عَمَلَ عليه) وجملةُ ذلك، أنَّ الأمَةَ إذا حَمَلَتْ مِن سيدِها، ووَلَدَتْ منه، ثَبَتَ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، وحُكْمُها حكمُ الإِماءِ في حِلِّ وَطْئِها لسيدِها، واسْتِخْدامِها، ومِلْكِ كَسْبِها، وتَزْويجِها، وإجارَتِها، وعِتْقِها، وتَكْلِيفِها، وحَدِّها، وعَوْرَتِها.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَمْلِكُ إجارَتَها وتَزْويجَها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَها، فلا يَمْلِكُ تَزْويجَها وإجارَتَها، كالحُرَّةِ. ولَنا، أنَّها مَمْلوكَةٌ يُنْتَفَعُ بها، فيَمْلِكُ سيدُها تَزْويجَها وإجارَتَها، كالحُرَّةِ، وإنَّما منِعَ بَيعَها؛ لأنها اسْتَحَقَّتْ أن تَعْتِقَ بمَوْتِه، وبَيعُها يَمْنَعُ ذلك،
بخِلافِ التَّزْويجِ والإِجارَةِ. ويبْطُلُ دليلُهم بالمَوْقوفَةِ والمُدَبَّرَةِ عندَ مَن مَنَعَ بَيعَها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها تُخالِفُ الأمَةَ القِنَّ، في أنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها مِن رأسِ المالِ،
ولا يجوزُ بَيعُها، ولا التَّصَرُّفُ فيها بما يَنْقُلُ المِلْكَ، مِن الهِبَةِ والوَقْفِ، ولا ما يُرادُ للبَيعِ، وهو الرَّهْنُ، ولا تُورَثُ؛ لأنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها ويَزُولُ المِلْكُ عنها. رُوِيَ هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعائشةَ، وعامَّةِ الفُقهاءِ. ورُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيرِ، إباحَةُ بَيعِهنَّ. وإليه ذَهَبَ داودُ. [قال سعيدٌ]: حدثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، في أُمِّ الولدِ، قال: بِعْهَا كما تَبِيعُ ثِيابَك أو بَعِيرَكَ. قال : وحدثنا أبو عَوَانَةَ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَبِيدَةَ، قال: خَطَبَ عَليٌّ الناسَ، فقال: شاوَرَنِي عمرُ في أُمَّهاتِ الأولادِ، فرَأَيتُ أنا وعمرُ أن أعْتِقَهُنَّ، فقَضَى به عمرُ حَياتَه، وعثمانُ حياتَه، فلمَّا وَلِيتُ رأيتُ أن أُرِقَّهُنَّ.
قال عَبِيدَةُ: فرَأْيُ عمرَ وعليٍّ في الجماعَةِ أحَبُّ إلينا مِن رَأْيِ عَلِيٍّ وحْدَه. وقد روَى صالِحُ بنُ أحمدَ، قال: قُلْتُ لأبي: إلى أيِّ شيءٍ تَذْهَبُ في بَيعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ؟ قال: أكْرَهُه، وقد باعَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ.
وقال في رِوايةِ إسحاقَ بنِ منصورٍ: لا يُعْجِبُنِي بَيعُهنَّ. قال أبو الخَطَّابِ: وظاهِرُ هذا أنَّه يَصِحُّ بَيعُهُنَّ مع الكَراهَةِ. فجعلَ هذا رِوَايةً ثانيةً عن أحمدَ.
قال شيخُنا : والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس برِوايةٍ مخالِفَةٍ لقولِه: إنَّهُنَّ لا يُبَعْنَ. لأنَّ السَّلَفَ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، كانوا يُطْلِقُونَ الكَراهَةَ على التَّحْرِيم كثيرًا،
ومتى كان التَّحْرِيمُ والمَنْعُ مُصَرَّحًا به في سائِرِ الرِّواياتِ عنه، وَجَبَ حَمْلُ هذا اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ على المُصَرَّحِ به، ولا يُجْعَلُ ذلك اخْتِلافًا. وحُجَّةُ مَن أجاز بَيعَهُنَّ، ما روَى جابرٌ، قال: بِعْنَا أُمَّهاتِ الأوْلادِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، [فلمَّا كان عمرُ، نَهانَا، فانْتَهَينا . وما كان جائِزًا في عَهْدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ] ، لم يَجُزْ نَسْخُه بقول عمرَ ولا غيرِه، ولأنَّ نَسْخَ الأحكامِ إنَّما يجوزُ في عصرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ النَّصَّ إنَّما يُنْسَخُ بنَصٍّ.
