فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٢٬٥١٥المقنعالحنابلةج ٤ ص ٢٩٦ج ٤ ص ٢٩٦

الثَّالِثُ: بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَهُ وَيَحْضُرَ الْغُرَمَاءُ وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ وَيَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

فصل: فإنِ اشْتَرَى غِراسًا فَغَرَسَه في أرْضِه، ثم أفْلَسَ، ولم يَزِدِ الغِراسُ، فله الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّه أدْرَكَ مَتاعَه بعَينِه.

١٥٬٢٨٠

فإذا أخَذَه، فعليه تَسْويَةُ الأرْضِ، وأَرْشُ نَقْصِها الحاصِلِ بقَلْعِه؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل لتَخْلِيصِ مِلْكِه مِن مِلْكِ غيرِه.

١٥٬٢٨١

وإن بَذَل المُفْلِسُ والغُرَماءُ قِيمَتَه له ليَمْلِكُوه، لم يُجْبَرْ على قَبُولِها؛ لأنَّه إذا اخْتارَ أخْذَ مالِه وتَفْرِيغَ مِلْكِهِم وإزالةَ ضَرَرِه عنهم، لم يَكُنْ لهم مَنْعُه، كالمُشْتَرِي إذا غَرَس في الأرْضِ المَشْفُوعَةِ.

١٥٬٢٨٢

وإنِ امْتَنَع مِن القَلْعِ، فبَذَلُوا له القِيمَةَ ليَمْلِكَهُ المُفْلِسُ، أو أرَادُوا قَلْعَه وضَمانَ النَّقْصِ، فلهم ذلك.

١٥٬٢٨٣

وكذلك لو أرادُوا قَلْعَه مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ؛ لأنَّ المُفْلِسَ إنَّما ابْتاعَه مَقْلُوعًا، فلم يَجبْ عليه إبْقاؤُه في أرْضِه.

١٥٬٢٨٤

وقِيلَ: ليس لهم قَلْعُه مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ؛ لأَنَّه غَرْس بحَقٍّ، فأشْبَهَ غَرْسَ المُفْلِسِ في الأرْضِ التي ابْتاعَها إذا رَجَع بائِعُها فيها. والفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ،

١٥٬٢٨٥

فإنَّ إبْقاءَ الغِراسِ في هذه الصُّورَةِ حَقٌّ عليه، فلم يَجبْ عليه بفِعْلِه ،

١٥٬٢٨٦

وفي التي قبلَها إبْقاؤُه حَقٌّ له، فوَجَبَ له بغِراسِه في مِلْكِه.

١٥٬٢٨٧

فإنِ اخْتارَ بعضُهم القَلْعَ وبَعْضُهم التَّبْقِيَةِ، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب القَلْعَ، سَواءٌ كان المُفْلِسَ أو الغُرَماءَ أو بعضَ الغُرَماءِ؛ لأنَّ الإبقاءَ ضَرَرٌ غيرُ واجِبٍ، فلم يَلْزَمِ المُمْتَنِعَ منه الإِجابَةُ إليه.

١٥٬٢٨٨

وإن زاد الغِراسُ في الأرْضِ، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَة تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، إلَّا على رِوايَةِ المَيمُونِيِّ.

١٥٬٢٨٩

فصل: وإنِ اشْتَرَى أرْضًا مِن رجلٍ وغِراسًا مِن آخَرَ، فغَرَسَه فيها، ثم أفْلَسَ، ولم يَزِدِ الشَّجَرُ، فلِكلِّ واحِدٍ منهما الرُّجُوعُ في عَينِ مالِه، ولصاحِبِ الأرْضِ قَلْعُ الغِراسِ مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ بالقَلْعِ، كما ذَكَرْنا؛ لأنَّ البائِعَ إنَّما باعَه مَقْلُوعًا، فلا يَسْتَحِقُّه إلَّا كذلك.

١٥٬٢٩٠

وإن أراد بائِعُه قَلْعَه مِن الأرْضِ، فقَلَعَه، فعليه تَسْويَةُ الأرضِ ، وضَمانُ نَقْصِها الحاصِلِ به؛ لِما تَقَدَّمَ.

١٥٬٢٩١

فإن بَذَلَ صاحِبُ الغِراس قِيمَةَ الأرْضِ لصاحِبِها ليَمْلِكَها ، لم يُجْبَرْ على ذلك؛ لأنَّ الأرْضَ أصْل، فلا يُجْبَرُ على بَيعِها تَبَعًا.

