وَإِنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن عَضَل الأَقْرَبُ، زَوَّجَ الأبعَدُ. وعنه، يُزَوِّجُ الحاكِمُ) العَضْلُ مَنْعُ المرأةِ مِن التَّزْويجِ بكُفْئِها إذا طَلَبَتْ ذلك، ورَغِبَ كُلُّ واحدٍ منهما في صاحِبِه، فمتى وُجِدَ ذلك انْتَقَلَتِ الولايةُ إلى الأبعدِ. نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه رِوايةٌ أُخْرَى، تَنْتَقِلُ إلى السلطانِ. وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ. وذُكِر ذلك عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وشُرَيح. وبه قال الشَّافعيُّ؛
لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». ولأنَّ ذلك حَقٌّ عليه امْتَنَعَ مِن أدائِه، فقامَ الحاكِمُ مَقامَه، كما لو كان عليه دَينٌ فامْتَنَعَ مِن قَضائِه. ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ التَّزْويجُ مِن جِهَةِ الأقْرَبِ، فمَلَكَه الأبعَدُ، كما لو جُنَّ. ولأنَّه يَفْسُقُ بالعَضْلِ، فتَنْتَقِلُ الولايةُ عنه، كما لو شَرِبَ الخَمْرَ.
فإن عَضَل الأوْلياءُ كلُّهم زَوَّجَ الحاكمُ. والحديثُ حُجَّةٌ لنا؛ لقولِه:«السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَن لا وَلِيَّ لَهُ». وهذه لها وَلِيٌّ. ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما إذا عَضَل الكُلُّ؛ لأنَّ قوْلَه:«فإنِ اشْتَجَرُوا». ضَمِيرُ جَمْعٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ. والولايةُ تُخالِفُ الدَّينَ مِن وُجُوهٍ ثلاثةٍ؛ أحَدُها، أنَّها حَقٌّ للوَلِيِّ، والدَّينُ عليه. الثاني، أنَّ الدَّينَ لا يَنْتَقِلُ عنه، والولايةُ تَنْتَقِلُ عنه لعارِضٍ؛ مِن جُنُونِ الوَلِيِّ وفِسْقِه. الثالثُ، أنَّ الدَّينَ لا تُعْتَبَرُ في بَقائِه العَدَالةُ، والولايةُ يُعْتَبَرُ لها ذلك، وقد زالتِ العَدالةُ بما ذَكَرْناه.
فإن قيلَ: لو زالتْ ولايتُه لَما صَحَّ منه التَّزْويجُ إذا أجابَ إليه. قُلْنا: فِسْقُه بامْتِنَاعِه،
فإذا أجابَ فقد نَزَع عن المَعْصِيَةِ، وراجَعَ الحَقَّ، فزال فِسْقُه، فلذلك صَحَّ تَزْويجُه. وقد رُوِيَ عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قال: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِن رجلٍ، فطَلَّقَها، حتى إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها جاءَ يَخْطُبُها، فقلتُ له: زَوَّجْتُكَ، وأَفْرَشْتُكَ، وأكْرَمْتُكَ، فطَلَّقْتَها، جِئْتَ تَخْطُبُها! لا والله لِا تَعُودُ إليك أبدًا، وكان رَجُلًا لا بَأْسَ به، وكانتِ المرأةُ تُرِيدُ أن تَرْجِعَ إليه، فأنْزَلَ الله، هذه الآيةَ:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ}. فقلتُ: الآنَ أفْعَلُ يا رسولَ اللهِ. قال: فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ.
رَواه البخاريُّ .
فصل: وسَواءٌ طَلَبَتِ التَّزْويجِ بمَهْرِ مِثْلِها أو دُونِه. وبه قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لهم مَنْعُها مِن التَّزْويجِ بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّ عليهم في ذلك عارًا، وليه ضَرَرٌ على نِسائِها، لنَقْصِ مَهْرِ مِثلِهِنَّ. ولَنا، أنَّ المَهْرَ خالِصُ حَقِّها، و عِوَضٌ يَخْتَصُّ بها، فلم يَكُنْ لهم الاعْتِراضُ عليها فيه، كثَمَنِ عَبْدِها وأَجْرِ دارِها، ولأنَّها لو أسْقَطَتْه بعدَ وُجُوبِه، سَقَط كلُّه، فبعضُه أَوْلَى، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ أرادَ أن يُزَوِّجَه:«الْتَمِسْ وَلوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ».
وقال لامْرَأةٍ زُوِّجَت بنَعْلَيْن:«أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ بنَعْلَين؟» قالتْ: نعم. فأجازَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - . وقولُهم: فيه عارٌ عليهم. ليس كذلك،
فإنَّ عمرَ قال: لو كان مَكْرُمَةً في الدُّنْيَا، أو تَقْوَى عندَ اللهِ، كان أوْلَاكُم به رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - . يَعْنِي غُلُوَّ الصَّداقِ.
فإن رَعبَتْ في رجلٍ بعَينِه، وهو كُفْءٌ، فأرادَ تَزْويجَها لغيرِه مِن اكْفَائِها، وامْتَنَعَ مِن تَزْويجِها مِن الذي أرادَتْه، كان عاضِلًا لها.
فإن طَلَبَتِ التَّزْويجَ بغيرِ كُفْءٍ، فله مَنْعُها منه، ولا يكونُ عاضِلًا بذلك؛ لأنَّها لو زُوِّجَتْ بغيرِ كُفْئِها كان له فَسْخُ النِّكاحِ، فلأنْ يَمْنَعَ منه ابْتِداءً أوْلَى.
٣١١٣ -
(وَإِنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ) فَلَمْ يُزَوِّجْهَا بِكُفْءٍ رَضِيَتْهُ، وَرَغِبَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ بِمَا صَحَّ مَهْرًا (زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ جُنَّ، وَحَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} قَالَ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ. لَكِنْ لَوْ رَضِيَتْ بِغَيْرِ كُفْءٍ، كَانَ لِلْوَلِيِّ مَنْعُهَا مِنْهُ،
فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي تَعْيِينِ الْكُفْءِ، قُدِّمَ تَعْيِينُهَا عَلَيْهِ حَتَّى أنَّهُ يُعْضَلُ بِالْمَنْعِ وَيُفَسَّقُ بِهِ إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ التَّكَرُّرَ
وإنْ عضَل الأقْرَبُ زَوَّجَ الأبْعَدُ. هذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
وعنه، يُزَوِّجُ الحاكِمُ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: العَضْلُ؛ منْعُ المَرأَةِ التَّزَوُّجَ بكُفْئِها إذا طَلبَتْ ذلك ورَغِبَ كلٌّ منهما في صاحِبِه، سواءٌ طَلبَتْ ذلك بمَهْرِ مِثْلِها أو دُونِه. قاله الأصحابُ. وتقدَّم، إذا اخْتارَتْ كُفْؤًا واخْتارَ الوَلِيُّ غيرَه، أنَّه يُقَدَّمُ الذي اخْتارَتْه،
فإنِ امْتنَعَ مِن تَزْويجِه، كان عاضِلًا، عندَ قوْلِه: وللسَّيِّدِ تزْويجُ إمائِه.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللهُ: مِن صُوَرِ العَضْلِ؛ إذا امْتنَعَ الخُطَّابُ مِن خِطبتِها لشِدَّةِ الوَلِيِّ.
وَإنْ غَابَ غَيبَةً مُنْقَطِعَةً زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَهِيَ مَا لَا تُقْطَعُ إلا بكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَال الخرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إلَيهِ الْكِتَابُ، أوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ.
وَقَال الْقَاضِي: مَا لَا تَقْطَعُهُ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.