وأمَّا قولُ الصَّحابيِّ، فلا يَنْسَخُ، ولا يُنْسَخُ به،
فإنَّ أصْحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا يَتْرُكُونَ أقْوالهم لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَتْرُكُونَها بأقْوالِهم، وإنَّما تُحْمَلُ مُخالفَةُ عمرَ لهذا النَّصِّ على أنَّه لم يَبْلُغْه،
ولو بَلَغَه لم يَعْدُه إلى غيرِه. لأنَّها مَمْلوكَة لم يُعْتِقْها سيدُها، ولا شيئًا منها، ولا قرابَةَ بينَه وبينَها، فلم تَعْتِقْ، كما لو ولَدَتْ مِن أبيه في نِكاح أو غيرِه. ولأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، ولم يَرِدْ بِزَوالِه نصٍّ ولا إجْماعٌ ولا ما في مَعْنَى ذلك، فوجَبَ البقاءُ عليه. ولأنَّ ولادَتَها لو كانت مُوجِبَةً لعِتْقِها، لَثَبَتَ العِتْقُ بها حينَ وُجودِها، كسائِرِ أسْبابِه. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّها تُجْعَلُ في سَهْمِ وَلَدِها لتَعْتِقَ عليه .
قال سعيدٌ : حدثنا سُفيانُ، حدثنا الأعْمَشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، قال: مات رجلٌ مِنَّا وتَرَكَ أُمَّ وَلَدٍ، فأراد الوَليدُ بنُ عُقْبَةَ أن يَبِيعَها في دَينِه، فأتَينا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ فَذَكَرْنا ذلك له، فقال: إن كان ولابُدَّ، فاجْعَلُوها مِن نَصِيبِ أولادها. ولَنا، ما روَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّما أَمةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِها، فهي حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ».
وقال ابنُ عباسٍ: ذُكِرَتْ أُمُّ إبراهيمَ عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«أعْتَقَها ولَدُها». روَاهما ابنُ ماجَه . وذكَر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ في «مسائِلِه»، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه نَهَى عن بَيعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ، ولا يُبَعْنَ، ولا يُرْهَنَّ، ولا يَرِثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بها سيدُها ما بدا له،
فإن ماتَ فهي حُرَّةٌ . قال شيخُنا : وهذا فيما أظُنُّ عن عمرَ،
ولا يَصِحُّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِيَ الله عنهم، بدَليلِ قولِ عليٍّ: كان رَأْيي ورَأْيُ عمرَ، أن لا تُباعَ أمَّهاتُ الأوْلادِ. وقولِه: فقَضَى به عمرُ حياتَه، وعثمانُ حياتَه. وقولِ عَبيدَةَ: رأْيُ عليٍّ في الجماعَةِ أحَبُّ إلينا مِن رَأْيِه وَحْدَه. ورَوَى عِكْرِمَةُ عن ابنِ عباسٍ، قال: قال عمرُ: ما مِن رَجُلٍ كان يُقِرُّ بأنَّه يَطَأُ جارِيَةً ثم يمُوتُ، إلَّا أعْتَقَها إذا وَلَدَت،
وإن كان سَقْطًا . فإن قيلَ: فكيف تَصِح دَعْوَى الإِجْماعِ مع مُخالفَةِ علي وابنِ عباسٍ وابنِ الزُّبَيرِ. قُلْنا: قد رُوِيَ عنهم الرُّجوعُ عن المُخالفَةِ، فروَى عَبِيدَةُ، قال: بَعَثَ إليَّ عليٌّ وإلى شُرَيحٍ، فقال : اقْضُوا كما كُنْتُم تَقْضُون، فإنِّي أُبْغِضُ الاخْتلافَ . وابنُ عباسٍ قال: وَلَدُ أُمِّ الولدِ بمَنْزِلتِها. وهو الرَّاوي لحديثِ عِتْقِهنَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعن عمرَ، فيَدُلُّ على مُوافَقَتِه لهم. ثم قد ثَبَتَ الإِجْماعُ باتِّفاقِهم قبلَ المُخالفَةِ، واتِّفاقُهم مَعْصومٌ عن الخَطَأْ،
فإنَّ الأمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على ضَلالةٍ،
ولا يجوزُ أنْ يَخْلُوَ زَمَنٌ عن قائِمٍ للهِ بحُجَّتِه،
ولو جازَ ذلك في بعضِ العَصْرِ لجازَ في جَميعِه، ورَأيُ المُوافِقِ في زَمَنِ الاتِّفاقِ خيرٌ مِن رَأْيِه في الخلافِ بعدَه، فيكونُ الاتِّفاقُ حُجَّةً على المُخالِفِ له منهم، كما هو حُجَّةٌ على غيرِه.