١٥٬٢٩٢

وإن بَذَل صاحِبُ الأرْضِ قِيمَةَ الغِراسِ لصاحِبِها ليَمْلِكَه إذا امْتَنَعَ مِن القَلْعِ، فله ذلك؛ لأن غَرْسَه حَصَل في مِلْكِ غيرِه بحَق، فأشْبَهَ غَرْسَ المُفْلِسِ في أرْضِ البائِعِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ ذلك؛ لأنَّه لا يُجْبَرُ على إبْقائِه إذا امْتَنَعَ مِن دَفْعِ قِيمَتِه أو أَرْشِ نَقْصِه، فلا يكونُ له أن يَتَمَلَّكَه بالقِيمَةِ،

١٥٬٢٩٣

بخِلافِ التي قبلَها. والأوَّلُ أوْلَى، وهذا مُنْتَقِصٌ بغَرْسِ الغاصِبِ.

١٥٬٢٩٤

فصل: فإن كان المَبِيعُ صَيدًا، فأفْلَسَ المُشْتَرِي، والبائِعُ مُحْرِمٌ، لم يَرْجِعْ فيه؛ لأنَّه تَمَلُّكٌ للصَّيدِ، فلم يَجُزْ في الإِحْرام، كشِرائِه.

١٥٬٢٩٥

وإن كان البائِعُ حَلالًا في الحَرَمِ، والصَّيدُ في الحِلِّ، فأَفْلَسَ المُشْتَرِي؛ فللبائِعِ الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّ الحرمَ، إنَّما يَحْرُمُ الصَّيدُ الَّذي فيه، وهذا ليس مِن صَيدِه، فلا يُحَرِّمُه.

١٥٬٢٩٦

ولو أفْلَسَ المُحْرِمُ وفي مِلْكِه صَيدٌ، بائِعُه حَلالٌ، فله أخْذُه؛ لأنَّ المانِعَ غيرُ مَوْجُودٍ فيه. فصل: إذا أفْلَسَ وفي يَدِه عَينٌ دَينُ بائِعها مُؤَجَّلٌ، وقُلْنا: لا يحِلُّ الدَّينُ بالفَلَسِ. فقال أَحمَدُ، في رِوايَةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ: يكونُ مَوْقُوفًا إلى أنْ يَحِلَّ دَينُه، فيَخْتارُ البائِعُ الفَسْخَ أو التَّرْكَ. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ. والمَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، أنَّه يُباعُ في الدُّيُونِ الحالَّةِ. ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك؛ لأنَّها حُقُوق حالَّةٌ، فقُدَّمَتْ على الدَّينِ المُؤجَّلِ، كدَينِ مَن لم يَجِدْ عَينَ مالِه.

والقولُ الأوَّلُ أوْلَى؛ للخَبَرِ، ولأنَّ حَقَّ هذا البائِعِ تَعَلَّقَ بالعَينِ، فَقُدِّمَ على غيرِه وإن كان مُؤْجَّلًا، كالمُرْتَهِنِ والمَجْنِيِّ عليه. فصل: قال أحمدُ، في رجلٍ ابْتاعَ طَعامًا نَسِيئَةً ونَظَرَ إليه وقَلَّبَه،

١٥٬٢٩٧

وقال: أقْبِضه غَدًا. فمات البائِعُ وعليه دَيْنٌ، فالطّعامُ للمُشْتَرِي، ويَتْبَعُه الغُرَمَاءِ بالثَّمَنِ،

١٥٬٢٩٨

وإن كان رَخِيصًا. وكذلك قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت للمُشْتَرِي فيه بالشِّراءِ، وزال مِلْكُ البائِعِ عنه، فلم يُشارِكْه غُرَماءُ البائِعِ فيه، كما لو قَبَضَه. فصل: ورُجُوعُ البائِعِ فَسْخٌ للبَيعِ، لا يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ المَبِيعِ، ولا القُدْرَةِ على تَسْلِيمِه،

١٥٬٢٩٩

فلو رَجَع في المَبِيعِ الغائِبِ بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَغَيَّرُ فيها، ثم وَجَدَه على حالِه لم يَتْلَفْ شيءٌ منه، صَحَّ رُجُوعُه.

