فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ولا يَحِلُّ لمُسْلِمَةٍ نِكاحُ كافِرٍ بحالٍ) لقولِ اللهِ تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}. ولقولِه سبحانه:{لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ}. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذلك.

٣١٥٥ - مسألة: (ولا) يَحِلُّ (لمُسْلِمٍ نِكاحُ كافِرَةٍ بحالٍ، إلَّا حَرائِرَ أهْلِ الكِتابِ) ليس بينَ أهلِ العلمِ، بحمدِ اللهِ، اخْتِلافٌ في حِلِّ حَرائِرِ أهلِ الكتابِ للمُسْلِمِ، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك؛ عمرُ، وعثمانُ، وطلحةُ، وحذيفةُ، وسلمانُ، وجابرٌ، وغيرُهم. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الأوائِلِ أنَّه حَرَّمَ ذلك. وروَى الخَلَّالُ بإسنادِه، أنَّ حُذيفَةَ، وطلحةَ، والجارودَ بنَ المُعَلَّى، وأُذَينَةَ العَبْدِيَّ، تَزَوَّجوا نساءً مِن أهلِ الكتابِ. وبه قال سائِرُ أهلِ العلمِ، ولم يُنْقَلْ تَحْرِيمُه إلَّا عن الإِمَامِيَّةِ، تَمَسُّكًا بقولِه تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ}.

و:{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}. ولَنا، قولُ الله تعالى:{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}. إلى قولِه:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. وإجْماعُ الصحابةِ.

٢٦٬٣٤١

فأَمَّا قولُه سبحانَه:{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ}. فرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّها نُسِخَتْ بالآيةِ التي في سورةِ المائِدَةِ.

٢٦٬٣٤٢

وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك في الآيةِ الأُخْرَى؛ لأنَّهُما مُتَقَدِّمتان، والآيَةُ التي في المائِدَةِ مُتأخِّرَةٌ عنهما.

٢٦٬٣٤٣

وقال آخرون: ليس هذا نَسْخًا،

٢٦٬٣٤٤

فإنَّ لَفْظَةَ المُشْرِكين [بإطلَاقِها، لا تَتَناوَلُ أهلَ الكتابِ، بدلِيلِ قولِه سبحانه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ] مُنْفَكِّينَ} . وقال:{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ}. وقال:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}. وقال:{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ}. وسائِرُ آيِ القرآنِ يَفْصِلُ بينَهما ، فدَلَّ على أنَّ لَفْظَةَ المشركين بإطلاقِها لا تَتَناوَلُ أهلَ الكتابِ خاصَّةً ، وهذا مَعْنَى قول سعيدِ بنِ جُبَيرِ، وقَتادَةَ، ولأنَّ ما احْتَجُّوا به عامٌّ في كلِّ كافِرَةٍ ، [وآيَتُنا خاصَّةٌ] في حِلِّ نساءِ أهلِ الكتابِ، والخاصُّ يَجِبُ تَقْدِيمُه.

إذا ثَبَت هذا، فالأَوْلَى أن لا يَتَزَوَّجَ كِتابِيَّةً؛ لأنَّ عمرَ قال للَّذينَ تَزَوَّجُوا نساءً مِن أهلِ. الكتابِ: طَلِّقُوهُنَّ. فَفَعَلُوا إلَّا حُذَيفَةَ، فقال له عمرُ: طَلِّقْها. قال: أتَشْهَدُ أنَّها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرَةٌ ، طَلِّقْها. قال: تَشْهدُ أنَّها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرةٌ . قال: قد عَلِمْتُ أنَّها جَمْرةٌ ، ولكنَّها لي حلالٌ. فلما كان بعدُ طَلَّقَها، فَقِيلَ له: أَلَا طَلَّقْتَها حينَ أمَرَكَ عمرُ؟ قال: كَرِهْتُ أن يَرَى النَّاسُ أنِّي رَكِبْتُ أمْرًا لا يَنْبَغِي لي .

ولأنَّه رُبَّما مال إليها قَلْبُه فَفَتَنَتْه، ورُبَّما كان بينَهما وَلَدٌ فيَمِيلُ إليها.

فصل: وأهْلُ الكتابِ الذِينَ هذا حُكْمُهم، أهلُ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ، قال اللهُ تعالى:{أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا}. فأهلُ التَّوْراةِ اليَهُودُ والسَّامِرَةُ، وأهلُ الإِنْجِيلِ النَّصارَى ومَن وافَقَهم مِن [الإِفْرنْجِ و] الأرْمَنِ، وغيرِهم.

