فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

فصل: فإن ضُرِبَتْ للمُتَحَجِّرِ مُدَّةٌ، فانْقَضَتِ المُدَّةُ ولم يُعَمِّرْ، فلغَيرِه أن يُعَمِّرَه ويَمْلِكَه؛ لأنَّ المُدَّةَ ضُرِبَتْ له ليَنْقَطِعَ حَقُّه بمُضِيِّها، وسَواءٌ أَذِنَ له السُّلْطانُ في عِمارَتِها أو لم يَأْذَنْ.

١٩٬٧٣٢

وإن لم يَكُنْ للمُتَحَجِّرِ عُذْرٌ في تَرْكِ العِمارَةِ،

١٩٬٧٣٣

قِيلَ له: إمّا أن تُعَمِّرَ،

١٩٬٧٣٤

وإمّا أن تَرْفَعَ يَدَك. فإن لم يُعَمِّرْها، كان لغيرِه عِمارَتُها.

١٩٬٧٣٥

فإن لم يُقَلْ له شيءٌ، واسْتَمَرَّ تَعْطِيلُها، فقد ذَكَرْنا حديثَ عُمَرَ في المسألَةِ قبلَها. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ والمسألةِ قبلَها على نحو ما ذَكَرْنا.

فصل: (وللإِمامِ إقْطاعُ المَواتِ لمَن يُحْيِيه، ولا يُمْلَكُ بالإِقْطاعِ، بل يَصِيرُ كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ) على ما ذَكَرْنا. ولا يَنْبَغِي أن يُقْطَعَ إلَّا ما قَدَر على إحْيائِه؛ لأنَّ إقْطاعَه أكْثَرَ منه إدْخالُ ضَرَرٍ على المسلمين بلا

١٩٬٧٣٦

فائدَةٍ فيه. فإن فَعَل ثمَّ تَبَيَّنَ عَجْزَه عن إحْيائِه، اسْتَرْجَعَه منه، كما اسْتَرْجَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنه - مِن بِلَالِ بنِ الحارِثِ ما عَجَز عن عِمارَتِه مِن العَقِيقِ الذي أقْطَعَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فرُوىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ أَجْمَعَ، [فلَمّا كان] عُمَرُ، قال لبِلالٍ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يُقْطِعْك لتَحِيزَه عن النّاسِ، إنَّما أقْطَعَك لتُعَمِّرَ، فخُذْ منها ما قَدَرْتَ على عِمارَتِه، ورُدَّ الباقِيَ.

رَواه أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ». وذكر سعيدٌ في «سُنَنِه»[قال: حَدَّثَنا] عبدُ العزيزِ بنُ مُحمدٍ، عن رَبِيعةَ، قال: سَمِعْتُ الحارِثَ بنَ بلالِ بنِ الحارِثِ يقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ، فلَمّا وَلِيَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قال: ما أُقْطِعْتَه لتَحْجُبَه، فأقْطِعْهُ النّاسَ. وروَى عَلْقَمَةُ بنُ وائلٍ، عن أبِيه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَه أرْضًا بحَضْرَ مَوْتَ . قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

قال سعيدٌ: حَدَّثَنا سُفيانُ، عن ابنِ أبي نُجَيحٍ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ ناسًا مِن جُهَينَةَ أو مُزَينَةَ أرْضًا، فعَطَّلُوها، فجاء قَوْمٌ فأحْيَوْها، فخاصَمَهم الذين أقْطَعَهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال عُمَرُ: لو كانت قَطِيعَةً منِّي أو مِن أبي بكرٍ، لم أرُدَّها، ولكِنَّها قَطِيعَةٌ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأنا أرُدُّها .

