وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَالْمُحَرَّمَةُ حَتَّى تَحِلَّ
الشروح عليها
مسألة: (وتَحرُمُ الزَّانِيَةُ حتى تتوبَ وتَنْقَضيَ عِدَّتُها) إذا زَنَتِ المرأةُ، لم يَحِلَّ نِكاحُها لمَن يَعلَمُ ذلك إلَّا بشَرطَين؛ أحَدُهما، انْقِضاءُ عِدَّتِها بوَضْعِ الحملِ [إن حَمَلَتْ] مِن الزِّنَى، ولا يَحِل نِكاحُها قبلَ الوَضْعِ. وبهذا قال مالكٌ، وأبو يوسفَ. وهو إحدى الرِّوايَتَين عن أبي حنيفةَ.
وقال في الأخْرَى: يَحِلُّ نِكاحُها
ويَصِحُّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فلم يُحَرِّمِ النِّكاحَ، كما لو لم تَحمِلْ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ. زَرعَ غَيرِهِ». يعني وَطْءَ الحَوامِلِ. وقَول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ». حديث صحيحٌ، وهو عام. ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّ رجلًا تَزَوَّجَ امرأةً، فلمَّا أصابَها وَجَدَها حُبْلَى، فرُفِعَ ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ففَرَّقَ بينَهما، وجَعَل لها الصَّداقَ، وجَلَدَها مائةً.
رَواه سعيدٌ . ورَأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - امرأةً مُجِحًّا على بابِ فُسْطَاطٍ، فقال: «لَعَلَّهُ يرِيدُ أنْ يلمَّ بِها ؟» قالوا: نعم. قال:«لَقَد همَمتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعنَةً تَدخُلُ مَعَه قَبْرَهُ، كَيفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟ أم كَيفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟». أخْرَجَه مسلم . ولأنَّها حامِلٌ مِن غيرِه، فحَرُمَ عليه نِكاحُها، كسائرِ الحَوامِلِ.
وإذا ثَبَت هذا، لَزِمَتْها العِدَّةُ، وحَرُمَ النِّكاحُ فيها؛ لأنَّها في الأصلِ لمعرِفةِ بَراءَةِ الرَّحِمِ، ولأنَّها قبلَ العِدَّةِ يَحتَمِلُ أن تكونَ حامِلًا، فلم يَصِحَّ نِكاحُها، كالمَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعي: لا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به فِراشًا، فأشْبَه وَطْءَ الصَّغِيرِ. ولَنا، ما ذَكَرناه،
وإذا لم يَصِحَّ نِكاحُ الحاملِ، فغيرُها أوْلَى؛ لأنَّ وَطْءَ الحاملِ لا يُفْضِي إلى اشْتِباهِ النَّسَبِ، وغيرُها يَحتَمِلُ أن يكُونَ وَلَدُها مِن الأوَّلِ، ويَحتَمِلُ أن يكونَ مِن الثاني، فيُفْضِي إلى اشْتِباه الأنْسابِ، فكان بالتَّحرِيم أوْلَى، ولأنَّه وَطء في القُبُلِ، فأوْجَبَ العِدَّةَ، كوَطْء الشُّبْهةِ، ولا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصغيرِ الذي يمكِنُه الوَطْءُ. والشَّرطُ الثاني، أنَّ تتوبَ مِن الزنَى. وبه قال قَتادَةُ، وإسحاق، وأبو عُبَيدٍ.
وقال أبو حنيَفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لِما روِيَ أنَّ عمرَ ضَرَب رجلًا وامرأةً في الزِّنَى، وحَرَص أن يَجْمَعَ بينَهما، فأبَى الرجلُ . ورُوِيَ أنَّ رجلًا سأل ابنَ عباس عن نِكاحِ الزَّانِيَةِ، فقال: يجوزُ، أرَأيتَ لو سَرَقَ مِنْ كَرم، ثم ابْتاعَه، أكان يجوزُ؟ ولَنا، قولُ الله عزَّ وجلَّ:{وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ}. وهي قبلَ التَّوبَةِ في حُكْمِ الزِّنَى،
فإذا تابَتْ زال ذلك؛ لقولِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ». وقولِه:«التَّوْبَةُ تَمْحُو الْحُوبَةَ». ورُوِيَ أنَّ مَرثَدًا الغَنَويَّ دَخَل مَكَّةَ، فرأى امرأةً فاجرةً يُقال لها: عَنَاق. فَدَعَتْهُ إلى نَفْسِها، فلم يُجِبْها، فلمَّا قَدِم المدينةَ سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: أنْكِحُ عَنَاقًا؟ فلم يُجِبْه، فنزلَ قولُه تعالى:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ}.
