فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن أصْدَقَها طَلاقَ امْرأةٍ له أُخْرَى، لم يَصحَّ. وعنه، يصِحُّ. فإن فاتَ طَلاقُها بمَوْتِها، فلها مَهْرُها في قِياسِ المذْهَبِ) ظاهِرُ المذْهَبِ أنَّ المُسَمَّى ههُنا لا يَصحُّ، ولها مهرُ مِثْلِها. وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وقولُ أكثر الفقهاءِ؛ لأنَّ هذا ليس بمالٍ، وقد قال اللهُ تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}. ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَسْأَلُ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها, لتَكْتَفِئَ ما في صَحْفَتِها ، ولتَنْكِحْ، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها».

صحيحٌ . ورَوى عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لا يَحِلُّ لرَجُلٍ أنْ يَنْكِحَ امرأةً بِطَلاقِ أُخْرَى». ولأنَّ هذا لا يَصْلُحُ ثَمَنًا في بَيعٍ، ولا أجرًا في إجارَةٍ، فلم يَصِحَّ صداقًا، كالمَنافِع المحرَّمَةِ. فعلى هذا، يكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو أصْدَقَها خَمرًا أو نَحوَه، يكونُ لها مهرُ المِثْلِ، أو نِصْفُه إن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، أو المُتْعَةُ عندَ مَن يُوجِبُها في التَّسْمِيَةِ الفاسِدَةِ.

وعنِ أحمدَ رِوايةٌ أخْرَى، أنَّ التَّسْمِيَةَ صحِيحةٌ؛ لأنَّه شَرَطَ فِعلَا لها فيه نفْعٌ وفائدةٌ، لِما يَحْصُلُ لها مِن الرَّاحَةِ بطَلاقِها مِن مُقاسمتِها وضَرَرِهَا والغَيرَةِ مِنها، فَصَحَّ هذا كعِتْقِ أبِيها، وخِياطَةِ قَمِيصِها, ولهذا صَحَّ بَدَلُ العِوَضِ في طَلاقِها بالخُلْعِ. فعلى هذا، إن لم يُطَلِّقْ ضَرَّتَها، فلها مِثْلُ صَداقِ الضَّرَّةِ؛ لأنَّه سَمَّى لها صداقًا لم تَصِلْ إليه، فكان لها قِيمَتُه، كما لو أصْدَقَها عبدًا فخرَجَ حرًّا. ويَحْتَمِلُ أنَّ لها مَهْرَ مِثْلِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا قِيمَةَ له.

٢٧٬١٥١

فإن جعَل صَداقَها أنَّ طَلاقَ ضَرَّتِها إليها إلى سنَةٍ، [فلم تُطَلِّقْها، فقال أحمدُ: إذا تزوَّج امرأة، وجعَل طلاقَ الأولى مَهْرَ الأُخرى إلى سَنةٍ] أو إلى وَقْتٍ، فجاءَ الوَقْتُ ولم تَقْضِ شيئًا، رجَع الأمْرُ إليه. فقد [أسقَطَ أحمدُ حقَّها]؛ لأنَّه جعلَه لها إلى وَقْتٍ،

٢٧٬١٥٢

فإذا مضَى الوَقْتُ ولم تَقْضِ فيه شيئًا، بطَل تصرُّفُها، كالوكيلِ. وهل يَسْقُطُ حَقُّها مِن المَهْرِ؟ فيه وجهان، ذكَرهما أبو بكرٍ؛ أحدُهما، يَسْقُطُ؛ لأنَّها ترَكتْ ما شرَط لها باخْتِيارِها، فسَقَط حَقُّها، كما لو تَزَوَّجَها على عبدٍ فأعْتقَتْه.

٢٧٬١٥٣

والثاني، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّها أخَّرَتِ استِيفاءَ حقِّها، فلم يَسْقُطْ، كما لو أخَّرَتْ قَبْضَ دَراهِمِها. وهل يَرْجِعُ إلى مَهْرِ مِثْلِها، [أو إلى] مَهْرِ الأُخْرَى؟ يَحْتَمِلُ وجهَين.

فصل: الزِّيادَةُ في الصَّداقِ بعدَ العَقْدِ تَلْحَقُ به. نَصَّ عليه أحمدُ،

٢٧٬١٥٤

قال في الرَّجُلِ يتَزَوَّجُ المرأةَ على مَهْرٍ، فلمَّا رآها زادَها في مَهْرِها: فهو جائِزٌ،

٢٧٬١٥٥

فإن طلَّقها قبلَ الدُّخولِ بها، فلها نِصْفُ الصَّداقِ الأوَّلِ، ونِصْفُ الزِّيادَةِ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ.