فإن قيلَ: فلو كان الاتِّفاقُ في بعضِ العَصْرِ إجْماعًا حَرُمَتْ مُخالفَتُه، فكيف خالفَه هؤلاء الأئمّةُ الذين لا تجوزُ نِسْبَتُهم إلى ارْتكابِ الحرَامِ؟ قُلْنا: الإِجْماعُ يَنْقَسِمُ إلى مَقْطوعٍ به ومَظْنُونٍ، وهذا مِن المَظْنُونِ، فتُمْكِنُ [المُخالفَةُ منهم]، مع كَوْنِه حُجَّةً، كما وَقَعَ منهم مُخالفَةُ النُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ، ولم تَخْرُجْ بمُخالفَتِهم عن كَوْنِها حُجَّةً، كذا ههُنا.
فأمّا قولُ جابِرٍ: بعْنا أُمَّهاتِ الأوْلادِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ. فليس فيه تَصْرِيحٌ بأنَّه كان بعِلْمِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عِلْمِ أبي بكرٍ، فيكونُ ذلك وَاقِعًا منهم على انْفِرادِهم، فلا تكونُ فيه حُجَّةٌ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ على هذا؛ لأنَّه لو كان هذا واقِعًا بعِلْمِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ، وأقَرَّا عليه، لم تَجُزْ مُخالفَتُه، ولم يُجْمِعِ الصَّحابَةُ بعدَهُما على مُخالفَتِهما،
ولو فعلُوا ذلك لم يَخْلُ مِن مُنْكِرٍ عليهم، ويَقولُ: كيف تُخالِفُون فِعْلَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وفعلَ صاحِبهِ ؟ وكيف تَتْرُكُونَ سُنتَّهَما، وتُحَرِّمُونَ ما أحَلًّا؟ ولأنَّه لو كان ذلك واقِعًا بعِلْمِهما، لاحْتَجَّ به عليٌّ حينَ رأى بَيعَهُنَّ، واحْتَجَّ به كلُّ مَن وَافَقَه على بَيعِهِنَّ، ولم يَجْرِ شيءٌ مِن هذا، فوجَبَ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ على ما حَمَلْناه عليه، فلا يكونُ فيه إذًا حُجَّةٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم باعُوا أمَّهاتِ الأوْلادِ في النِّكاحِ لا في المِلْكِ.
فصل: ومَن أجازَ بَيعَهُنَّ، فعلى قولِه، إن لم يَبِعْها سَيدُها حتى مات، ولم يكُنْ له وارِث إلَّا ولدَها، عَتَقَتْ عليه،
وإن كان له وارِثٌ سِوَى وَلدِها حُسِبَتْ مِن نصِيبِه، فعَتَقَتْ، وكان له ما بَقِيَ مِن مِيراثِه،
وإن لم يَبْقَ شيءٌ فلا شيءَ له.
وإن كانت أكْثَرَ مِن نَصِيبِه عَتَقَ منها قَدْرُ نَصِيبِه، وبَاقِيها رَقِيقٌ لسائِرِ الوَرَثَةِ، إلَّا على قولِ مَن قال: إنَّه إذا وَرِثَ سَهْمًا ممَّن يَعْتِقُ عليه سَرَى العِتْقُ إلى باقِيه. فإنَّه يَعْتِقُ إن كان مُوسِرًا.
وإن لم يَكُنْ لها وَلَدٌ مِن سَيدِها ورِثَها وَرَثَتُه، كسائِرِ رَقِيقِه.
