وَلَا يَتَقَدَّرُ أَقَلُّهُ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَتَقَدَّرُ أقَلُّه ولا أكثَرُه، بل كلُّ ما جاز أن يكونَ ثَمَنًا، جازَ أن يكونَ صَداقًا) وبهذا قال الحسنُ، وعمرُو بنُ دينارٍ، وابنُ أبي لَيلَى، والأوْزَاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو [ثَوْرٍ، و] داودُ. وزَوَّجَ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ ابْنَتَه بدِرْهَمَينِ.
وقال: لو أَصْدَقَها سَوْطًا، لحَلَّتْ . وعن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والنَّخَعِيِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، أنَّه مُقَدَّرُ الأقَلِّ. ثم اخْتلَفُوا فيه، فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: أقَلُّه ما يُقْطَعُ به السَّارِقُ.
وقال ابنُ شُبْرُمةَ: خَمْسَةُ دَراهِمَ. وعن النخعيِّ، أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وعنه، عِشْرُونَ. وعنه، رَطْلٌ مِن الذَّهَبِ. وعن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، خَمْسونَ دِرْهَمًا. واحْتَجَّ أبو حنيفةَ بما رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«لا مَهْرَ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَرَاهِمَ». ولأنَّه يُسْتَباحُ له عُضْوٌ، فكان مُقَدَّرًا، كالذي يُقْطَعُ به السَّارقُ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - للذي زَوَّجَه:«هل عندَك مِن شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟». قال: لا أجِدُ. قال:«الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ». مُتَّفَقٌ عليه. وعن عامرِ بنِ رَبِيعةَ، أنَّ امرأةً مِن بني فَزارةَ تَزَوَّجَتْ على نَعْلَين، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرَضيتِ مِنْ نَفْسِكِ ومَالِكِ بِنَعْلَينِ؟».
قالت: نعم. فأجازَه. أخرجه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَوْ أنَّ رَجُلًا أَعْطىَ امرأةً صَداقًا مِلْءَ يَدِهِ طَعامًا، كانت حَلالًا لَهُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، في «المُسْنَدِ».
وفي لَفْظٍ عن جابِرٍ، قال: كُنَّا نَنْكِحُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على القَبْضَةِ مِن الطَّعام. روَاه الأثْرَمُ . ولأنَّ قولَ اللهِ تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}. يدخُلُ فيه القَلِيلُ والكَثِيرُ. ولأنَّه بَدَلُ مَنْفَعَتِها، فجاز ما تَراضَيا عليه [مِن المالِ]، كالعَشَرةِ وكالأُجْرةِ. وحَدِيثُهم غيرُ صحيحٍ، رَواه مُبَشِّرُ بنُ عُبَيدٍ، وهو ضَعِيفٌ، عن الحَجَّاجِ بنِ أرْطاةَ، وهو مُدَلِّسٌ، ورَوَوْه عن جابرٍ، وقد رَوَينا عنه خِلافَه.
أو نَحْمِلُه على مَهْرِ امْرأةٍ بعَينِها، أو على الاسْتِحْبابِ. وقِياسُهم لا يَصِحُّ؛
فإنَّ النِّكاحَ اسْتِباحةُ الانْتِفاعِ بالجُمْلةِ، والقَطْعُ إتْلافُ عُضْوٍ دُونَ اسْتِباحَتِه، وهو عُقُوبَةٌ وحَدٌ، وهذا عِوَضٌ، فَقِياسُه على الأعْواضِ أوْلَى.
فأمَّا أكثَرُه، فلا تَوْقِيتَ فيه بإجْماعِ أهلِ العلمِ. قاله ابنُ عبدِ البَرِّ . وقد قال اللهُ تعالى:{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا}. ورَوَى أبو حفص بإسنادِه، أنَّ عمرَ أصْدَقَ أُمَّ كُلْثُوم بِنْتَ عليٍّ أرْبَعِينَ ألْفًا. وعن عمرَ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال: خَرَجْتُ وأنا أُرِيدُ أن أَنْهَى عن كَثْرةِ الصَّداقِ، فذَكَرْتُ هذه الآيةَ:{وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا}. قال أبو صالح: القِنْطارُ مِائَةُ رَطْلٍ.