فدَعاه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَلا عليه الآيةَ وقال:«لا تَنْكحها». ولأنَّها إذا كانَتْ مُقِيمَةً على الزِّنَى لم يَأمَنْ أن تُلْحِقَ به وَلَدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه.
فأمَّا حديثُ عمرَ، فالظاهِرُ أنَّه اسْتَتَابَهما، وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه بَيان، ولا تَعَرُّضَ له بمَحَلِّ النِّزاعِ. إذا ثَبَت هذا، فعِدَّةُ الزَّانِيَةِ كعِدَّةِ المُطلَّقةِ؛ لأنَّه اسْتِبْرَاءٌ لحُرَّةٍ، أشْبَه عِدَّةَ المَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ. وحكى ابنُ أبي موسى عن أحمدَ، أنَّها تُسْتَبْرأ بحَيضَةٍ؛ لأنَّه ليس مِن نِكاح ولا شُبْهةِ نِكاح، فأشْبَه اسْتِبْراءَ أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ.
وأمَّا التَّوْبَةُ، فهي الاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والاقْلاعُ عن الذَّنْبِ، كالتَّوْبَةِ مِن سائرِ الذّنُوبِ. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قِيلَ له: كيف تعرَفُ تَوْبَتُها؟ قال: يُرِيدُها على ذلك،
فإن طاوَعَتْه فلم تَتُبْ، وإن أبتْ فقد تَابتْ. فصار أحمدُ إلى قولِ ابنِ عمرَ اتباعًا له.
قال شيخُنا : والصحيحُ الأولُ، فإنَّه لا ينبغِي لمُسْلم أن يَدعُوَ امرأةً إلى الزِّنَى، ويَطْلُبَه منها،
فإنَّ طَلَبَه منها إنَّما يكونُ في خَلْوَةٍ، [ولا تَحِلُّ الخَلْوَةُ] بأجْنَبِيَّةٍ ولو كان في تَعلِيمِها القرآنَ، فكيف تحِلُّ في مُراوَدَتِها على الزِّنَى! ثم لا يَأمَنُ إن أجابَتْه إلى ذلك أن تَعُودَ إلى المَعصِيَةِ، فلا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لمثلِ هذا، ولأنَّ التَّوْبَةَ مِن سائرِ الذُّنُوبِ، في حَقِّ سائرِ الناسِ، بالنِّسْبةِ إلى سائرِ الأحكامِ، على غيرِ هذا الوَجْهِ، [فكذلك هذا].
فصل: وإذا وُجِدَ الشّرطان حَلَّ نِكاحُها للزَّانِي وغيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو بكر، وعمرُ، وابْنُه، وابنُ عباس، وجابرٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاء، والحسنُ، والزُّهْرِيّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأي. و رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، والبَرَاءِ بنِ عازبٍ، وعائشةَ، أنَّها لا تَحِلُّ للزَّانِي بحالٍ، قالوا: لا يَزَالان زَانِيَين ما اجْتَمَعَا، لعُمُومِ الآيةِ والخَبَرِ . فيَحتَمِلُ أنَّهم أرادُوا بذلك ما كان قبلَ التَّوْبَةِ، أو قبلَ اسْتِبْرائِها، فيكونُ كقَوْلِنا.
فأمَّا تَحرِيمُها على الإِطْلاقِ فلا يَصِحُّ؛ لقولِ الله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولأنَّها مُحَلَّلة لغيرِ الزَّانِي، فحَلَّتْ له، كغيرِها.
فصل: فإن زَنَتِ امرأةُ رجل، أو زَنَى زَوْجُها، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ، سَواء كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والنَّخَعِيّ، والثوْرِيّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأي. وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ يُفَرَّقُ بينَهما، وليس لها شيءٌ.