١٥٬٣٠٠

وإن رَجَع في العَبْدِ بعدَ إباقِه، أو الجَمَلِ بعدَ شُرُودِه، صَحَّ، وصار ذلك له،

١٥٬٣٠١

فإن قَدَر عليه أخَذَه، وإن ذَهَب كان مِن مالِه.

١٥٬٣٠٢

وإن تَبَيَّن أنَّه كان تالِفًا حال استِرْجاعِه، بَطَل الاسْتِرْجاعُ، وله أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ في المَوْجُودِ مِن مالِه.

١٥٬٣٠٣

وإن رَجَع في المَبِيعِ، واشْتَبَهَ بغَيرِه، واخْتَلَفا في عَينِه، فالقولُ قولُ المُفْلِسِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لاسْتِحْقاقِ ما ادَّعاه البائِعُ، والأصْلُ معه. فصل: قال، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الْحُكْمُ الثَّالِثُ، بَيعُ الْحَاكِمِ مَالهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ، وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَهُ وَيُحْضِرَ الْغُرَمَاءَ، وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ في سُوقِهِ) إذا حُجِر على المُفْلِسِ باع الحاكِمُ ماله؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ مُعاذٍ . ولأنَّه مَقْصُودُ الحَجْرِ.

١٥٬٣٠٤

ويُسْتَحَبُّ إحْضارُ المُفْلِسِ؛ لمعانٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، إحْصاءُ ثَمَنِه وضَبْطُه. الثانِي، أنَّه أعْرَفُ بثَمَنِ مَتاعِه وجَيِّدِه ورديئِه،

١٥٬٣٠٥

فإذا حَضَر تَكَلَّمَ عليه، وعَرَف الغَبْنَ مِن غيرِه. الثالثُ، أنَّ الرَّغْبَةَ تَكْثُرُ فيه،

١٥٬٣٠٦

فإنَّ شِراءَه مِن صاحِبِه أحَبُّ إلى المُشْتَرِين. الرَّابِعُ، أنَّه أطْيَبُ لقلبِه.

١٥٬٣٠٧

ويُسْتَحَبُّ إحْضارُ الغُرَماءِ؛ لأمُورٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه يُيَاعُ لهم. الثانِي، أنَّهم رُبَّما رَغِبُوا في شيءٍ فزادُوا في ثَمَنِه، فيكونُ أصْلَحَ لهم وللمُفْلِسِ. الثَّالِثُ، أنَّه أطْيَبُ لقُلُوبِهم، وأَبْعَدُ مِن التُّهمَةِ. الرَّابِعُ، لَعَلَّ فيهم مَن يَجِدُ عَينَ مالِه فيَأْخُذَها.

١٥٬٣٠٨

فإن باعَه مِن غيرِ حُضُورِهم كُلِّهم جاز؛ لأنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إليه ومَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِه، فرُبَّما أدّاه اجْتِهادُه إلى خِلافِ ذلك والمُبادَرَةِ إلى البَيعِ قبلَ إحْضارِهم. ويَأْمُرُهُم الحاكِمُ أن يُقِيمُوا مُنادِيًا يُنادِي على المَتاعِ،

١٥٬٣٠٩

فإن تَراضَوْا بثِقَةٍ أمْضاه الحاكِمُ،

١٥٬٣١٠

وإن لم يَكُنْ ثِقَةً رَدَّه.

١٥٬٣١١

فإن قِيلَ: لِمَ يَرُدُّه وقد اتَّفَقَ عليه أصْحابُ الحَقِّ، فأشْبَهَ ما لو اتَّفَقَ المُرْتَهِنُ والرَّاهِنُ على أن يَبِيعَ الرَّهْنَ غيرُ ثِقَةٍ، لم يَكُنْ للحاكِمِ الاعْتِراضُ؟ قُلْنا: الحاكِمُ ههُنا له نَظَرٌ واجْتِهادٌ؛ لأنَّه قد يَظْهَرُ غَرِيمٌ آخَرُ، فَيَتَعَلَّقُ حَقُّه به،

١٥٬٣١٢

بخِلافِ الرَّهْنِ، فإنَّه لا نَظَر للحاكِمِ فيه.

١٥٬٣١٣

فإنِ اخْتارَ المُفْلِسُ رجلًا، واخْتارَ الغُرَماءُ آخَرَ أقَرَّ الحاكِمُ الثِّقَةَ منهما.