٢٧٬١٥٦

وقال الشافعيُّ: لا تَلْحَقُ الزِّيادَةُ بالعَقْدِ،

٢٧٬١٥٧

فإن زادَها، فهي هِبَةٌ تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ،

٢٧٬١٥٨

وإن طلَّقها بعدَ هِبَتِها, لم يَرْجِعْ بشيءٍ مِن الزِّيادَةِ. قال القاضي: وعن أحمدَ مثْلُ ذلك، فإنَّه قال: إذا زوَّج رَجلٌ أمَتَه عَبْدَه، ثم أَعْتَقَهما جميعًا، فقالتِ الأمَةُ: زِدْنِي في مَهْرِي حَتَّى أخْتارَكَ. فالزِّيادَةُ للأَمَةِ،

٢٧٬١٥٩

ولو لحِقَتْ بالعَقْدِ، كانتِ الزِّيادَةُ للسَّيِّدِ. قال شيخُنا : وليس هذا دليلًا على أنَّ الزيادةَ لا تَلْحَقُ بالعَقْدِ،

٢٧٬١٦٠

فإنَّ معْنى لُحُوقِ الزيادَةِ بالعَقْدِ، أَنَّها تَلْزَمُ ويَثْبُتُ فيها أحكامُ الصَّداقِ، مِن التَّنْصِيفِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وغيرِه، وليس معناه أنَّ المِلْكَ يَثْبُت فيها قبلَ وُجُودِها، وأنَّها تكونُ للسَّيِّدِ. وحُجَّةُ الشافعيِّ أنَّ الزَّوْجَ مَلَك البُضْعَ بالمُسَمَّى في العَقْدِ، فلم يَحْصُلْ بالزِّيادَةِ شيءٌ مِنَ المعْقُودِ عليه، فلا يكونُ عِوضًا في النِّكاحِ، كما لو وهَبَها شيئًا, ولأنَّها زيادةٌ في عِوَضِ العَقْدِ بعدَ لُزُومِه، فلم تَلْحَقْ به، كما في البَيعِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ}.

ولأنَّ ما بعدَ العَقْدِ زمنٌ لِفرضِ المَهْرِ، فكان حالةً للزِّيادَةِ كحالةِ العَقْدِ. وبهذا فارق البَيعَ والإِجارةَ. وقولُهم: إنَّه لم يَمْلِكْ شيئًا مِن المعْقُودِ عليه. قُلْنا: هذا يَبْطُلُ بجميعِ الصَّداقِ؛

٢٧٬١٦١

فإنَّ المِلْكَ ما حصل به، ولهذا صَحَّ خُلوُّه عنه، وهذا أَلْزَمُ عندَهم، فإنَّهم قالوا: مَهْرُ المُفَوّضَةِ إنَّما وجب بِفَرْضِه لا بالعَقْدِ، وقَدْ مَلَكَ البُضْعَ بدُونِه. ثم إنَّه يجُوزُ أن يَسْتَنِدَ ثُبُوتُ هذه الزيادةِ إلى حالةِ العَقْدِ، فيكون كأنَّه ثبَت بِهما جميعًا، كما قالوا في مَهْرِ المُفَوّضَةِ إذا فرَضه، وكما قُلْنا جميعًا فيما إذا فرَض لها أكثرَ مِن مَهْرِ مِثْلِها. إذَا ثبَت هذا،

٢٧٬١٦٢

فإنَّ معنَى لُحُوقِ الزيادَةِ بالعَقْدِ، أنَّه يَثْبُتُ لها حُكْمُ المُسَمَّى في العَقْدِ، في أنَّها تُنَصَّفُ بالطَّلَاقِ قبلَ الدُّخولِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وليس معناه أنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ فيها مِن حينِ العَقْدِ، ولا أنَّها تَثْبُتُ لمَن كان الصَّداقُ له؛ لأنَّ المِلْكَ لا يجوزُ تَقَدُّمُه على سَبَبِه، ولا وُجودُه في حالِ عَدَمِه، وإنَّما يَثْبُتُ المِلْكُ بعدَ سَبَبِه مِن حِينئذٍ.