وكذلك رُوِيَ عن الحسنِ. ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه فرَّقَ بينَ رجلٍ وامرأتِه، زَنَى قبلَ أن يَدخُلَ بها . واحتُجَّ لهم بأنَه لو قَذَفَها ولاعَنَها بانتْ منه؛ لتَحَقُّقِه الزِّنَى عليها، فدَلَّ على أنَّ الزِّنَى يُبِينها. ولَنا، أنَّ دعواه الزِّنَى عليها لا يُبِينُها،
ولو كان النِّكاحُ يَنْفسِخ به لانْفَسَخَ بمُجَرَّدِ دَعواه، كالرَّضاعِ، ولأنَّها معصِيَة لا تُخْرِجُ عن الإِسلام، فأشبَهتِ السَّرِقَةَ،
فأمَّا اللِّعانُ فإنَّه يَقْتَضِي الفَسْخَ بدُونِ الزِّنَى، بدَليلِ أَنها إذا لاعَنَتْه فقد قابَلَتْه، فلم يَثْبُتْ زِناها، ولذلك أوْجَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحَدَّ على مَن قَذَفَها، والفَسْخُ واقِعٌ، ولكنَّ أحمدَ اسْتَحَبَّ للزَّوْجِ مُفارَقَةَ امرأتِه إذا زَنَتْ،
وقال: لا أرَى أن يُمسِكَ مثلَ هذه؛ لأنَّه، لا يُؤمَنُ أن تُفْسِدَ فِراشَه، وتُلْحِقَ به وَلَدًا ليس منه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لَعَلَّ مَن كَرِه هذه المرأةَ إنَّما كَرِهها على غيرِ وجْهِ التَّحرِيمِ، فيكون مثلَ قولِ أحمدَ. ولا يَطؤها حتى يَسْتَبْرِئَها بثلاثِ حِيَض؛ لِمَا روَى رُوَيفِعُ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ [يومَ حُنَين: «لَا يَحِلُّ لامرِئ يُومِنُ باللهِ وَاليَوْم الآخِرِ] يَسْقِي مَاءَهُ زَرعَ غَيرِه».
يَعنِى إتْيانَ الحَبالى. ولأَنَّها ربَّما تأتِي بوَلَدٍ مِن الزِّنَى فَيُنْسَبُ إليه. والأوْلَى أنَّه يَكْفِي اسْتِبْراؤها بِحَيضَةٍ واحدَةٍ؛ لأنَّها تكْفِي في اسْتِبْراءِ الإماءِ،
وفي أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سَيِّدِها أو بإعتاقِه، فكَفَى ههُنا، ولأَنَّ المَقْصُودَ مُجَرَّدُ الاسْتِبْراءِ، وقد حَصَل بحَيضَةٍ، فاكْتُفِي بها. فصل: إذا عَلِمَ الرجلُ مِن أمَتِه الفُجُورَ، فقال أحمدُ: لا يَطَؤُها؛ لَعَلَّها تُلْحِقُ به ولدًا ليس منه. قال ابنُ مسعودٍ: أكْرَهُ أن أطَأَ أَمَتِي وقد بَغَتْ . وروَى مالكٌ ، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنْهى أن يَطَأَ الرجلُ أمَتَه وفي بَطْنِها ولدٌ جَنِينٌ لغيرِه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ : هذا مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه. وكان ابنُ عباسٍ يُرَخِّصُ في وَطْءِ الأَمةِ الفاجِرَةِ . ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. ولَعَّلَ مَن كَرِه ذلك كَرِهَه قبلَ الاسْتِبْراءِ، أو إذا لم يُحَصِّنْها ويَمْنَعْها مِن الفُجُورِ،
وَمَن أباحَهُ، أباحَه بعدَهما، فيكونُ القَولان مُتَّفِقَين. والله أعلمُ.
٣١٥٢ - مسألة: (و) تَحْرُمُ (مُطَلَّقَتُه ثَلاثًا حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه)
لقولِ الله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ}. بعد قولِه:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}. وسنَذْكُرُ هذا في بابِ الرَّجْعَةِ، بأبْسَطَ مِنْ هذا، إن شاء الله تعالى.
