وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ
الشروح عليها
فصل: ولا يَجِبُ القِصاصُ على الحُرَّةِ بقَتْلِها، لعَدَمِ المكافأةِ.
فإن كان القاتِلُ لها رَقِيقًا، وجَبَ القِصاصُ عليه ، لأنَّها أكْمَلُ منه.
وإن جَنَتْ على عبدٍ أو أمَةٍ جنايَةً فيها القِصاصُ، لَزِمَها القِصاصُ، لأنَّها أمَةٌ، أحْكامُها أحْكامُ الإماءِ، واسْيحْقاقُها العِتْقَ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالمُدَبَّرَةِ. فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإذا أسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الكافِرِ، أو مُدَبرَتُه، مُنِعَ مِن غِشْيانِها، وحِيلَ بَينَه وبَينَها، وأُجْبِرَ على نَفَقَتِها إن لم يَكُنْ لها كَسْبٌ. [وإن أسْلَمَ، حَلَّتْ له] (١) .
وإن مات قبلَ ذلك عَتَقَتْ.
وعنه، أنَّها تُسْتَسْعَى في حياتِه، وتَعْتِقُ) يَصِحُّ اسْتِيلادُ الكافِرِ لأمَتِه، كما يَصِحُّ منه عِتْقُها.
وإذا اسْتَوْلَدَ أمَتَه ثم أسْلَمَتْ، لم تَعْتِقْ في الحالِ. وبه قال الشافيُّ.
وقال مالكٌ: تَعْتِقُ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى بَيعِها، ولا إلى إقْرارِ مِلْكِه عليها؛ لِما فيه من إثْباتِ مِلْكِ كافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، فلم يَجُزْ، كالأمَةِ القِنِّ. ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ مثلَ ذلك. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُسْتَسْعَى،
فإن أدَّتْ عَتَقَتْ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ فيه جَمْعًا بينَ الحَقَّين، حَقِّها في أن لا يَبْقَى مِلْكُ الكافِرِ عليها ، وحَقِّه في حُصولِ عِوَضِ مِلْكِه، فأشْبَهَ بَيعَها إذا لم تكُنْ أُمَّ ولدٍ. ولَنا، أنَّه إسلامٌ طَرَأ على مِلْكٍ، فلم يُوجِبْ عِتْقًا ولا سِعايةً، كالعيدِ القِنِّ. وما ذَكَرُوه مُجَرَّدُ حِكْمَةٍ لم يُعْرَفْ مِن الشارِعِ اعْتبارُها، ويُقابِلُها ضَرَرٌ،
فإنَّ في إعْتاقِها مجَّانًا إضْرارًا بالمالِكِ، بإزالةِ مِلْكِه بغيرِ عِوَضٍ،
وفي الاسْتسْعاءِ إلْزامُها الكَسْبَ بغيرِ رِضاها، وتَضِييعٌ لحقِّ سيدِها، لأنَّ فيه إحالةً على سِعايةٍ لا يُدْرَى هلِ يَحْصُلُ منها شيءٌ أو لا،
وإن حَصَل، فالظاهِرُ أنَّه يكونُ يَسِيرًا في أوْقاتٍ مُتَفرِّقَةٍ، وُجودُه قريبٌ مِن عَدَمِه. والأوْلَى أن يَبْقَى المِلْكُ على ما كان عليه، ويُمْنَعَ مِن وَطْئِها والتَّلَذُّذِ بها، كى لا يَفْعَلَ ذلك وهو مُشْرِكٌ، ويُحالُ بينَه وبينَها، ويُمْنَعُ الخَلْوَةَ بها؛ لئَلَّا يُفْضِيَ إلى الوَطْءِ المُحَرَّمِ. ويُجْبَرُ على نَفَقَتِها على التَّمامِ؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ومَنْعُه مِن وَطْئِها بغيرِ مَعْصِيَةٍ منها، فأشْبَهَتِ الحائِضَ والمريضَةَ، وتُسَلَّمُ إلى امْرَأةٍ ثِقَةٍ، تكونُ عندَها، لتَحْفَظَها وتَقُومَ بأمْرِها.
وإنِ احْتاجَتْ إلى أجْرٍ أو أجْرِ مَسْكَنٍ فعلى سيدِها. وذَكَرَ القاضي، أنَّ نَفَقَتَها في كَسْبِها، والفاضِلَ منه لسيدِها.
