لَا يَرِثُ الْعَبْدُ
الشروح عليها
بابُ ميراثِ المُعْتَقِ بعضُه (لا يَرِثُ العبدُ ولا يُورَثُ، سواءٌ كان قِنًّا، أو مُدَبَّرًا، أو مُكاتَبا، أو أُمَّ ولدٍ) قال شيخُنا : لا أعلمُ خِلافًا في أنَّ العبْدَ لا يَرِثُ، إلَّا ما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ في رجُلٍ مات وترك أبًا مملوكًا، يُشْتَرَى مِن مالِه ويُعْتَقُ ثم يَرِثُ. وقاله الحسنُ. وحُكِيَ عن طاوسٍ أنَّ العبدَ يَرِثُ، ويكونُ ما وَرِثَه لسيِّدِهِ، كَكَسْبه، وكما لو وَصَّى له، ولأنَّه تصِحُّ الوصيةُ له فيَرِثُ، كالحَمْلِ.
ولَنا، أنَّ فيه نقصًا مَنَع كونَه مَوْروثًا، فمنَعَ كونَه وارثًا، كالمُرْتدِّ، ويفارِقُ الوصيَّةَ فإنَّها تصِحُّ لمَوْلاه ولا ميراثَ له، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بِمُخْتَلِفَي الدِّينِ. وقولُ ابنِ مسعودٍ لا يصِحُّ؛ لأنَّ الأبَ رقيقٌ حينَ موتِ ابنِه، فلم يَرِثْه، كسائِرِ الأقاربِ؛ وذلك لأنَّ الميراثَ صار لأهْلِه بالموتِ، فلم يَنْتَقِلْ عنهم إلى غيرِهم.
وأجْمَعوا على أن المملوكَ لا يُورَثُ؛ لأنَّه لا مال له، فإنه لا يملِكُ،
ومن قال: إنَّه يملِكُ بالتمليكِ. فمِلْكُه ناقِصٌ غيرُ مستقِرٍّ، يَزولُ إلى سيِّدِه بزوالِ مِلْكِه عن رقَبَتِه، بدليلِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ:«مَنْ باعَ عبدًا وله مالٌ، فمالُه للبائِعِ إلَّا أن يَشْتَرِطَه المُبْتاعُ». ولأنَّ السيدَ أحَقُّ بمنافِعِه وأكسابِه في حياتِه، فكذلك بعدَ مماتِه. وممَّنْ رُوِيَ عنه أنَّ العبدَ لا يَرِثُ ولا يُورَثُ ولا يَحْجُبُ؛ عليٌّ، وزيدٌ، والثَّوْرِيّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
والأسيرُ الذي عندَ الكفارِ يَرِثُ إذا عُلِمَتْ حياتُه في قولِ عامةِ الفقهاء، إلَّا سعيدَ بنَ المسيَّبِ، فإنَّه قال: لا يَرِثُ؛ لأنَّه عبدٌ.
ولا يصِحُّ؛ لَأنَّ الكفارَ لا يمْلِكُون الأحْرارَ بالقَهْرِ، وهو باقٍ على حرِّيته، فيَرثُ، كالمُطْلَقِ. فصل: والمُدَبَّرُ وأُمُّ الولدِ كالقِنِّ؛ لأنَّه رَقيقٌ، بدليلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - باعَ مُدَبَّرًا . وأمُّ الولدِ مملوكةٌ، يجوزُ لسيِّدِها وطؤها بحُكْمِ المِلْكِ، وإجارَتُها، وحُكْمُها حُكْمُ الأمَةِ في جَمِيعِ أحْكامِها، إلَّا فيما ينْقُلُ المِلْكَ فيها أو يرادُ له، كالرَّهْنِ.
فأمَّا المُكاتَبُ، فإن لم يَمْلِكْ قَدْرَ ما عليه فهو عبدٌ لا يَرِثُ ولا يُورَثُ،
وإن مَلَك قَدْرَ ما يُؤدِّي ففِيه روايتان؛ إحْداهما، أنَّه عبدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ لا يَرِثُ ولا يُورَثُ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وأُمِّ سلمةَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والشافعيِّ، وأبي ثورٍ. وعن ابنِ المسيَّبِ، وشُرَيحٍ، والزُّهْرِيِّ نحوُه؛ لما روَى أبو داودَ بإسناده عن عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«المُكَاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ».