فصل: وقد روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَه أرْضًا، فأرْسَلَ مُعاويَةَ، أن أعْطِه إيّاهُ، أو أَعْلِمْه إيَّاهُ. حديثٌ صحيحٌ . وأقْطَعَ الزُّبَيرَ حُضْرَ فَرَسِه ، فأجْرَى فَرَسَه حتى قام ورَمَى بسَوْطِه، فقال: «أعْطُوهُ مِنْ حَيثُ وَقَعَ السَّوْطُ». رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ . وذَكَر البُخارِيُّ ، عن أنَسٍ قال: دَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الأنْصارَ ليُقْطِعَ لهم بالبَحْرَين، فقالُوا: يا رسولَ اللهِ، إن فَعَلْتَ فاكْتُبْ لإِخْوانِنا [مِن قُرَيشٍ] بمِثْلِها.

ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ أقْطَعَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ أرْضًا، وأقْطَعَ عُثمانُ خَمْسَةً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ الزُّبَيرَ، وسَعْدًا، وابنَ مسعودٍ، وأُسامَةَ بنَ زيدٍ، وخَبَّابَ بنَ الأرَتِّ. ورُوِيَ عن نافعٍ أبي عبدِ اللهِ، أنَّه قال لعُمَرَ: إنَّ قِبَلَنا أرْضًا بالبَصْرَةِ، ليست مِن أرْضِ الخَراجِ، ولا تَضُرُّ بأحَدٍ مِن المسلمين،

١٩٬٧٣٧

فإن رَأيتَ أن تُقْطِعَنِيها أَتَّخِذُ فيها قَصِيلًا لخَيْلِي. قال: فكَتَبَ عُمَرُ إلى أبي موسى: إن كانت كما يَقُولُ، فأقْطِعْها إيّاه. رَوَى هذه الآثارَ كلَّها أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ». إذا ثَبَت هذا،

١٩٬٧٣٨

فإنَّ مَن أقْطَعَهُ الإِمامُ شيئًا مِن المَواتِ، لم يَمْلِكْه بذلك، لكنْ يَصِيرُ أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، على ما ذَكَرْنا مِن حديثِ بِلالِ بنِ الحارِثِ، حيث اسْتَرْجَعَ منه عُمَرُ ما عَجَز عن إحْيائِه .

١٩٬٧٣٩

ولو مَلَكَه، لم يَجُزِ اسْتِرْجاعُه. ورَدَّ عُمَرُ أيضًا قَطِيعَةَ أبي بكرٍ لعُيَينَةَ بنِ حِصْنٍ، فسَألَ عُيَينَةُ بنُ حِصْنٍ أبَا بكرٍ أن يُجَدِّدَ له كِتابًا، فقال: واللهِ لا أُجَدِّدُ شيئًا رَدَّه عُمَرُ. رَواه أبو عُبَيدٍ . فعلى هذا، يكونُ المُقْطَعُ أحَقَّ بها مِن سائِرِ النّاسِ، وأوْلَى بإحْيائِه، وحُكْمُه حُكْمَ المُتَحَجِّرِ الشّارِعِ سَواءً. وقد مَرَّ ذِكْرُه. ومَذْهَبُ الشافعيِّ على نحو ما ذَكَرْنا.

٢٤٧٩ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ» ، «وَأَقْطَعَ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَرْضًا» ، «وَأَقْطَعَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ» ، وَجَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطِعَ مِقْدَارَ مَا عَيَّنَهُ،

١٣٬٣٩٠

فَإِنْ فَعَلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إِحْيَائِهِ اسْتَرْجَعَهُ كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالٍ مَا عَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهِ بِالْعَقِيقِ الَّذِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

الإنصافالمرداوي

قلتُ: فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ، بَلْ يَصِيرُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ.

[وقريبٌ منه ما قاله المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ وغيرُه، فيما إذا آثَرَ شَخْصًا بمَكانِه، فليس لأحَدٍ أنْ يَسْبِقَه إليه؛ لأنَّه قامَ مَقامَ الجالِسِ في اسْتِحْقاقِ مَكانِه، أشْبَهَ مَا لو تحَجَّرَ مَواتًا، ثمَّ آثَرَ به غيرَه.