٣٠٤٦ -
(وَعَنْهُ: تَصِيرُ) أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالَيْنِ ; لِأَنَّ لِحُرْمَةِ الْبَعْضِ أَثَرًا فِي تَحْرِيرِ الْجَمِيعِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَهَا، قَالَ أَحْمَدُ: مَا سَمِعْنَا فِيهِ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تَلِدَ فِي مِلْكِهِ،
وَعَنْهُ: إِنْ مَلَكَهَا حَامِلًا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ،
وَقَالَ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ وَطِئَهَا فِي أَثْنَاءِ حَمْلِهَا أَوْ وَسَطِهِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تَحْبَلَ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ،
وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْوَلَدِ وَيَعْتِقُهُ نَصًّا (وَأَحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ أَحْكَامُ الْأَمَةِ فِي الْإِجَارَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْوَطْءِ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ أَشْبَهَتِ الْقِنَّ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ:«مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ، فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» أَوْ قَالَ: مِنْ بَعْدِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الرِّقِّ، فَعَلَى هَذَا لِسَيِّدِهَا كَسْبُهَا (وَسَائِرِ أُمُورِهَا) كَالتَّزْوِيجِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمَاءِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ كَوْنُهَا لَا تَرِثُ، بَلْ تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، وَيُحَدُّ قَاذِفُهَا، وَتُسْتَرُ سَتْرَ الْحُرَّةِ عَلَى رِوَايَةٍ، نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهَا لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ طَرَأَ الِاسْتِيلَادُ عَلَى التَّدْبِيرِ أَبْطَلَهُ،
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: قُلْتُ: يَصِحُّ إِنْ جَازَ بَيْعُهَا، وَقُلْنَا: عِتْقٌ بِصِفَةٍ، وَقَدْ يُرَدُّ مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ لَا يَطَؤهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، فَجَعَلَ الْعِلَّةَ عَدَمَ الْبَيْعِ،
وَالْمَذْهَبُ خِلَافُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ وَطْؤُهَا (إِلَّا فِيمَا يَنْقُلُ الْمِلْكُ فِي رَقَبَتِهَا كَالْبَيْعِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَقَالَ: لَا يُبَعْنَ، وَلَا يُوهَبْنَ، وَلَا يُورَثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا السَّيِّدُ مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:«ذُكِرَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْمُغيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُبَيْدَةَ، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ، فَقَالَ شَاوَرَنِي عُمَرُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَرَأَيْتُ أَنَا وَعُمَرُ أَنْ أُعْتِقَهُنَّ، فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ، وَعُثْمَانُ حَيَاتَهُ، فَلَمَّا وَلِيتُ رَأَيْتُ فِيهِنَّ رَأْيًا، قَالَ عُبَيْدَةُ: فَرَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ (وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ أَوْ مَا يُرَادُ لَهُ) أَيْ: لِلْبَيْعِ (كَالرَّهْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي انْعِقَادَ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ وَيُبْطِلُهُ
(وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ) أَخْذًا مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَسَأَلَهُ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ؛ قَالَ: أَكْرَهُهُ،
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يُعْجِبُنِي: فَجَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَلِكَ رِوَايَةً، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَهُ دَاوُدُ، وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بِعْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ أَحْمَدُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، فَقِيلَ: لَا تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَهَلْ هَذَا الْخِلَافُ شُبْهَةٌ؟ فِيهِ نِزَاعٌ، وَالْأَقْوَى شُبْهَةٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ لَوْ وَطِئَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، هَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ أَوْ يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ؟
أَمَّا التَّعْزِيرُ، فَوَاجِبٌ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يَجُوزُ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ لَا يَرْفَعُهُ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ
وأَحكامُ أُمِّ الوَلَدِ أَحْكامُ الأمَةِ في الإِجارَة، والاستِخْدام، والوَطْءِ، وسائِرِ أمُورِها، إلَّا فيما ينْقُلُ المِلْكَ في رَقَبَتِها؛ كالبيعِ، والهِبَةِ، وَالوَقْفِ، أَو ما يُرادُ له، كالرَّهْنِ. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يجوزُ ولا يصِحُّ بَيعُ أُمِّ الوَلَدِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه، وقطَع به كثيرٌ منهم، وحكَى جماعةٌ الإِجْماعَ على ذلك.
وعنه، ما يدُلُّ على جَوازِ بَيعِها مع الكَراهَةِ، ولا عمَلَ عليه.
قلتُ: قال في «الفُنونِ»: يجوزُ بَيعُها؛ لأنَّه قولُ عليٍّ بنِ أبِي طالِبٍ وغيرِه مِنَ الصَّحابةِ، رَضِيَ الله عنهم، وإجْماعُ التَّابِعينَ لا يرْفعُه. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّينِ، رَحِمَه الله. قال في «الفائقِ»: وهو الأظْهَرُ. قال: فتَعْتِقُ بوَفاةِ سيِّدِها مِن نَصِيبِ وَلَدِها إنْ كان لها وَلَدٌ، أو بعضُها مع عدَمِ سَعَتِه،
ولو لم يكُنْ لها وَلَدٌ، فكَسائِر رَقِيقِه.
وكذا قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابن رَزِينٍ»، و «الفائقِ».