١٥٬٣١٤

فإن كانا ثِقَتَينِ، قَدَّمَ المُتَطَوِّعَ منهما؛ لأنَّه أوْفَرُ،

١٥٬٣١٥

فإن كانا مُتَطَوِّعَين، ضَمَّ أحَدَهما إلى الآخَرِ،

١٥٬٣١٦

وإن كانا بجُعْلٍ، قَدَّمَ أوْثَقَهما وأعْرَفَهما،

١٥٬٣١٧

فإن تَساوَيا، قَدَّمَ مَن يَرَى منهما . والأُجْرَةُ مِنِ مالِ المُفْلِسِ؛ لأنَّ البَيعَ حَقٌّ عليه، لكَوْنِه طَرِيقَ وفاءِ دَينِه.

١٥٬٣١٨

وقيل: يُدْفعُ مِن بَيتِ المالِ؛ لأنَّه مِن المَصالِحِ.

١٥٬٣١٩

وكذلك الحُكْمُ في أجْرِ مَن يَحْفَظُ المَتاعَ والثَّمَنَ، وأجْرِ الحَمّالِين، ونحوهم.

١٥٬٣٢٠

ويُسْتَحَبُّ بَيعُ كلِّ شيءٍ في سُوقِه؛ لأنَّه أحْوَطُ، وأكْثَرُ لطُلابِه، ومَعْرِفَةِ قِيمَتِه.

١٥٬٣٢١

فإن باع في غيرِ سُوقِه بثَمَنِ المِثْلِ، جاز؛ لأنَّ الغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ، ورُبَّما أدَّى الاجْتِهادُ إلى أنَّه أصْلِحُ. ولهذا لو قال: بعْ ثَوْبِي بثَمَنِ كذا. في سُوقٍ عَيَّنَهَ، فباعَه بذلك في غيرِه، جازَ. ويَبِيعُ بنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّه أصْلَحُ.

١٥٬٣٢٢

فإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ باع بغالِبِها،

١٥٬٣٢٣

فإن تَساوَتْ باع بجِنْسِ الدَّينِ.

١٥٬٣٢٤

فإن زاد في السِّلْعَةِ أحَدٌ في مُدَّةِ الخِيارِ، لَزِم الأمِينَ الفَسْخُ؛ لأنَّه أمْكَنَه بَيعُه بثَمَنٍ ، فلم [يَجُزْ بَيعُه] بدُونِه، كما لو زِيد فيه قبلَ العَقْدِ.

١٥٬٣٢٥

وإن زاد بعدَ لزومِ العَقْدِ، اسْتُحِبَّ للأمِينِ سُؤالُ المُشْتَرِي الإِقالةَ، واسْتُحِبَّ للمُشْتَرِي الإِجابَةُ؛ لتَعَلُّقِه بمَصْلَحَةِ المُفْلِسِ وقَضاءِ دَينِه.

١٩٢٠ - مسألة: (ويَتْرُكَ له مِن مالِه ما تَدْعُو إليه حاجَتُه مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ) لا تُباعُ دارُ المُفْلِسِ التي لا غِنى له عن سُكْناها. وبه قال أبو حَنِيفةَ، وإسحاقُ. والخادِمُ في مَعْنَى الدَّارِ إذا كان مُحْتاجًا إليه.

١٥٬٣٢٦

وقال شُرَيحٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: تُباع، ويُكْتَرَى له بَدَلُها. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

١٥٬٣٢٧

قال في الَّذي أُصِيبَ في ثِمارٍ ابْتاعَها، فكَثُرَ دَينُه، فقال لغُرَمائِه:«خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ». وهذا ممّا وَجَدُوه، ولأنَّه عَينُ مالِ المُفْلِسِ، فوَجَبَ صَرْفُه في دَينِه، كسائِرِ مالِه. ولَنا، أنَّ هذا ممّا لا غِنًى للمُفْلِسِ عنه، فلم يُصْرَفْ في دَينِه، كثِيابِه وقُوتِه، والحَديثُ قَضِيَّةٌ في عَين، يَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ له عَقارٌ ولا خادِمٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ». ممّا تُصُدِّقَ به عليه، والظّاهِرُ أنَّه لم يُتَصَدَّقْ عليه بدارٍ وهو مُحْتاجٌ إلى سُكْناهَا، ولا خادِم وهو مُحْتَاجٌ إلى خِدْمتِه، ولأنَّ الحديثَ مَخْصُوصٌ بثِيابِ المُفْلِسِ وقُوتِه، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ، وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بذلك، وبأجْرِ المَسْكَنِ، وسائِرُ مالِه يَسْتَغْنِي عنه،