٢٤٬٧٩٣

وقال ابنُ عَقِيلٍ: يجوزُ؛ لأنَّ القائِمَ أسْقَطَ حقَّه بالقِيامِ، فبَقِيَ على الأصْلِ، فكان السَّابِقُ إليه أحقَّ به، كمَن وسَّعَ لرَجُلٍ في طريقٍ، فمَرَّ غيرُه،

٢٤٬٧٩٤

والصَّحيحُ الأَوَّلُ. ويُفارِقُ التَّوْسِعَةَ في الطَّريقِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ للمُرورِ فيها، كمَنِ انْتقَلَ مِن مَكانٍ فيها لم يَبْقَ له حقٌّ حتى يُؤْثِرَ به، والمَسْجِدُ جُعِلَ للإِقامَةِ فيه، ولذلك لا يَسْقُطُ حقُّ المُنْتَقِلِ منه إذا انْتقَلَ لحاجَةٍ، وهذا إنَّما انْتقَلَ مُؤْثِرًا لغيرِه، فأَشْبَهَ النَّائِبَ الذي بعَثَه إنْسانٌ ليَجْلِسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له. انتهى.

٢٤٬٧٩٥

قلتُ]: الذي يتَعَيَّنُ، ما قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إلَّا إذا كان المَنْزولُ له أهْلًا، ويُوجَدُ [غيرُه أهلًا]،

٢٤٬٧٩٦

فإنَّ المَنْزولَ له أحَقُّ، مع أنَّ هذا لا يَأْباه كلامُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وللإِمامِ إقْطاعُ مَواتٍ لمَن يُحْيِيه، ولا يَمْلِكُه بالإِقْطاعِ، بل يكونُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كالمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ في الإِحْياءِ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.

٢٤٬٧٩٧

قال الحارِثِيُّ: وقال مالِكٌ: يَثْبُتُ المِلْكُ بنَفْسِ الإِقْطاعِ؛ يَبِيعُ، ويَهَبُ، ويتَصَرَّفُ، ويُورَثُ عنه. قال: وهو الصَّحيحُ؛ إعْمالًا لحقيقَةِ الإِقْطاعِ؛ وهو التَّمْلِيكُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فائدتان؛ إحْداهما، للإِمامِ إقْطاعُ غيرِ المَواتِ تَمْلِيكًا وانْتِفاعًا، للمَصْلَحَةِ دُونَ غيرِها. الثَّانيةُ، قسَّم الأصحابُ الإِقْطاعَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ إقْطاعُ تَمْلِيكٍ، وإقْطاعُ اسْتِغْلالٍ، وإقْطاعُ إرْفاقٍ. وقسَّم القاضي إقْطاعَ التَّمْليكِ إلى، مَواتٍ، وعامرٍ، ومَعادِنَ؛ وجعَل إقْطاعَ الاسْتِغلالِ على ضَرْبَين؛ عُشْرٍ، وخَراجٍ، وإقْطاعَ الإرْفاقِ، ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ. وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ. وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

فصل [في الإقطاع] قال المصنف رحمه الله: (وللإمام إقطاع مَوَات لمن يحييه. ولا يملكه بالإقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء) .

٨٬٨٩٣

أما كون الإمام له إقطاع مَوَات لمن يحييه؛ فلما روى وائل بن حجر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً فأرسل إلى معاوية أن أعطه إياه أو أعلمها إياه». حديث صحيح.

و«أقطع بلالَ بن الحارث المزني»، و «أبيضَ بنَ حمّال المازني»، و «الزبيرَ حُضْرَ فَرَسِه» رواه أبو داود.

وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

٨٬٨٩٤

وأما كون من أقطع له ذلك لا يملكه بالإقطاع؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعَ بلال بن الحارثِ العقيق. فاسترجعَ منه عمرُ ما عجزَ عن إحيائِه».

٨٬٨٩٥

ولو ملكه لم يجز استرجاعه.

٨٬٨٩٦

وأما كونه يصير كالمتحجّر الشارعِ في الإحياء؛ فلأنه ترجح بالإقطاع على غيره. فوجب أن يصير كمن ذكر؛ لاشتراكهما في الترجح على الغير.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.