٢٧٬١٦٣

وقال القاضي: في الزِّيادَةِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَسْقُطُ بالطَّلاقِ. قال شيخُنا : ولا أعْرِفُ [وَجْهَ] ذلك،

٢٧٬١٦٤

فإنَّ مَن جعَلَها صداقًا، جعلَها تَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، وتَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قَبْلَه، وتَسْقُطُ كُلُّها إذا جاء الفَسْخُ مِن قِبَل المرأةِ،

٢٧٬١٦٥

ومَن جعلَها هِبَةً ، لا تَتَنَصَّفُ بطَلاقِها، إلَّا أن تكونَ غيرَ مَقْبوضَةٍ، فإنَّها عندَه غيرُ لازِمَةٍ،

٢٧٬١٦٦

فإن كان القاضي أَرادَ ذلك، فهذا وَجْهٌ، وإلَّا فلا. ٣٢٦٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ أَصْدَقَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا» ; وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ، وَلَا أَجْرًا فِي إِجَارَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ صَدَاقًا، كَالْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ، فَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوِ الْمُتْعَةِ، عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهَا فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ

لا زيادة له على هذه المسألة.

الإنصافالمرداوي

وإنْ أصْدَقَها طَلاقَ امْرَأةٍ له أخْرَى، لم يَصِحَّ. يعْنِي، لم يصِحَّ جعْلُ الطلاقِ صَداقًا. وهو المذهبُ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ وغيرُه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ.

٣٠٬٨٩٤

قال في «النَّظْمِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»: لم يصِحَّ في الأصحِّ. وجزَم به في «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ». وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي» , . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».

٣٠٬٨٩٥

وعنه، يصِحُّ. جزَم به في «الوَجيزِ»، ولم أرَ مَنِ اخْتارَه غيرَه، مع أنَّ له قُوَّةً. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «البُلْغَةِ».

٣٠٬٨٩٦

وقال الشّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: ولو قيلَ ببُطْلانِ النِّكاحِ، لم يبْعُدْ؛ لأنَّ المُسَمَّى فاسِدٌ لا بدَلَ له، فهو كالخَمْرِ ونِكاحِ الشِّغَارِ. فعلى المذهبِ، لها مَهْرُ مِثْلِها. قاله القاضي في «الجامعِ»، وأبو الخَطَّاب، وغيرُهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وغيرِهم. وحكَى القاضي في «المُجَرَّدِ»، عن أبِي بَكْر، أنَّها تسْتَحِقُّ مَهْرَ الضَّرَّةِ. وقاله ابنُ عَقِيلٍ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: وهو أجْوَدُ. ذكرَه في «الاخْتِياراتِ».

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن أصدقها طلاق امرأة له أخرى لم يصح. وعنه: يصح. فإن فات طلاقها بموتها فلها مهرها في قياس المذهب) .

١٢٬٣٥٠

أما كون الصداق لا يصح أن يكون طلاق امرأة له أخرى على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتَكْتفِئَ ما في صَحْفتَها، ولْتنكِحْ فإنما لها ما قدِّرَ لها» حديث صحيح. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا يحل لرجلٍ أن ينكحَ امرأةً بطلاقِ أخرى».

ولأن ذلك ليس بمال، والمهر لا يكون إلا مالاً؛ لقوله تعالى:{أن تبتغوا بأموالكم}.

ولأن هذا لا يصح ثمناً في بيع، ولا أجراً في إجارة. فلم يصح صداقاً؛ كالمنافع المحرمة.

فعلى هذا يكون لها مهر المثل؛ لما تقدم.

١٢٬٣٥١

وأما كون ذلك يصح على روايةٍ؛ فلأنه فعل لها فيه

١٢٬٣٥٢

فائدة ونفع لما يحصل لها من الراحة بطلاقها من مقاسمتها وضررها والغيرة منها. فصح جعل ذلك صداقاً؛ كعتق أبيها وخياطة قميصها.

١٢٬٣٥٣

وأما كون الزوجة لها مهر ضرتها في قياس المذهب إذا بان طلاقها بموت؛ فلأنه سمى لها صداقاً لم يصل إليه فكان لها قيمته؛ كما لو أصدقها عبداً فخرج حراً.

وقول المصنف رحمه الله تعالى: في قياس المذهب مشعر بالخلاف. وصرح به في المغني فقال: ويحتمل أن لها مهر مثلها؛ لأن الطلاق لا قيمة له.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.