قال في «الفُروعِ» بعدَ ذِكرِ الرِّوايَةِ: فقيل: لا تَعْتِقُ بمَوْتِه. ونفَى هذه الرِّوايَةَ في «الحاوي الصَّغِيرِ» ولم يُثبِتها، وتأوَّلَها. وحكَى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعضُهم هذا القَوْلَ إجْماعَ الصَّحابَةِ. وتقدَّم في أواخِرِ التَّدْبيرِ، أنَّه لا يصِحُّ تَدْبِيرُها، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وتقدَّم في أوَائلِ كتابِ الوَقفِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هل يَصِحُّ وَقفُ أُمِّ الوَلَدِ، أمْ لا؟ وتقدَّم أيضًا في أواخرِ بابِ الهِبَةِ، هل يصِحُّ هِبَةُ أُمِّ الوَلَدِ، أمْ لا؟ فَلْيُراجَعا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: هل لهذا الخِلافِ شُبْهَةٌ؟ فيه نِزاعٌ. والأَقْوَى، فيه شُبْهَةٌ. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله، وأنَّه يَنْبَنِي عليه؛ لو وَطِئَ مُعْتَقِدًا تحْريمَه، هل يلْحَقُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نسَبُه، أو يُرْجَمُ المُحْصَنُ؟ أمَّا التَّعْزِيرُ، فواجِبٌ. انتهى. وتابعَه في «الفُروعِ».
ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ مِنْ غَيرِ سَيِّدِهَا، فَلِوَلَدِهَا حُكْمُهَا فِي العِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، سَوَاءٌ عَتَقَتْ أوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ.
قال: (وأحكام أم الولد أحكام الأمة: في الإجارة، والاستخدام، والوطء، وسائر أمورها. لا فيما ينقل الملك في رقبتها؛ كالبيع والهبة والوقف، أو ما يراد له؛ كالرهن. وعنه: ما يدل على جواز بيعها مع الكراهة، ولا عمل عليه) .
أما كون أحكام أم الولد أحكام الأمة في غير ما ينقل الملك في رقبتها وما يراد له؛ فلأنها مملوكة. أشبهت الأمة.
فعلى هذا يجوز إجارتها؛ كالأمة، أو يقال: مملوكة ينتفع بها. فجازت إجارتها؛ كالمدبرة، أو يقال: عتقها معلق بالموت. أشبهت المدبرة.
ويجوز استخدامها؛ كالأب.
ولأنها إذا جاز إجارتها فلأن يجوز استخدامها بطريق الأولى.
ويجوز وطؤها؛ كالأمة.
ولأن الوطء نوع نفع. أشبه الاستخدام.
ولأنها داخلة في قوله تعالى:{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}.
ويجوز ما عدا ذلك مما لا ينقل الملك ولا يراد له؛ لأن ذلك لا ينافي انعقاد سبب الحرية فيها.
وأما كون أحكامها فيما ينقل الملك؛ كالبيع والهبة والوقف، وما يراد له؛ كالرهن يخالف أحكام الأمة؛ فلأن ذلك ينافي انعقاد سبب الحرية ويبطله.
فعلى هذا لا يجوز بيعها؛ لما روي «أن رجلاً باع أم ولده. فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فقال: أبعْدَما اختلط دماؤكم ودماؤهن ولحومكم ولحومهن: بعتموهن. ارددها ارددها».
وعن عبيدة قال:«خطب عليّ الناس. فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد أن أعتقهن فقضى بها عمر حياته وعثمان حياته فلما ولّيت رأيت أن أرقهن. فقال عبيدة: رأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي وحده».
وعن الإمام أحمد: أنه يجوز مع الكراهة: أما الجواز؛ فلقول علي وفعله.
وعن جابر:«بِعْنَا أمهاتِ الأولادِ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ. فلما كان عمرُ نَهانَا فانتهَيْنَا». رواه أبو داود.
وأما الكراهة؛ فللاختلاف في ذلك.
والأولى الصحيحة؛ لما ذكر، ولما تقدم من قوله عليه السلام:«أيما أمةٍ ولدت من سيدها فهي حرةٌ عن دبر»، وقول ابن عباس:«ذُكرت أم إبراهيمَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أَعتقَها ولَدُها». فلا يجوز هبتها ولا وقفها؛ لأنهما يزيلان الملك. أشبه بالبيع.
ولا يجوز الرهن؛ لأن المقصود به البيع عند تعذر الاستيفاء. فلم يجز؛ لمناقضته الأصل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.