٣١٥٣ - مسألة: (و) تَحْرُمُ (المُحْرِمَةُ حتى تَحِلَّ) يَحْرُمُ نِكاحُ المُحْرِمَةِ،
ويَحْرُمُ على المُحْرِمِ أن يَعْقِدَ النِّكاحَ في حالِ إحْرامِه،
فإن عَقَد أحَدٌ نِكاحًا لمُحْرِم أو على مُحْرِمَةٍ، أو عَقَد المُحْرِمُ نِكاحًا لنفسِه أو لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ». رَواه مسلمٌ .
وعنه، أنَّ عَقْدَ المُحْرِمِ النِّكاحَ لغيرِه صحيحٌ؛ لأنَّه حَرُمَ عليه، لكَوْنِه مِن دَواعِي الوَطْءِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بكونِه وَليًّا. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ الخَبَرِ. وقد ذَكَرْنا هذه المسألةَ في الحَجِّ، وذكرنا الاخْتِلافَ فيها.
٣١٥٤ -
(وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) نَصَّ عَلَيْهِمَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَحَرُمَتْ كَالْمُعْتَدَّةِ،
وَيُشْتَرَطُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ، أَمَّا عَلَى الزَّانِي، فَلِأَنَّ وَلَدَهَا لَا يَلْحَقُ بِهِ، فَيُفْضِي نِكَاحُهُ بِهَا إِلَى اشْتِبَاهِ مَنْ لَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِأَحَدٍ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِهِ،
وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِ ; فَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ إِذَا حَمَلَتْ مِنَ الزِّنَا فَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ; وَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْحَوَامِلِ،
وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ نِكَاحُهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَحْمِلْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ،
وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ فِيهَا ; لِاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَتُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ مِنْهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وَهِيَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَا،
فَإِذَا تَابَتْ زَالَ ذَلِكَ، وَتَوْبَتُهَا كَغَيْرِهَا، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَنَصُّهُ: الِامْتِنَاعُ مِنَ الزِّنَا بَعْدَ الدَّعَايَةِ إِلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ،
وَظَاهِرُهُ: لَا تُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ مِنَ الزَّانِي،
وَعَنْهُ: بَلَى إِنْ نَكَحَهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا إِذَا تَابَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، حَلَّتْ لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
فَائِدَةٌ: إِذَا زَنَتِ امْرَأَةُ رَجُلٍ، أَوْ زَنَى زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ - لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَعَنْ جَابِرٍ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ، وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، وَلَنَا أَنَّ دَعْوَاهُ الزِّنَا عَلَيْهَا لَا يُبَيِّنُهَا،
وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ يَنْفَسِخُ بِهِ لَانْفَسَخَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَالرَّضَاعِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ أَشْبَهَتِ السَّرِقَةَ، وَلَكِنِ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ مُفَارَقَتَهَا إِذَا زَنَتْ،
وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُمْسِكَ مِثْلَ هَذِهِ، وَلَا يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَالْأَوْلَى بِحَيْضَةٍ (وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: الْوَطْءُ، فَدَلَّ أَنَّهَا إِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ حَلَّتْ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ غَايَةً لِتَحْرِيمِهَا، وَحِلُّهَا مَوْقُوفٌ عَلَى طَلَاقِ الثَّانِي وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهِ (وَالْمُحَرَّمَةُ حَتَّى تَحِلَّ) ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ;
وَلِأَنَّهُ عَارِضٌ مَنَعَ الطِّيبَ، فَمَنَعَ النِّكَاحَ كَالْمُعْتَدَّةِ.
[لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ]
فصل: النَّوْعُ الثَّانِي، مُحَرَّمَات لِعَارِضٍ يَزُولُ، فَيَحرُمُ عَلَيهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيرِهِ، وَالْمُعتَدَّةُ مِنْهُ، وَالْمُسْتَبْرئة مِنه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَتحرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وتَحرُمُ الزَّانِيَةُ حتى تتُوبَ وتنْقَضِيَ عِدَّتُها. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه .
وجزَم بة في «الوَجيزِ» وغيرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقال في «الانْتِصارِ»: ظاهِرُ نَقْلِ حَنْبَل في التَّوْبَةِ، لا يَحرُمُ تَزَوُّجُها قبلَ التوْبَةِ. قال ابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَجَب: وأمَّا بعدَ التَّوْبَةِ، فلم أرَ مَن صرح بالبُطْلانِ فيه، وكلامُ ابنِ عَقِيل يدُلُّ على الصِّحَةِ؛ حيث خصَّ البُطْلانَ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ. انتهى.