١٥٬٣٢٨

بخِلافِ مَسْألَتِنا. فإن كان له داران يَسْتَغْنِي بإحْداهما، بِيعتِ الأُخْرَى؛ لأنَّ به غِنًى عن سُكْنَاها.

١٥٬٣٢٩

وإن كان مَسْكَنُه واسِعًا يَفْضُلُ عن سُكْنَى مِثْلِه، بِيعَ، واشْتُرِيَ له مَسْكَنُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ على الغُرَماءِ،

١٥٬٣٣٠

وكذلك الثِّيابُ التي له، إذا كانت رَفِيعَةً لا يَلْبَسُ مِثْلُه مِثْلَها.

١٥٬٣٣١

فصل: فإن كان المَسْكَنُ والخادِمُ الَّذي لا يَسْتَغْنِي عنهما عَينَ مالٍ بعضِ الغُرَماءِ، أو كان جَمِيعُ أمْوالِه أعْيانَ أمْوالٍ أفْلَسَ بأثْمانِها، ووَجَدَها أصْحابُها، فلهم أخْذُها بالشَّرائِطِ المَذْكُورةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بعَينِه عَنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ». ولأنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بالعَينِ، فكان أقْوَى سَبَبًا مِن المُفْلِسِ، ولأنَّ الإِعْسارَ بالثَّمَنِ سَبَبٌ يَسْتَحِقُّ به الفَسْخَ، فلم يَمْنَعْ منه تَعَلُّقُ حاجَةِ المُشْتَرِي، كما قبلَ القَبْضِ، وكالعَيبِ، والخِيارِ.

ولأنَّ مَنْعَهم مِن أخْذِ أمْوالِهم يَفْتَحُ باب الحِيَلِ، بأن يَشْتَرِيَ مَن لا مال له في ذمّتِه ثِيابًا يَلْبَسُها، ودارًا يَسْكُنُها، وخادِمًا يَخْدِمُه، وفَرَسًا يَرْكَبُها، وطعامًا له ولعائِلَتِه، ويَمْتَنِعُ على أرْبابِها أخْذُها؛ لتَعَلُّقِ حاجَتِه بها، فتَضِيعُ أمْوالُهم ويَسْتَغْني هو بها. فعلى هذا، يُؤخَذُ ذلك، ولا يُتْرَكُ له منه شيءٌ؛ لأنَّه أعْيانُ أمْوالِ النَّاسِ فكانُوا أحَقَّ بها منه، كما لو كانت في أيَدِيهم، أو أخَذَها منهم غَصْبًا. ١٩٢١ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(الثَّالِثُ: بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ) عَلَى الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ بَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ وَقَسَمَ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَلِفِعْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ يُحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالسَّفِيهِ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ، أَوْ أَكْثَرَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ قَسَمَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " (وَيَنْبَغِي) أَيْ: يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَحْضُرَهُ) أَيِ: الْمُفْلِسُ وَقْتَ الْبَيْعِ لِفَوَائِدَ مِنْهَا: أَنْ يَحْضُرَ ثَمَنَ مَتَاعِهِ وَيَضْبُطَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْجَيِّدِ مِنْ مَتَاعِهِ،

١١٬١٩٢

فَإِذَا حَضَرَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَكْثُرُ فِيهِ الرَّغْبَةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ وَأَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَوَكِيلُهُ كَهُوَ. قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ". (وَيَحْضُرَ الْغُرَمَاءُ) ، لِأَنَّهُ لَهُمْ وَرُبَّمَا رَغِبُوا فِي شَيْءٍ فَزَادُوا فِي ثَمَنِهِ وَأَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ، وَأَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ.