وقال أبو سعيدٍ: مِلءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهبًا. وعبن مجاهدٍ: سبعُونَ ألْفَ مِثْقالٍ. ٣٢٤٦ -
(وَلَا يَتَقَدَّرُ أَقَلُّهُ) وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ ; وَلِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَتِهَا، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ كَالْبَيْعِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا يَتَقَدَّرُ أقَلُّه ولا أَكثَرُه، بل كُلُّ ما جازَ أَن يَكُونَ ثمَنًا جازَ أن يَكُونَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، صَداقًا. هذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به. واشترَطَ الخِرَقيُّ أن يكونَ له نِصْفٌ يُحصَّلُ. فلا يجوَزُ، على فَلَسٍ ونحوه. وتَبِعَه على ذلك ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وفسَّرُوه بنِصْفٍ يتَمَوَّلُ عادةً. قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
الزَّرْكَشِيُّ: وليسَ في كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، هذا الشَّرْطُ،
وكذا كثيرٌ مِن أصحابِه حتى بالغَ ابنُ عَقِيلٍ في ضِمْنِ كلامٍ له، فجوَّزَ الصَّداقَ بالحَبَّةِ والتَّمْرَةِ التي يُنتَبَذُ مِثلُها. قال الزَّرْكَشِيُّ: ولا يُعرَفُ ذلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: ذكرَ القاضي أبو يَعلَى الصَّغِيرُ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرهما، أنَّه يُسْتَحَبُّ أن لا ينقُصَ المَهْرُ عن عَشْرَةِ دَراهِمَ. مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَعَينٍ وَدَينٍ، وَمُعَجَّلٍ وَمُؤَجَّلٍ، وَمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ، كَرِعَايَةِ غَنَمِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَرَدِّ عَبْدِهَا الْآبِقِ مِنْ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . فَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً، كَرَدِّ عَبْدِها أَينَ كَانَ، وَخِدْمَتِهَا فِيمَا شَاءَتْ، لم يَصِحَّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
قال: (ولا يتقدّر أقلّه ولا أكثره. بل كل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صداقاً من قليل وكثير، وعين ودين، ومعجل ومؤجل، ومنفعة معلومة؛ كرعاية غنمها مدة معلومة، وخياطة ثوب، ورد عبدها من موضعٍ معين. وإن كانت مجهولة؛ كرد عبدها أين كان، وخدمتها فيما شاءت: لم يصح. وإن تزوجها على منافعه مدة معلومة فعلى روايتين. وكل موضعٍ لا تصح التسمية وجب مهر المثل) .
أما كون الصداق لا يتقدر أقله؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزوج الموهوبة: التمس ولو خاتمًا من حديد». وعن عامر بن ربيعة «أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضيتِ من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم. فأجازه». رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقًا ملء يده طعامًا كانت حلالاً له». رواه الإمام أحمد.
ولأن قوله:{وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم}: يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنه بدل منفعتها. فجاز ما تراضيا عليه من المال؛ كالبيع والإجارة وغيرهما من عقود المعاوضة.
وأما كونه لا يتقدّر أكثره؛ فلأنه لا توقيف فيه بإجماع أهل العلم. قاله ابن عبدالبر.
وقال الله عز وجل:{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً}.
وروي:«أن عمرُ أصدقَ أم كلثوم ابنة علي أربعينَ ألفاً» رواه أبو حفص بإسناده.
وعن أبي سعيد:«ملء مَسْكِ ثور ذهباً». وعن مجاهد:«سبعين ألف مثقال».
وأما كونه يجوز بكل ما يجوز أن يكون ثمناً من قليل ... إلى قوله: ومنفعة معلومة؛ فلأنه أحد العوضين. أشبه عوض المبيع، والمبيع يجوز بذلك كله.
وقد نبه الله تعالى على جواز كون الصداق منفعة معلومة بقوله:{إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حِجَج}.
وأما قول المصنف رحمه الله تعالى:"كرعاية غنمها ... إلى قوله: من موضع معين"؛ فبيان لصور من صور المنفعة المعلومة وتعداد لها.
وأما كونه لا يصح إذا كانت المنفعة مجهولة؛ كرد عبدها أين كان، أو خدمتها فيما شاءت؛ فلأنه مجهول في عقد معاوضة. فلم يصح؛ كالعوض المجهول في البيع.
وأما كونه إذا تزوجها على منافعه مدة معلومة يصح على روايةٍ؛ فلضبط منافعه بالمدة.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنها متبوعة فتفضي إلى الجهالة.
وأما كون المهر يجب في كل موضعٍ لا تصح التسمية؛ فلأن فساد العوض يقتضي رد المعوض. وقد تعذر رده لصحة النكاح. فوجب قيمته وهو مهر المثل؛ كمن اشترى شيئاً بثمنٍ فاسد فقبض المبيع وتلف في يده فإنه يجب عليه رد قيمته.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.