وَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا
الشروح عليها
فصل: (وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ، لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالةٍ وَلَا غَيرِهَا)
ويَلْزَمُ بمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ البَيعَ والهِبَةَ والمِيراثَ، فلَزِمَ بمُجَرَّدهِ، كالعِتْقِ.
وعنه: لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ وإخْراجِ الوَقْفِ عن يَدِه. اخْتاره ابنُ أبي موسى. كالهِبَةِ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ، وقد ذَكَرْناه. وذَهَب أبو حنيفةَ إلى أنَّ الوَقْفَ لا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِه، وللواقِفِ الرُّجُوعُ فيه ألا أن يُوصِيَ به بعدَ مَوْتِه، فيَلْزَمُ، أو يَحْكُمَ بلُزُومِه حاكِمٍ. وحكاه بعضُهم عن عليٍّ، وابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ. وخالفَ أبا حنيفةَ صاحِبَاه، فقالا كقَوْلِ سائرِ أهْلِ العِلْمِ. واحْتَجَّ بعضُهم: بما رُوِيَ أنَّ عبَدَ اللهِ بنَ زيدٍ، صاحِبَ الأذَانِ، جَعَل حائِطَه صَدَقةً، وجَعَلَه إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجاء أُبواه إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالا: يا رسولَ اللهِ، لم يَكُنْ لنا عَيشٌ إلَّا هذا الحائِطَ.
فرَدَّه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم ماتا فورِثهما. رَواه المَحَامِلِيُّ في «أمالِيه». ولأنَّه إخْراجُ مالِه على وَجْهِ القُرْبةِ مِن مِلْكِه، فلا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِ القَوْل، كالصَّدَقَةِ. قُلْنا: هذا القَوْلُ يُخالِفُ السُّنّةَ الثابتَةَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإجماعَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم،
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعُمَرَ في وَقْفِه:«لَا يُبَاعُ أصْلُها، وَلا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ». قال التِّرْمِذِيُّ العَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عندَ أهْلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم، لا نَعْلَمُ بينَ المُتَقَدِّمِين منهم في ذلك اخْتِلافًا. قال الحُمَيدِيُّ: تَصَدَّقَ أبو بكرٍ بدارِه على وَلَدِه، وعُمَرُ برَبْعِه عندَ المَرْوةِ على وَلَدِه، وعُثمانُ برُومَةَ ، وتَصَدَّقَ عليٌّ بأرْضِه بيَنْبُعَ، وتَصَدَّقَ الزُّبَيرُ بدارِه بمَكَّةَ ودارِه بمِصْرَ وأمْوالِه بالمَدِينةِ على وَلَدِه، وتَصَدَّقَ سَعْدٌ بدارِه بالمَدِينةِ ودارِه بمِصْرَ على وَلَدِه، وعَمْرُو بنُ العاصِ بالوَهْطِ ودارِه بمَكَّةَ على وَلَدِه، وحَكِيمُ بنُ حِزام بدارِه بمَكَّةَ والمَدِينةِ على وَلَدِه، فذلك كله إلى اليَوْمِ .
وقال جابر: لم يكُنْ أحدٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - له مَقْدِرَة إلَّا وَقَف. وهذا إجْماعٌ منهم،
فإنَّ الَّذي قَدَر على الوَقْفِ منهم وَقَف، واشْتَهَرَ ذلك، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بالوَصِيَّةِ،
فإذا نَجَزَه في حالِ الحَياةِ لَزِم مِن غيرِ حُكْمٍ، كالعِتْقِ. وحَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ إن ثَبَت فليس فيه ذِكْرُ الوَقْفِ، والظاهِرُ أنَّه جَعَلَه صَدَقةً غيرَ مَوْقُوفٍ، اسْتَنابَ فيها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فرأى والِدَيه أحَقَّ النَّاسِ بصَرْفِها إليهما، ولهذا لم يَرُدَّها إليه، إنَّما دَفَعَها إليهما. ويَحْتَمِلُ أنَّ الحائِطَ كان لهما، وكان هو يَتَصَرَّفُ فيه بحُكْمِ النِّيابةِ عنهما، فتَصَرَّفَ بهذا التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنِهما، فلم يُنَفِّذاه، وأتَيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فرَدَّه إليهما.
والقِياسُ على الصَّدَقَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها تَلْزَمُ في الحَياةِ بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، وإنَّما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، والوَقْفُ لا يَفْتَقِرُ إليه، فافْتَرقا.
٢٥٩٩ - مسألة: ،
(وَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْعُقُودِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّأْبِيدِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [الوقف عقد لازم] قال المصنف رحمه الله: (والوقف عقدٌ لازم. لا يجوز فسخه بإقالةٍ ولا غيرها. ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه فيباع ويصرف ثمنه في مثله) .
أما كون الوقف عقداً لازماً؛ فلأن جوازه ينافي مقتضاه؛ لأن مقتضاه التأبيد، وذلك لا يقبل الزوال.
وأما كونه لا يجوز فسخه بإقالةٍ ولا غيرها؛ فلأن ذلك شأن العقود اللازمة المقتضية للتأبيد.
وأما كونه لا يجوز بيعه إذا لم تتعطل منافعه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر:«إن شئتَ حَبَّستَ أصلَها وسبّلتَ ثمرتها. غيرَ أنه لا يباعُ أصلُها ولا يوهبُ ولا يورث».
وأما كونه يباع إذا تعطلت منافعه؛ كدارٍ انهدمت، أو أرض خربت وعادت مَوَاتاً ولم يمكن عمارتها؛ فلما روي عن عمر «أنه كتبَ إلى سعد لما بلغه أنه قد نقبَ بيت المال بالكوفة: أن انقل المسجد الذي بالتمَّارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد. فإنه لن يزال في المسجد مصل». وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يُظهر أحدٌ خلافه. فكان إجماعاً.
ولأن في بيعه استبقاءَ الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه بصورته؛ كما لو استولد الموقوف عليه الجارية الموقوفة أو قتلها.
ولأن الجمود على العين مع تعطيلها تضييع للغرض.
ولأن الهدي لو عطب ذُبح في الحال،
وإن كان يختص بموضع دون موضع؛ لأنه لما لم يكن استبقاء المنفعة بالكلية استوفي منها ما أمكن. فكذا هاهنا.
وأما كونه يُصرف ثمنه في مثله؛ فلأنه أقرب إلى غرض الواقف. وظاهر قول المصنف رحمه الله: في مثله يقتضي أن ذلك متعين.
وقال في المغني: ظاهر كلام الخرقي لو صرف في غير جنسه جاز؛ لأن المقصود المنفعة لا الجنس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.