١١٬١٩٣

قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: وَرُبَّمَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ عَيْنَ مَالِهِ فَيَأْخُذُهَا. (وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ) ، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ،

١١٬١٩٤

فَلَوْ بَاعَهُ فِي غَيْرِ سُوقِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ صَحَّ، لِأَنَّ الْغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ كَالْوَكَالَةِ وَيَبِيعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، لِأَنَّهُ أَصْلَحُ،

١١٬١٩٥

فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ بَاعَ بِأَغْلَبِهَا،

١١٬١٩٦

فَإِنْ تَسَاوَتْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ (وَ) يَجِبُ أَنْ (يَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَبِعْ فِي دَيْنِهِ كَكِتَابة وَقُوتِهِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْتَغْنِي بِإِحْدَاهُمَا، أَوْ كَانَتْ وَاسِعَةً تَفَضُلُ عَنْ مَسْكَنِ مِثْلِهِ بِيعَ،

١١٬١٩٧

وَكَذَا الْخَادِمُ إِذَا كَانَ نَفِيسًا

الإنصافالمرداوي

فَصْلٌ: الْحُكْمُ الثَّالِثُ، بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ، وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَهُ وَيُحْضِرَ الْغُرَمَاءَ، وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ في سُوقِهِ، الحُكْمُ الثَّالِثُ، بَيعُ الحاكِمِ ماله -بمَعْنى، إنْ كان مِن غيرِ جِنْسِ الدَّينِ- وقَسْمُ ثَمَنِه. يعْنِي، يجِبُ ذلك على الحاكِمِ، ويكونُ على الفَوْرِ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَه ويُحْضِرَ الغُرَماءَ. بمَعْنَى يُسْتَحَبُّ. ذكَرَه الأصحَابُ. ويَبِيعَ كلَّ شَيءٍ في سُوقِه. بشَرْطِ أنْ يَبِيعَه بثَمَنِ مِثْلِه المُسْتَقِرِّ في وَقْتِه أو أَكْثرَ. ذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ وغيرُه، واقْتَصَر عليه في «الفُروعِ».

وَيَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ. ويَتْرُكَ له مِن مالِه ما تَدْعُو إليه حاجَتُه مِن مَسْكَنٍ. بلا نِزاعٍ. لكِنْ إنْ كان واسِعًا يفْضُلُ عن سُكْنَى مِثْلِه، بِيعَ، واشْتُرِيَ له مَسْكَنُ مِثْلِه. ولابنِ حَمْدانَ احْتِمالٌ، أنَّ مَنِ ادَّانَ ما اشْتَرَى به مَسْكَنًا، أنَّه يُباعُ، ولا يُتْرَكُ.

٢٠٬٤٠٠

ولو كانَ المَسْكَنُ عَينَ مالِ بعضِ الغُرَماءِ، أخَذَه بالشُّروطِ المُتَقَدِّمَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قوله : وخادِمٍ. بلا نِزاعٍ. لكِنْ بشَرْطِ أنْ لا يكونَ نَفِيسًا،

٢٠٬٤٠١

وكذا المَسْكَنُ. نصَّ عليهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

٢٠٬٤٠٢

فائدة : يُتْرَكُ له أيضًا آلةُ حِرْفَةٍ،

٢٠٬٤٠٣

فإنْ لم يَكُنْ صاحِبَ حِرْفَةٍ، تُرِكَ له ما يَتْجُرُ به. نصَّ عليه. وجزَم به ناظِمُ «المُفْرَداتِ» وغيرُه، وهو منها.

٢٠٬٤٠٤

وقال في «المُوجَزِ»، و «التَّبْصِرَةِ»: ويترَكُ له أيضًا فَرسٌ يَحْتاجُ إلى رُكُوبِها.

٢٠٬٤٠٥

وقال في «الرَّوْضَةِ»: يُتْرَكُ له دَابَّةٌ يحْتاجُها. ونقَل عَبْدُ اللهِ، يُبَاعُ الكُلُّ إلَّا المَسْكَنَ، وما يُوازيه مِن ثِيابٍ، وخادِمٍ يحْتاجُه. وَيُنْفِقَ عَلَيهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْ قَسْمِهِ بَينَ غُرَمَائِهِ.

٢٠٬٤٠٦

تنبيه : مُرادُ المُصَنِّفِ وغيرِه بتَرْكِ المَسْكَنِ والخادِمِ وغيرِهما، إذا لم يَكُنْ عَينَ مالِ الغُرَماءِ.