٢٦٬٣٤٥

وأمّا الصَّابِئونَ فاخْتَلَفَ فيهم السَّلَفُ كثيرًا، فرُوىَ عن أحمدَ أنَّهم جِنْسٌ مِن النَّصارَى. ونَصَّ عليه الشافعيُّ، وعَلَّقَ القولَ فيهم في موضعٍ آخَرَ. وعن أحمدَ قال: بَلَغَنِي أنَّهم يَسْبِتُونَ، فهؤلاءِ إذًا يُشْبِهُون اليَهُودَ.

٢٦٬٣٤٦

والصحيحُ فيهمِ أنَّهم إن كانوا يُوافِقون اليهودَ أو النَّصارَى في أصْلِ دِينِهم، ويُخالِفُونهمَ في فُرُوعِه ، فهم مِمَّن وَافَقُوه ،

٢٦٬٣٤٧

وإن خَالفُوهم في أصلِ الدِّينِ، فليس هم منهم.

٢٦٬٣٤٨

فأمّا مَن سِوَى هؤلاء مِن الكفارِ، مثلَ المُتَمَسِّكِ بصُحُفِ إبراهيمَ وشِيثٍ، وزَبُورِ دَاودَ، فليسوا بأهلِ كتابٍ، لا تَحِلُّ مُناكَحَتُهم ولا ذَبائِحُهُم. وهذا قولُ الشافعيِّ. وذَكَر القاضي فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّهم مِن أهلِ الكتابِ، تَحِلُّ ذَبائِحُهُم، ونِكاحُ نسائِهم، ويُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ؛ لأنَّهم تَمَسَّكُوا بكتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ، فأشْبَهوا اليهودَ والنَّصارَى. [ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا}. ولأنَّ تلك الكُتُبَ كانت مواعِظَ وأمْثَالًا، [لا أحكامَ فيها]، فلم يَثْبُتْ لها حكمُ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ على الأحْكامِ] .

فصل: فأَمَّا المَجُوسُ، فليس لهم كتابٌ، ولا تَحِلُّ ذَبائِحُهم، ولا نِكاحُ نسائِهم. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه أباحَ ذلك؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ». ولأنَّه يُرْوَى أنَّ حُذَيفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً . ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ}. وقولُه:{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}. فخصَّ مِن ذلك أهلَ الكِتابِ،

٢٦٬٣٤٩

فمَن عدَاهُم يَبْقَى على العُمُومِ، ولم يَثْبُتْ أنَّ للمَجُوسِ كتابًا. وسُئِلَ أحمدُ: أيَصِحُّ أنَّ للمَجُوسِ كِتَابًا؟ فقال: هذا باطلٌ. واسْتَعْظَمَه جدًّا.

٢٦٬٣٥٠

ولو ثَبَت أنَّ لهم كِتابًا، فقد بَيَّنَّا أنَّ حُكْمَ أهلِ الكتابِ لا يَثْبُتُ لغَيرِ أهلِ الكِتابَين. وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ:«سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ». دليلٌ على أنَّه لا كِتابَ لهم، وإنَّما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حَقْنِ دِمائِهم وإقْرَارِهم بالجِزْيَةِ لا غيرُ، وذلك أنَّهم لمّا كانت لهم شُبْهَةُ كتابٍ، غُلِّبَ ذلك في تَحْرِيمِ دِمائِهم، فيجِبُ أن يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لنسائِهم وذبائحِهم، فإنَّا إذا غَلَّبْنَا الشُّبْهَةَ في التَّحريمِ، فتَغْلِيبُ الدليلِ الذي عارضتْه الشُّبْهَةُ في التَّحريمِ أوْلَى، ولمِ يَثْبُتْ أنَّ حُذَيفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً، [وضَعَّفَ أحمدُ روايةَ مَن روَى عن حُذيفَةَ أنَّه تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةَ]،

٢٦٬٣٥١

وقال: أبو وائِلٍ يقولُ: تَزَوَّجَ بيَهُودِيَّةٍ. وهو أوْثَقُ مِمَّن روَى عنه أنَّه تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.

٢٦٬٣٥٢

وقال ابنُ سيرينَ: كانتِ امرأةُ حُذَيفَةَ نَصْرَانِيَّةً. ومع تعارُضِ الرِّواياتِ لا يَثْبُتُ حكمُ إحدَاهُنَّ إلَّا بتَرْجيحٍ،

٢٦٬٣٥٣

ولو ثَبَت عن حُذَيفَةَ، لم يَجُزْ الاحْتِجاجُ به مع مُخالفَةِ الكِتابِ وقولِ سائِرِ العلماءِ.