وقال بعضُ الأصحابِ: لا يحرُمُ تَزَوُّجُها قبلَ التَّوْبَةِ، إنْ نكَحَها غيرُ الزانِي. ذَكَرَه أبو يَعلَى الصَّغيرُ.
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَوْبَةُ الزانِي بها إذا نكَحَها. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحيحٌ، وهو المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرحِ». وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
وعنه، يُشْتَرَطُ توْبَتُه. ذكَرَه ابنُ الجَوْزِي عن أصحابِنا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأولَى، تَوْبَةُ الزَّانيَةِ، أنْ تُراوَدَ على الزِّنَى فتمتَنِعَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه. ورُوِيَ عن عُمَرَ، وابنِ عَبَّاس، رَضِيَ اللهُ عنهم، ونصَرَه ابنُ رَجَب. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: تَوْبَتُها كتَوْبَةِ غيرِها، مِنَ النَّدَمِ والاسْتِغْفارِ، والعَزْمِ على أنْ لا تعودَ. واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ». الثَّانيةُ، لو وَطِئَ بشُبْهةٍ أو زِنًى، لم يَجُزْ في العِدَّةِ نِكاحُ اخْتِها، ولا يَطؤها إنْ كانتْ زوْجَتَه. نصَّ عليه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وفي جوازِ وَطْءِ أربَعٍ غيرِها والعَقْدِ عليهِنَّ وَجْهان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي»، و «الرعايَةِ الكُبْرى» في مَوْضِعٍ؛ أحدُهما، لا يجوزُ. وهو الصَّحيحُ. اخْتارَه أبو بَكْر في «الخِلافِ»، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»، وابنُ عَقِيل. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرحِ»، و «الزّركَشِي»، واخْتارهَ. والوَجْهُ الثَّاني، يجوزُ. جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ». وقدَّمه في «الرِّعايَةِ»، في مَكانٍ آخَرَ. وهو احتِمال في «المُغْنِي»، و «الشَّرحِ»، في المَسْألتَين.
وقال القاضي في «التّعليقِ»: يُمنَعُ مِن وَطْءِ الأربَعِ، حتى يُسْتَظْهرَ بالزَّانِيَةِ حَمْل. واسْتَبْعَدَه المَجْدُ.
قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ بعدَ المِائةِ»: وهوكما قال المَجْدُ، لأن التّحريمَ هنا لأجْلِ الجَمعِ بينَ خَمسٍ، فيَكْفِي فيه أنْ يُمسِكَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن واحدَةٍ منهُنَّ حتى يسْتَبْرِئ. وصرَّح به صاحِبُ «التَّرغيبِ». ويأتِي في نِكاحِ الكُفَّارِ، لو أسْلَم على أكثرَ مِن أربَعِ نِسْوَةٍ، فاخْتارَ أربَعًا، هل يعتَزِلُ المُخْتاراتِ حتى تنْقَضِيَ عِدَّةُ المُفارَقاتِ، أم لا؟ الثَّالثةُ، يجوزُ في مُدَّةِ اسْتِبْراءِ العَتِيقَةِ نِكاحُ أربَعٍ سِواها. قاله القاضي في «الجامِعِ»، و «الخِلافِ»، وابنُ المَنِّيِّ. ونَصَرَه أبو الخَطَّابِ في «خِلافِه الصَّغِيرِ»، كما قبلَ العِتْقِ. وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، وزادَ الأمَةَ.
وقيل: لا يجوزُ. الْتَزمه القاضي في «التّعليقِ» في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْضِعٍ، قِياسًا على المَنْعِ مِن تَزُّوجِ أُخْتِها. الرَّابعةُ، لو وُطِئَتِ امْرَأَةٌ بشُبْهَةٍ، حَرُمَ نِكاحُها في العِدَّةِ لغيرِ الواطِئِ، بلا نِزاعٍ،
فلو خالفَ وفَعَل، لم يصحَّ،
ويُباحُ له بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، إنْ نكَح مُعْتَدَّةً مِن زَوْجٍ بنِكاحٍ فاسِدٍ، ووَطْءٍ، حَرُمَتْ عليه أبدًا.
