وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن غَصَب أرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا، ووَضَع تُرابَها في أَرْضِ مالِكِها، لم يَمْلِكْ طَمَّها إذا أبْرَأَه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، في أحَدِ الوَجْهَين) [إذا غَصَب أرضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا] فطَالبَهَ المالِكُ بطَمِّها، لَزِمَه؛ لأنَّه يَضُرُّ بالأرْضِ، ولأنَّ التُّرابَ مِلْكُه نَقَلَه مِن مَوضْعِه، فلَزِمَه رَدُّه، كتُرابِ الأرْضِ.
وكذلك إن حَفَر فيها نَهْرًا، أو حَفَر بِئْرًا في مِلْكِ رجلٍ بغيرِ إذْنِه.
وإن أرادَ الغاصِبُ طَمَّها فمَنَعَه المالِكُ، نَظَرْنا؛
فإن كان له غَرَضٌ في طَمِّها، بأن يَسْقُطَ عنه ضَمانُ ما يَقَعُ فيها، أو يكونَ قد نَقَل تُرابَها إلى مِلْكِه أو مِلْكِ غيرِه، أو طَرِيقٍ يَحْتاجُ إلى تَفْرِيغِه، فله ذلك؛ لِما فيه مِن الغَرَضِ. وبه قال الشّافِعِيُّ.
وإن لم يَكُنْ له غَرَضٌ [في طَمِّ البِئْرِ]، مثلَ أن يكونَ قد وَضَع التُّرابَ في مِلْكِ المَغْصُوبِ منه ، وأَبْرَأَهُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، لم يَكُنْ له طَمُّها، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه إتْلافٌ لا نَفْعَ فيه، فلم يَكُنْ له فِعْلُه، كما لو غَصَب نُقْرَةً فطَبَعَهَا دَرَاهِمَ ثم أرادَ رَدَّها نُقْرَةً. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِيُّ، وبعضُ الشّافِعِيّةِ.
وقال بعضُهم: له طَمُّها. وهو الوَجْهُ الثاني لنا؛ لأنَّه لا يَبْرَأُ مِن الضَّمانِ بإبْراءِ المالِكِ، لكَوْنِه أبْرَأَ مِمّا لم يَجِبْ بعدُ، وهو أيضًا إبْراءٌ مِن حَقِّ غيرِه وهو الواقِعُ فيها. ولَنا، أنَّ الضَّمانَ إنَّما يَلْزَمُه لوُجُودِ التَّعدِّي،
فإذا رَضِيَ صاحِبُ الأرضِ زال التَّعدِّي، فزَال الضَّمانُ، وليس هذا إبْراءً مِمّا يَجبُ، إنَّما هو إسْقاطُ التَّعَدِّي برِضَاه به. وهكذا يَنْبَغِي أن يكونَ الحُكْمُ إذا لم يَتَلَفَّظْ بالإِبْراءِ، لكن مَنَعَه مِن طَمِّها؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ رِضَاه بذلك. ٢٣٠٧ -
(وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) قَبْلَ تَغْيِيرِهِ، هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهَا عَنْهُ مُحَمَّدُ عَبْدُ الْحَكَمِ فِيمَنْ جَعَلَ حَدِيدًا سُيُوفًا تُقَوَّمُ فَيُعْطِيهِ الثَّمَنَ عَلَى الْقِيمَةِ، حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الزَّرْعِ:«أَعْطُوهُ ثَمَنَ بَذْرِهِ» ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ مَرْجُوعٌ عَنْهُ،
وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ وَهَبَهُ الْغَاصِبُ عَمَلَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا نُقْرَةً،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ،
وَالثَّانِي: لَهُ طَمُّهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، مَعَ أَنَّهُ إِبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا، وَنُصِرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلُ بِأَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي،
فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ زَالَ التَّعَدِّي، فَيَزُولُ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ هَذَا إِبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَاهُ بِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا ذَكَرَهُ،
فَلَوْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي غَيْرِ أَرْضِ مَالِكِهَا، أَوْ لَمْ يُبَرِّئْهُ مِنَ الضَّمَانِ فَلَا، وَحُكْمُ مَا إِذَا مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا غَصَبَ بَقَرَةً، وَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحْلَهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالْوَلَدُ لِرَبِّ الْأُمِّ، وَلَا أُجْرَةَ لِفِعْلِهِ، وَلَا أَرْشَ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ فَحْلِ غَيْرِهِ إِنْ ضَرَّهُ ضِرَابُهُ، وَأُجْرَتُهُ إِنْ صَحَّ إِيجَارُهُ لِذَلِكَ،
وَإِذَا أَفْرَخَتْ طَيْرَةُ زَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو مِنْ طَيْرِهِ، فَفَرْخُهَا لِزَيْدٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَهُ عَمْرٌو إِنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا
وإنْ غصَبَ أَرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا، ووَضَعَ تُرابَها فِي أَرْضِ مالِكِها، مَالِكِهَا، لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَةُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ. لم يمْلِكْ طَمَّها، إذا أَبْرأَه المالِكُ من ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، في أَحَدِ الوَجْهَين. إذا حفَرَ بِئْرًا، أو شَقَّ نَهْرًا، ونحوَه، في أرْضٍ غصَبَها، فطالبَه المالِكُ بطَمِّها، لَزِمَه ذلك إنْ كان لغَرَضٍ. قاله الحارِثِيُّ.
وإنْ أرادَ الغاصِبُ طَمَّها ابْتِداءً، فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكونَ لغَرَضٍ صَحيحٍ، أوْ لا،
فإنْ كان لغَرَضٍ صَحيحٍ؛ كإسْقاطِ ضَمانِ ما يقَعُ فيها، أو يكونُ قد نقَلَ تُرابَها إلى مِلْكِه، أو مِلْكِ غيرِه، أو إلى طَريقٍ يحْتاجُ إلى تَفْرِيغِه، فله طَمُّها مِن غيرِ إذْنِ ربِّها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ». واخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الحَارِثِيِّ»، و «الخُلاصَةِ».
وقيل: لا يَمْلِكُ طَمَّها إلَّا بإذْنِه. وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، على ما يأْتِي مِن كلامِهما.
وإنْ لم يكُنْ له غرَضٌ صحيحٌ في ذلك، وهي مسْأَلَةُ المُصَنِّفِ؛ مِثْلَ أنْ يكونَ قد وضَع التُّرابَ في أرْضِ مالِكِها، أو في مَواتٍ، أو أبْرَأه مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بها، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: أو منَعَه منه، فهل يَمْلِكُ طَمَّها؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الحارِثِيِّ»؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُ طَمَّها. وهو الصَّحيحُ. نصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ. والوَجْهُ الثَّاني، يَمْلِكُه.
اخْتارَه القاضي. قال في «المُسْتَوْعِبِ»،
و «التَّلْخيصِ»: وإنْ غَصَبَ دارًا، فحفَرَ فيها بِئْرًا، ثم اسْتَرَدَّها مالِكُها، فأرادَ الغاصِبُ طَمَّ البِئْرِ، لم يكُنْ له ذلك.
وقال القاضي: له ذلك مِن غيرِ رِضَا المالِكِ.
وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»: ليس له ذلك إذا أَبْرَأَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالِكُ مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ فيها. انتهيا. وأطْلَقهنَّ في «المُذْهَبِ».
قال في «التَّلْخيصِ»: وأصْلُ اخْتِلافِ القاضي، وأبِي الخَطَّابِ، هلِ الرِّضَا الطارِئُ كالمُقارِنِ للحَفْرِ، أمْ لا؟
والصَّحيحُ، أنَّه كالمُقارِنِ. انتهى. وقال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»،
و «الفائقِ»: وإنْ حفرَ فيها بِئْرًا أو نحوَها، فله طَمُّها مُطْلَقًا.
وإنْ سَخِطَ رَبُّها، فأَوجُهٌ؛ النَّفْيُ، والإِثْباتُ.