٢٠٬٤٠٧

وأمَّا إنْ كان عَينَ مالِهم، فإنَّه لا يُتْرَكُ له منه شيءٌ،

٢٠٬٤٠٨

ولو كان مُحْتاجًا إليه. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وهو واضِحٌ. فكَلامُهم هنا مَخْصُوصٌ بما تقدَّم.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

فصل [الحكم الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الحكم الثالث: بيع الحاكم ماله وقسم ثمنه. وينبغي أن يحضره ويحضر الغرماء، ويبيع كل شيء في سوقه) .

٧٬١٨٧

أما كون الحاكم يبيع مال المفلس إذا حجر عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حجر على معاذ باع ماله في دينه وقسم ثمنه بين غرمائه .

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس وقال: «ألا إن أُسيْفَع جهينة قد رضي من دَينِه وأمانتهِ بأن يقال: سبقَ الحاج فادّان معرضاً فأصبحَ وقد رينِ به. فمنْ كانَ لهُ مالٌ فليحضرْ غداً فإنا بائعوا مالهُ، وقاسموهُ بينَ غرمائِه» .

ولأنه محجور عليه يحتاج إلى قضاء دينه فجاز بيع ماله فيه بغير رضاه؛ كالصغير والسفيه.

٧٬١٨٨

وأما كون الحاكم ينبغي له أن يحضر المفلس في وقت البيع فلمعان أربعة:

أحدها: أنه يحصي ثمن متاعه ويضبطه.

وثانيها: أنه أعرف بالجيد من متاعه ورديئه فإذا حضر تكلم عليه، وعرف الغبن من غيره.

وثالثها: أن تكثر فيه الرغبة.

٧٬١٨٩

فإن شراء الشيء من صاحبه أحب إلى المشترين.

ورابعها: أن ذلك أطيب لنفسه وأسكن لقلبه.

٧٬١٩٠

وأما كونه ينبغي له أن يُحضر الغرماء فلأمور أربعة أيضاً:

أحدها: أنه يباع لهم. وثانيها: ربما رغبوا في شراء شيء منه فزادوا في ثمنه فيكون أصلح لهم وللمفلس.

وثالثها: أنه أطيب لقلوبهم وأبعد في التهمة.

ورابعها: أنه ربما كان فيهم من يجد عين ماله فيأخذها.

وظاهر كلام المصنف: أن ذلك غير واجب وهو صحيح؛ لأن ذلك موكول إليه ومفوض إلى اجتهاده وربما أدى اجتهاده إلى خلاف ذلك بأن يرى المصلحة في المبادرة إلى البيع قبل الإحضار ونحو ذلك.

٧٬١٩١

وأما كونه يبيع كل شيء في سوقه. ومعناه: أنه يبيع البز في البزازين، والكتب في الكتبيين، وما أشبه ذلك؛ فلأنه أحوط وأكثر لطلابه ومعرفة ثمنه.

٧٬١٩٢

فإن قيل: لو بيع في غير سوقه بثمن مثله ما الحكم؟

قيل: يجوز؛ لأن الغرض تحصيل الثمن.

فعلى هذا يكون قول المصنف رحمه الله:"ويبيع كل شيء في سوقه" معطوفاً على ويحضر . ويقدر: وينبغي أن يبيع؛ ليكون كلامه مشعراً بالجواز المذكور. ثم يستأنف: ويُترك له من ماله لأن ذلك واجب.

قال: (ويُترك له من ماله ما تدعو إليه حاجته من مسكن وخادم، وينفق عليه بالمعروف إلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه) .

٧٬١٩٣

أما كون الحاكم يترك للمفلس من ماله ما تدعو حاجته إليه من مسكن وخادم؛ فلأن ذلك ما لا غنى له عنه فلم يبع في دينه كثيابه وقوته.

٧٬١٩٤

وأما كونه ينفق عليه بالمعروف إلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه؛ فلأن ملكه قبل القسمة باق على ذلك.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول».

٧٬١٩٥

ومن المعلوم أن فيمن يعوله من تجب نفقته عليه ويكون ديناً عليه كالزوجة.

٧٬١٩٦

فإذا قُدّم نفقةُ نفسه على نفقتها فكذا تُقدم على حق الغرماء. ولأن الحي آكد حرمة من الميت؛ لأنه مضمون بالإتلاف، وتجهيز الميت وتكفينه مقدم على دينه فنفقة الحي أولى.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.