٢٦٬٣٥٤

وأمّا إقْرَارُهم بالجِزْيَةِ، فلأنَّنا غَلَّبْنَا حكمَ التَّحْريم [لدِمائِهم، فيَجِبُ أن نُغَلِّبَ حُكْمَ التَّحْريمِ] في ذَبائحِهِم ونسائِهم. ٣١٥٦ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا،

١٧٬٠٢٣

وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ وَكِيلًا (وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}

١٧٬٠٢٤

وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، وصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَلَا نِكَاحُ مُرْتَدَّةٍ وَإِنْ تَدَيَّنَتْ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا لَا تُقَرُّ عَلَى دِينِهَا، وَلَا مَجُوسِيَّةٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا كِتَابٌ (إِلَّا حَرَائِرَ أَهْلِ الْكِتَابِ) فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ; وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: مَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِبَاحَتِهِنَّ لِشِرْكِهِنَّ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: آيَةُ الْمَائِدَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُمَا ;

لِأَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ لَا يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} وَنَصَّ عَلَى الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّ الْإِمَاءَ يَأْتِي حُكْمُهُنَّ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَكَرِهَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ كَذَبَائِحِهِمْ بِلَا حَاجَةٍ، وَشَمَلَ الْحَرْبِيَّاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " ; لِدُخُولِهِنَّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ،

١٧٬٠٢٥

وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ; حَمْلًا لِآيَةِ الْمَنْعِ عَلَى ذَلِكَ، وَآيَةُ الْجَوَازِ عَلَى غَيْرِ الْحَرْبِيَّاتِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ،

١٧٬٠٢٦

وَإِنِ اضْطُرَّ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ،

١٧٬٠٢٧

وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَعَ الضَّرُورَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَ الْإِمَامُ الْمَنْعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ ; لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ وَيَصِيرَ عَلَى دِينِهِمْ،

١٧٬٠٢٨

وَمُقْتَضَاهُ: لَا يَتَزَوَّجُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَتْ مُغَيَّبَةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ آيِسَةً وَصَغِيرَةً.

١٧٬٠٢٩

تَنْبِيهٌ: أَهْلُ الْكِتَابِ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ، كَالسَّامِرَةِ، وَالْفِرِنْجِ، وَالْأَرْمَنِ،

١٧٬٠٣٠

وَأَمَّا الصَّابِئَةُ فَقَالَ أَحْمَدُ: هُمْ مِنْ جِنْسِ النَّصَارَى،

١٧٬٠٣١

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، فَأَلْحَقَهُمْ بِالْيَهُودِ وَفِي " الْمُغْنِي ": الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ وَافَقَ الْيَهُودَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَخَالَفَهُمْ فِي فُرُوعِهِ - فَهُوَ مِنْهُمْ،

١٧٬٠٣٢

وَمَنْ خَالَفَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ، فَلَا،

١٧٬٠٣٣

وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ كَالْمُتَمَسِّكِ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ، وَشِيثَ، وَزَبُورِ دَاوُدَ، فَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَلَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ} الْآيَةَ،

١٧٬٠٣٤

وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ

الإنصافالمرداوي

ولا يحِلُّ لمُسْلِمٍ نِكاحُ كافِرَةٍ، إلَّا حَرائرَ أهْلِ الكِتابِ. شَمِلَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مَسْألتَين؛ إحْداهما، حَرائرُ أهْلِ الكِتابِ، وهما قِسْمان؛ ذِمِّيَّاتٌ، وحَرْبِيَّاتٌ، فالذِّمِّيَّاتُ يُبَحْنَ، بِلا نِزاعٍ في الجُمْلَةِ.

٣٠٬١٥٦

وأمَّا الحَرْبِيَّاتُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ حِلُّ نِكاحِهِنَّ مُطْلَقًا. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الفُروعِ». واخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ» وغيرِه.

٣٠٬١٥٧

وقيل: يحْرُمُ نِكاحُ الحَرْبِيَّةِ مُطْلَقًا. وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى». وأطْلَقَهما في «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».

٣٠٬١٥٨

وقيل: يجوزُ في دارِ الإسْلامِ لا في دارِ الحَرْبِ،

٣٠٬١٥٩

وإنِ اضْطُرَّ. وهو مَنْصوصُ الإمامِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في غيرِ رِوايَةٍ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ.