والثَّالثُ، إنْ أَبْرَأَه مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بما، وصحَّ في وَجْهٍ، فلا. زادَ في «الرِّعايةِ الكُبْرى» وَجْهًا رابِعًا، وهو إنْ كان غرَضُه فيه صَحِيحًا؛ كدَفْعِ ضَرَرٍ، وخَطَرٍ، ونحوهما، وإلَّا فلا. وخامِسًا، وهو إنْ ترَك تُرابَها في أرْضِ غيرِ رَبِّها، فلا.
وقيل: بلَى، مع غَرَضٍ صحيحٍ. انتهى. وتقدَّم ذلك،
والصَّحيحُ منه.
تنبيهان؛ أحدُهما، في القَوْلِ المَحْكِيِّ عنِ القاضي. قال الحارِثِيُّ: إنْ كانَ مأْخُوذًا مِن غيرِ كتابِ «المُجَرَّدِ»، فنَعم،
وإنْ كان مِنَ «المُجَرَّدِ»، فكَلامُه فيه مُوافِقٌ لأبِي الخَطَّابِ؛ فإنَّه قال، وذكَر كلامَه.
قلتُ: النَّاقِلُ عنِ القاضِي تِلْمِيذُه أبو الخَطَّابِ في «الهِدايةِ»، وهو أعلمُ بكَلامِه مِن غيرِه، وللقاضِي في مَسائِلَ كثيرَةٍ القوْلان والثَّلاثَةُ، وكُتُبُه كثيرةٌ. الثَّاني، ظاهرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ، وجماعَةٍ، أنَّه إذا أَبْرَأَه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يتْلَفُ بها، أنَّه يصِحُّ، ويَبْرَأُ. وهو أحدُ الوَجْهَين. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي في «المُجَرَّدِ».
وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيضًا فَصَارَ فِرَاخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غرْسًا، رَدَّهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.
قاله الحارِثِيُّ لمَّا ذكَر كلامَه المُتَقدِّمَ. والوَجْهُ الثَّانِي، أنَّه لا يَبْرأُ. وتقدَّم قرِيبًا كلامُه في «الرِّعايتَين» في ذلك. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ». قال الحارِثِيُّ: وحاصِلُ المَسْأَلةِ الأُولَى، الخِلافُ في صِحَّةِ الإِبْراءِ، وفيه وَجْهان.
قال: (وإن غصب أرضاً فحفر فيها بئراً، ووضع ترابها في أرض مالكها: لم يملك طمها إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها في أحد الوجهين) .
أما كون الغاصب لا يملك طم البئر المتقدم ذكرها إذا أبرأه المالك من الضمان في وجهٍ؛ فلأنه إتلاف لا نفع فيه فلم يكن له فعله؛ كما لو غصب نقرةً فضربها دراهم ثم أراد ردها نقرة.
وأما كونه يملك طمها في وجهٍ؛ فلأنه لا يبرأ من الضمان بإبراء المالك له؛ لأنه إبراء مما لم يجب بعد.
ولأنه إبراء من حق غيره، وهو الواقع فيها.
وكلام المصنف في المغني يشعر بترجيح الأول؛ لأنه قال بعد ذكر المسألة: ولنا: أن الضمان إنما لزمه لوجود التعدي،
فإذا رضي صاحب الأرض زال التعدي فزال الضمان، وليس هذا إبراء مما لم يجب إنما هو إسقاط للتعدي لرضاه بذلك.
وفي تقييد المصنف الخلاف المذكور بوضع التراب في أرض المالك، وبإبرائه: إشعارٌ بأن الغاصب إذا وضع التراب في أرض غير المالك، أو لم يبرئه صاحب الأرض لا يجري الخلاف المذكور.
وهو صحيح: أما مع كون التراب في أرض غير المالك؛ فلأن التراب متى كان في أرض غير المالك كان له في طم البئر غرض منه، أمنه من إلزامه نقل التراب إلى موضع يستضر بنقله إليه.
وأما مع عدم إبراء المالك من الضمان؛ فلما فيه من الضرر اللاحق به، المنفي شرعاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.