وأمَّا للواطِئ؛ فعنه، تحْرُمُ عليه إنْ كانتْ قد لَزِمَتْها عِدَّةٌ مِن غيرِه، وإلَّا أُبِيحَتْ.
قأل في «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: وهو أصحُّ .
قال في «الفُروعِ»: وهي أشْهَرُ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «المُنَوِّرِ». قال الزَّرْكَشِيُّ في العِدَدِ : وعلى هذا الأصحابُ كافَّةً، ما عدا أبا محمدٍ.
وعنه، تُباحُ له مُطْلَقًا. ذكَرَها الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله، واخْتارَه وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ، وَالْمُحْرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ.
هو، والمُصَنِّفُ. وصحَّحَه في «النَّظْمِ». فيكونُ هذا المذهبَ، على ما اصْطَلَحْناه في الخُطْبَةِ، لكِنَّ الأصجابَ على خِلافِه.
وعنه، لا تُباحُ له مُطْلَقًا حتى تفْرَغَ عِدَّتُها. ذكَرَها في «المُحَرَّرِ»، وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
قال في «الكافِي»: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ تحْرِيمُها على الواطِئ. قال المُصَنِّفُ: وهو قِياسُ المذهبِ.
قال في «الفُروع»: وفي هذا القِياسِ نظَرٌ. وأطْلَقَهُنَّ في وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ، وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إلا حَرَائِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ، «الفُروعِ». ويأْتِي بعضُ ذلك في العِدَّةِ،
عندَ قوْلِه: وإنْ أصابَها بشُبْهَةٍ.
قال: (وتحرم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، ومطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره، والمحرمة حتى تحل) .
أما كون الزانية تحرم حتى تتوب؛ فلأن الله تعالى قال:{والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك}.
ولأنه لا يؤمن أن يلحق به ولداً من غيره. فحرمت؛ كالمعتدة.
وأما كونها تحرم قبل أن تنقضي عدتها: أما على الزاني؛ فلأن ولدها لا يلحق به. فيفضي نكاحه لها إلى اشتباه من لا يلحق نسبه بأحد ممن يلحق نسبه به.
وأما على غير الزاني؛ فلأنها معتدة من غيره.
وأما كون مطلقته ثلاثاً تحرم حتى تنكح زوجاً غيره؛ فلأن الله تعالى قال:{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره}. والمراد بالنكاح هنا الوطء؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة رفاعة لما أرادت أن ترجع إليه بعد أن طلقها ثلاثًا وتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزَّبير: لا. حتى تَذوقِي عُسَيْلَتَه».
فإن قيل: مفهوم كلام المصنف هنا أن مطلقته ثلاثاً تحل له إذا نكحت زوجاً غيره؛ لأنه جعل ذلك غاية لتحريمها. وليس كذلك؛ لأن حلها يقف على طلاق الزوج الثاني، وعلى انقضاء العدة منه.
قيل: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن تحريمها بكونها مطلقة ثلاثاً يزول بذلك لكن عقيب ذلك التحريم تحريم آخر وهو كونها زوجة غيره ما لم يطلقها فإذا طلقها تكون معتدة من غيره وكلاهما محرم لما تقدم،
وكذلك تحرم عليه بذلك وإن كانت مطلقته دون الثلاث.
وثانيهما: أنه قد تقدم أنه محرم عليه نكاح زوجة غيره والمعتدة من غيره. فاكتفى بذلك عن التصريح به هنا.
فإن قيل: هلا اكتفى بذلك في الزانية لأنه لم يقتصر على قوله: حتى تتوب بل قال: وتنقضي عدتها؟
قيل: عدة الزانية مختلف فيها فجيء بالتصريح بها للتأكيد.
بخلاف عدة النكاح فإنها متفق عليها فلا حاجة إلى التأكيد فيها.
وأما كون المُحْرمة تحرم حتى تحل؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا يَنكحُ المحرمُ ولا يُنكحُ ولا يَخطُب». رواه مسلم.
ولأنه عارضٌ منع الطيب. فمنع النكاح؛ كالعدة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.