وفي لفظٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيُّما عَبْدٍ كاتَبَ على مِائَةِ أُوقِيَّةٍ، فأدَّاهَا [إلَّا عَشْرَ أواقٍ، فهو عَبْدٌ، وأيُّما عَبْدٍ كَاتَبَ على مِائَةِ دِينارٍ فأدَّاها]، إلَّا عشَرَةَ دَنانِيرَ، فهو عَبْدٌ». وعن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، و [عُمَرَ بنِ عبدِ اللهِ مَوْلَى عُفْرَةَ]، وعبدِ اللهِ بنِ عُبَيدَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعَتَّابِ بنِ أُسِيدٍ:«مَنْ كاتَبَ مُكاتَبًا فهو أحَقُّ به حتى يَقْضِيَ كِتَابَتَه».
وقال القاضي، وأبو لخطابِ: إذا أدَّى المكاتَبُ ثلاثةَ أرباعِ كتابَتِه وعجز عن الرُّبْعِ، عَتَقَ؛ لأنَّ ذلك يَجِبُ إيتاؤه للمكاتَبِ، فلا يجوزُ إبْقاؤه على الرقِّ لعَجْزِه عمَّا يَجِبُ ردُّه إليه. والروايةُ الثانيةُ، أنه إذا مَلَك ما يؤدي صار حرًّا يَرِث ويُورَث،
فإذا مات له مَن يَرِثه وَرِثَ،
وإن مات فلسيِّدِه بقِيَّة كتابَتِه، والباقي لوَرَثَتِه؛ لما روَى أبو داودَ بإسنادِه، عن أُمِّ سلمةَ قالت: قال لنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان لإِحْداكُنَّ مُكَاتَبٌ، وكانَ عِنْدَه ما يؤدِّي، فلتَحْتَجِبْ منه». وروَى الحَكَمُ، عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وشُريحٍ: يُعْطَى سيدُه مِن تركَتِه ما بَقِيَ مِن كتابَتِه،
فإن فَضَل شيءٌ كان لورَثَةِ المكاتَبِ. ورُوِيَ نحوُه عن الزُهريِّ. وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحسنُ، ومنصورٌ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، إلَّا أنَّ مالكًا جَعَل مَن كان معه في كتابَتِه أحقَّ ممَّن لم يكنْ معه، فإنَّه
قال في مكاتَبٍ هَلَك وله أخ معه في الكتابَةِ، وله ابنٌ، قال: ما فَضَل مِن كتابَتِه لأخيه دون ابنِه. وجعلَه أبو حنيفةَ عبدًا ما دام حيًّا،
وإن مات أُدِّيَ مِن تَرِكَتِه باقي كتابَتِه، والباقي لوَرَثَتِه. ورُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال على المِنْبَرِ: إنَّكُم مكاتِبون مكاتَبِين، فأيُّهم أدّى النِّصفَ فلا رِقَّ عليه. وعن عليٍّ: إذا أدَّى النِّصفَ فهو حُرٌّ. وعن عروةَ نحوُه. وعن الحسنِ: إذا أدَّى الشَّطْرَ فهو غَريمٌ. وعن ابنِ مسعودٍ وشُريحٍ مثلُه. وعن ابنِ مسعودٍ: إذا أدَّى ثُلُثًا أو رُبْعًا فهو غَريمٌ. وعن ابنِ عباس: إذا كَتَب الصحيفَةَ فهو غَريمٌ. وعن عليٍّ قال: تَجْرِي العَتاقَة في المكاتَبِ في أولِ نَجْمٍ.
يَعْنِي يَعْتِقُ منه بقَدْرِ ما أدَّى.
وعنه أنَّه قال: يَرِثُ، ويَحْجُبُ، ويَعْتِقُ منه بقَدْرِ ما أدَّى. وروَى حمَّادُ بنُ سلمةَ عن أيوبَ عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إذا أصَابَ المُكَاتَبُ حدًّا أو مِيراثًا وَرِثَ بحسابِ ما عتَقَ منه، وأُقِيمَ عليه الحدُّ بحسابِ ما عَتَقَ منه».