فإن عَجَزَ كَسْبُها عن نَفَقَتِها، فهل يَلْزَمُ سيدَها تمامُ نَفَقَتِها؟ على رِوايَتَين. ونحوُ هذا مذهبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا : والصَّحِيحُ أنَّ نَفَقَتُها على سيدِها، وكَسْبَها له، يَصْنَعُ به ما شاء، وعليه نَفَقَتُها على التَّمامِ، سَواءٌ كان لها كَسْبٌ أو لم يكُنْ؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه، ولم يَجْرِ بَينَهما عَقْدٌ يُسْقِطُ نَفَقَتَها، ولا تمْلِكُ به كَسْبَها، فهي كأمَتِه القِنِّ، أو ما قبلَ إسْلامِها، ولأنَّ المِلْكَ سَبَبٌ لهذَينِ الحُكْمَين، والحادثُ منهما لا يصْلُحُ مانِعًا؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَمْنَعُ منها، بدليلِ ما قبلَ إسْلامِها ، والإِسْلامُ لا يَمْنَعُ، بدليلِ ما لو وُجِدَ قبلَ ولادَتِها، واجتماعُهما لا يَمْنَعُ؛
لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المنْصُوصِ عليه؛ لأنَّه إذا لم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، ولم يكُنْ لها كَسْبٌ، أفْضَى إلى هَلاكِها وضَياعِها، ولأنَّه يَمْلِكُ فاضِلَ كَسْبِها، فلَزِمَه فَضْلُ نَفَقَتِها، كسائِرِ مماليكِه.
٣٠٥٢ -
(وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ)
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُمْ (أَوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا) حِذَارًا مِنْ أَنْ يَطَأَ مُشْرِكٌ مُسْلِمَةً ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} الْآيَةَ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مِلْكَهُ يُقَرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ عِتْقَهَا مَجَّانًا فِيهِ إِضْرَارٌ بِالسَّيِّدِ، وَبِالسِّعَايَةِ فِيهِ إِضْرَارٌ بِهَا لِإِلْزَامِهَا الْكَسْبَ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) لِئَلَّا يَتَلَذَّذَ بِهَا، وَلَا يَخْلُو بِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ (وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا
قال الزَّرْكَشِيُّ: فَصْلٌ: إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ، أوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيانِها، وَحِيلَ بَينَهُ وَبَينَهَا، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ،
فَإِنْ أَسْلَمَ حَلَّتْ لَهُ، وَإنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ عَتَقَتْ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تُسْتَسْعَى فِي حَيَاتِهِ، وَتعْتِقُ.
وينْبَغِي إجْراءُ الرِّوايتَين فيما إذا كان لها زَوْجٌ حُرٌّ،
وكذلك ينْبَغِي إجْراؤُهما في الأَمَةِ القِنِّ. ونظيرُ ذلك، لو قذَف أمَةً، أو ذِمِّيَّة لها ابن أو زَوْجٌ مُسْلِمان، فهل يُحَدُّ؟ على رِوايتَين. ذكَرَهما المَجْدُ وغيرُه. ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ الابنُ والزَّوْجُ بأنْ يكُونا حُرَّين. انتهى. وإِذا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الكافِرِ، أَوْ مُدَبَّرَتُه، مُنِعَ مِن غِشْيَانِها، وحيلَ بينَه وبينَها. بلا نِزاعٍ. ومُقْتَضَى ذلك، أنَّ مِلْكَه باقٍ عليهما، وأنهما لم يَعْتِقا.
أمَّا في أُمِّ الوَلَدِ، فهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المذهبُ المُخْتارُ لأبِي بَكْرٍ، والقاضي، وأبِي الخَطَّابِ، والشَّرِيفِ، والشِّيرازِيِّ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. قال ابنُ مُنَجَّى: هذا المذهبُ. وقدَّمه في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغيرِ»، وغيرِهم.
وعنه، تَعْتِقُ في الحالِ بمُجَرَّدِ إسْلامِها. نقَلَها مُهَنَّا. قاله المُصَنِّفُ في «الكافِي». قال الزَّرْكَشِيُّ: ولا أعلمُ له سَلَفًا في ذلك.
وعنه، أنَّها تُسْتَسْعَى في حَياتِه وتَعْتِقُ. نقَلَها مُهَنَّا. قاله القاضي، ولم يُثْبِتْها أبو بَكْرٍ، فقال: أظُنُّ أنَّ أبا عَبْدِ اللهِ أطْلَقَ ذلك لمُهَنَّا، على سَبِيلِ المُناظَرَةِ للوَقْتِ.