٣٠٬١٦٠

وقيل: بالجوازِ في دارِ الحَرْبِ مع الضَّرُورَةِ. قال الزّرْكَشِيُّ: وهو اختِيارُ طائفةٍ مِنَ الأصحابِ، ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ أيضًا.

٣٠٬١٦١

وقال المُصَنِّفُ: ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

في الأسِيرِ المَنْعُ. وتقدَّم في أوائلِ كتابِ النِّكاحِ : هل يتَزَوَّجُ بدارِ الحرْبِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

للضَّرُورَةِ، أمْ لا؟ وقال ناظِمُ «المُفْرَداتِ»: إذا كانتِ الكافِرَةُ أُمُّها حَرْبِيَّةٌ، لم بُيَحْ نِكاحُها. فعلى المذهبِ، الأوْلَى ترْكُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وقدَّمه في «الفُروعِ».

٣٠٬١٦٢

وقيل: يُكْرَهُ. اخْتارَه القاضي، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ،

٣٠٬١٦٣

وقال: هو قوْلُ أكْثَرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

العُلَماءِ، كذَبائِحِهم بلا حاجَةٍ. والمَسْأَلَةُ الثَّانيةُ، حَرائرُ غيرِ أهْلِ الكِتابِ، فلا يحِلُّ نِكاحُهُنَّ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. جزَم به في «الكافِي» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي» وغيره. وذكَر القاضي وَجْهًا، أنَّ مَن دانَ بصُحُفِ شِيثَ، وإبراهِيمَ، والزَّبُورِ، تحِلُّ نِساؤُهم، ويُقَرُّون بالجِزْيَةِ ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . .

كأهْلِ الكِتابَين. فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيهَا غَيرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال ولا لمسلم نكاح كافرة إلا حرائر أهل الكتاب. فإن كان أحد أبويها غير كتابي أو كانت من نساء بني تغلب فهل تحل؟ على روايتين) .

١١٬٩٧٥

أما كون المسلمة لا يحل لها نكاح كافر بحال؛ فلأن الله تعالى قال:{ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}،

١١٬٩٧٧

وأما كون المسلم لا يحل له نكاح كافرة غير حرائر أهل الكتاب؛ فلأن الله تعالى قال:{ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمنّ}، وقال:{ولا تُمْسكوا بعِصَم الكوافر}.

١١٬٩٧٨

وأما كونه يحل له نكاح حرائر أهل الكتاب؛ فلأن الله تعالى قال:{والمحصناتُ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن}.

ولأن الصحابة أجمعت عليه.

فإن قيل: عموم ما تقدم يدل على عدم حل أهل الكتاب أيضاً؛ لأنهن مشركات.

قيل: الجواب من وجهين:

أحدهما: ما روي عن ابن عباس أن قوله: {ولا تَنكحوا المشركات} نسخ بالآية في المائدة.

١١٬٩٧٩

وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى؛ لأنهما متقدمتان ، والآية التي في المائدة متأخرة عنها.

١١٬٩٨٠

والثاني: أن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب. بدليل قوله:{لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين}، وقوله:{إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين}، وقوله:{لتجدنّ أشد الناس عداوةً للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا}، وقوله:{ما يَوَدُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين}، وسائر آي القرآن تَفصل بينهما.

وقيد المصنف أهل الكتاب بالحرائر؛ لأن الإماء يأتي حكمهن إن شاء الله تعالى.

١١٬٩٨١

وأما كون من كان أحد أبويها غير كتابي لا تحل على روايةٍ؛ فلأنها متولدة بين من يحل ومن لا يحل. فلم يحل؛ كالسِّمَع والبغل.

١١٬٩٨٢

وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلعموم الآية المقتضية للحل.

ولأنها كتابية تقر على دينها. أشبه من أبويها كتابيان.

وذكر المصنف في المغني هذا احتمالاً وسوى بين من أحد أبويها غير كتابي وبين من أبواها غير كتابيين.

١١٬٩٨٣

وأما كون من كانت من نساء بني تغلب لا تحل على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه.

ولأنهم يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل.

١١٬٩٨٤

وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلأنها من أهل الكتاب فتدخل في عموم الآية المقتضية للحل.

ولأن بني تغلب أهل كتاب يقرُّون على دينهم ببذل المال. فحل نكاح نسائهم؛ كأهل الكتاب.

قال المصنف في المغني: هذا الصحيح عن الإمام أحمد. وهو مروي عن عمر ابن الخطاب وابن عباس.

قال الأثرم: ما علمت أحداً كرهه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علياً.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.