وفي روايةٍ: «يُودَى المكاتَبُ بقَدْرِ ما عَتَقَ منه دِيَةَ الحُرِّ، وقَدْرِ ما رَقَّ منه دِيَةَ العبدِ». قال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: وكان عليٌّ، رَضِيَ الله عنه، ومروانُ بنُ الحكمِ يقولان ذلك. وقد رُوِيَ حديثُ ابنِ عباسٍ عن عكرمةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلًا. والحديثُ الذي رَوَيناه لقولِنَا أصَحُّ، ولا نعلمُ أحدًا مِن الفقهاءِ قال بهذا، وما ذكرناه أولى، إن شاء اللهُ.
٢٨٨٢ -
بَابُ مِيرَاثِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ] بَابٌ مِيرَاثُ الْمُعَتَقِ بَعْضُهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَانِعَ مِنَ الْإِرْثِ، وَهُوَ الرِّقُّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَالْقَتْلِ الْمَضْمُونِ،
وَمَنْ يَرِثُ بَعْضُهُ (لَا يَرِثُ الْعَبْدُ) نَصَّ عَلَيْهِ،
قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي رَجُلٍ مَاتَ، وَتَرَكَ أَبًا مَمْلُوكًا يُشْتَرَى مِنْ مَالِهِ وَيُعْتَقُ، ثُمَّ يَرِثُ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يَرِثُ عِنْدَ عَدَمِ وَارِثٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَبُو الْبَقَاءِ فِي النَّاهِضِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مَوْرُوثًا، فَمَنَعَ كَوْنَهُ وَارِثًا كَالْمُرْتَدِّ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ، وَتَكُونُ لِمَوْلَاهُ، وَقِيَاسُهُمْ بِالْحَمْلِ يَنْتَقِضُ بِمُخْتَلِفِي الدِّينِ
بَابُ مِيرَاثِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ لَا يَرِثُ الْعَبْدُ وَلَا يُورَثُ، سَوَاءٌ كَانَ قِنًّا، أوْ مُدَبَّرًا، أوْ مُكَاتَبًا، أوْ أُمَّ وَلَدٍ.
بابُ مِيراثِ المُعْتَقِ بعْضُه لا يَرِثُ العَبْدُ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يرِثُ عندَ عدَمِ وارِثٍ. ذكَرَها ابنُ الجَوْزِيِّ في «المُذْهَبِ»، وأبو البَقاءِ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«النَّاهِضِ». قاله في «الفُروعِ»، ولم أرَها في «المُذْهَبِ». وتقدَّم قولٌ في أوَّلِ كتابِ الفرائضِ: إنَّ العَبْدَ يرِثُ سيِّدَه عندَ عدَمِ الوارِثِ.
وقيل في المُكاتَبِ خاصَّةً، يمُوتُ له عَتيقٌ، ثم يُؤدِّي فيَعْتِقُ: يأخُذُ إرْثَه بالوَلاءِ. ذكَرَه في «المُحَرَّرِ»، يعنِي، إن جعَلنا الوَلاءَ له، على ما يأتِي.
فَأمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَمَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ فَلِوَرَثَتِهِ، وَيَرِثُ وَيَحْجُبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ.
باب ميراث المعتق بعضه] قال المصنف رحمه الله تعالى: (لا يرثُ العبدُ ولا يورَث. سواء كان قِناًّ أو مدبراً أو مكاتباً أو أم ولد) .
أما كون العبد القِنّ لا يرِث؛ فلأن فيه نقصاً منع كونه موروثاً؛ لما يأتي. فمنع كونه وارثاً؛ كالمرتد.
وأما كونه لا يورَث؛ فلأنه لا مال له، أو ملكه ناقص غير مستقر يزول إلى سيده بزوال ملكه فيه بدليل قوله عليه السلام:«منْ باعَ عبداً وله مالٌ فمالهُ للبائعِ إلا أن يَشترطهُ المبتَاع».
ولأن السيد أحق بأكسابه في حياته. فكذلك بعد مماته.
وأما كون المدبر لا يرِث ولا يورَث؛ فلأن فيه جميع أحكام العبودية.
وأما كون أم ولد لا ترِث ولا تورَث؛ فلأنها رقيقة جاز فيها جميع أحكام الرق إلا ما ينقل الملك أو يراد له؛ كالرهن. وليس شيء منهما من ذلك.
وأما كون المكاتب لا يرِث ولا يورَث؛ فلأنه عبد ما بقي عليه درهم هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.