وأمَّا المُدَبَّرَةُ، فحُكْمُها حكمُ المُدَبَّرِ إذا أسْلَمَ. وقد ذكَرَه المُصَنِّفُ في بابِ التَّدْبيرِ. وتقدَّم الكلامُ على ذلك مُسْتَوْفًى، فَلْيُراجَعْ. وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّف، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ رِوايَةَ الاسْتِسْعاءِ عائِدَةٌ إلى أُمِّ الوَلَدِ والمُدَبَّرَةِ، والمَنْقولُ أنَّها في أُمِّ الوَلَدِ. وحمَلَها ابنُ مُنَجَّى على ظاهِرِها، وجعَلَها على القَوْلِ بعَدَمِ جَوازِ بَيعِ المُدَبَّرَةِ. وأُجْبِرَ على نَفَقَتِها، إِنْ لم يَكُنْ لها كَسْبٌ. هذا المذهبُ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»،
وإذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ الْجَارِيَةَ، فَأوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقال المُصَنِّفُ: والصَّحيحُ أنَّ نفَقَتَها على سيِّدِها، والكَسْبَ له، يصْنَعُ به ما شاءَ، وعليه نَفَقَتُها على التَّمامِ؛ سواءٌ كان لها كَسْبٌ أو لم يكُنْ. وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَهَ اللهُ، والخِرَقِيِّ. قاله الزَّرْكَشِيُّ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وعنه، لا تلْزَمُه نفَقَتُها بحالٍ، وتُسْتَسْعَى في قِيمَتِها، ثم تَعْتِقُ. كما تقدَّم. وذكَر القاضي، أنَّ نفَقَتَها في كَسْبِها، والفاضِلَ منهْ لسَيِّدِها،
فإنْ عجَز كَسْبُها عن نَفَقَتِها، فهل يلْزَمُ السَّيِّدَ تَمامُ نفَقَتِهِا؛ على رِوايتَين. وتَبعَ القاضيَ جماعةٌ مِنَ الأصحابِ.
فصل [إذا أسلمت أم ولد الكافر] قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا أسلمت أم ولد الكافر أو مدبرته منع من غشيانها، وحيل بينه وبينها، وأجبر على نفقتها إن لم يكن لها كسب. فإن أسلم حلت له، وإن مات قبل ذلك عتقت. وعنه: أنها تستسعي في حياته وتعتق) .
أما كون الكافر يمنع من غشيان أم ولده ومدبرته إذا أسلمت. والمراد بها: وطئها؛ فلأن وطء المشرك للمسلمة لا يجوز.
وأما كونه يحال بينه وبينها؛ فلئلا يتلذذ بها ويخلو؛ لأن ذلك مفضٍ إلى الوطء المحرم.
وأما كونه مجبر على نفقتها؛ فلأنه مالك لها.
وفيه إشعار بجواز إبقاء ملكه عليها وهو صحيح على المذهب؛ لأنه لم يوجد سببٌ يوجب زوال ذلك فوجب إبقاؤها على ما كانت عليه.
وعن الإمام أحمد: أنها تستسعي في حياته؛ لأنه لا سبيل إلى بيعها، ولا إلى إقرار الملك عليها؛ لما فيه من إثبات ملك الكافر على المسلمة، ولا إلى عتقها مكاناً؛ لما فيه من الضرر فوجب الاستسعاء؛ لأن فيه جمعاً بين الحقين.
فعلى هذا إذا أدّت عتقت.
والأول أصح؛ لما ذكرت؛ لأن في الاستسعاء إلزاماً لها الكسب بغير رضاها، وإلزاماً له في خروجها عن ملكه.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في وجوب النفقة: أن لا يكون لها كسب؛ لأنها إذا كان لها كسب وجبت فيه. فلا حاجة إلى إيجابها عليه.
فإن قيل: الكلام في أم الولد والمدبرة، وأم الولد لا يجوز بيعها
بخلاف المدبرة.
قيل: في بيع المدبرة خلاف.
فإن قيل بجوازه كان حكمها حكم القن،
وإن قيل بعدم جوازه ساوت أم الولد. وعليه يحمل كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وأما كونها تحل له إذا أسلم؛ فلأن المانع كفره وقد زال. فوجب حل الوطء؛ لدخولها في قوله تعالى:{أو ما ملكت أيمانهم} السالم عن معارضة الكفر.
وأما كونها تعتق بموته؛ فلأنها أم ولده واستيلاده لها صحيح؛ كما لو أعتقها. فوجب عتقها؛ كالمسلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.