فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّماتُ)

٢٥٬٨٥٥

أمَّا الثِّيِّبُ ، فلا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ إذْنَها الكلامُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ اللِّسَانَ هو المُعَبِّرُ عمّا في القَلْبِ، وهو المُعْتَبَرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْتَبَرُ فيه الإِذْنُ، غيرَ أشْياءَ يَسِيرَةٍ أُقِيمَ الصَّمْتُ فيها مُقامَه لعَارِضٍ.

٢٥٬٨٥٦

وأمَّا البِكْرُ فإذْنُهَا صُماتُها في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الوَلِيِّ أبًا أو غيرَه.

٢٥٬٨٥٧

وقال أصحابُ الشافعيِّ: في صَمْتِها في حَقِّ غيرِ الأب وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَكونُ إذْنًا؛ لأنَّ الصُّماتَ عَدَمُ الإِذْنِ، فلا يكَونُ إذْنًا، ولأنَّه مُحْتَمِلٌ للرِّضا [والحياءِ وغيرِهما]، فلا يكونُ إذْنًا، كما في حَقِّ الثَّيِّبِ، وإنَّما اكْتُفِيَ به في حَقِّ الأبِ؛ لأنَّ رِضَاها غيرُ مُعْتَبَرٍ. وهذا شُذُوذٌ عن أهلِ العلمِ، وتَرْكٌ للسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّريحَةِ، يُصانُ الشافعيُّ عن إضافَتِه إليه، وجَعْلِه مذهبًا له، مع كَوْنِه مِن أتْبَعِ النَّاسِ لسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، [ولا يُعَرِّجُ مُنْصفٌ على هذا القولِ، وقد تقَدَّمَتْ رِوايَتُنا عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -] أنَّه قال: «لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ».

فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف إذْنُها؟ قال:«أنْ تَسْكُتَ».

٢٥٬٨٥٨

وفي روايةٍ عن عائشةَ أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ البِكْرَ تَسْتَحْيي. قال:«رِضَاؤُهَا صَمْتُهَا». مُتَّفَقٌ عليه .

٢٥٬٨٥٩

وفي رِوايَةٍ:«تُسْتَأمَرُ الْيَتيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا». وهذا صَرِيحٌ في غيرِ ذاتِ الأبِ. والأخْبارُ في هذا كثيرةٌ. ولأنَّ الحَيَاءَ عُقْلَةٌ على لِسَانِها، يَمْنَعُها النُّطْقَ بالإِذْنِ، ولا تَسْتَحيي مِن إبائِها وامْتِناعِها،

٢٥٬٨٦٠

فإذا سَكَتَتْ غَلَب على الظنِّ أنَّه لرِضاها ، فاكْتُفِيَ به. وما ذَكَرُوه يُفْضِي إلى أن لا يكونَ صمْتُها إذْنًا في حَقِّ الأبِ أيضًا؛ لأنَّهم جَعَلُوا وُجُودَه كعَدَمِه، فيَكونُ إذًا رَدًّا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالكُلِّيَّةِ، واطِّرَاحًا للأخْبارِ الصَّرِيحةِ الجَلِيَّةِ، وخرْقًا لإِجْماعِ الأُمَّةِ.

فصل: فإن أذِنَتْ بالنُّطْقِ فهو أبْلَغُ وأتَمُّ،

٢٥٬٨٦١

وإن ضَحِكَتْ أو بَكَت فهو بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِها.

٢٥٬٨٦٢

وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: إن بَكَت فليس بإذْنٍ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الكَراهَةِ، وليس بصَمْتٍ فيَدْخُلَ في عُمُومِ الحديثِ. ولَنا، ما روَى أبو بكرٍ بإسْنادِه عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ، فَانْ بَكَتْ أو سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وإنْ أبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيهَا». ولأنَّها غيرُ ناطِقَةٍ بالامْتِناعِ مع سَماعِها للاسْتِئْذانِ، فكان إذْنًا منها، كالصُّماتِ أو الضَّحِكِ، والبُكاءُ يَدُلُّ على فَرْطِ الحَيَاءِ، لا على الكَراهَةِ،

٢٥٬٨٦٣

ولو كَرِهَتْ لامْتَنَعَتْ، فإنَّها لا تَسْتَحْيي مِن الامْتِنَاعِ، والحديثُ يَدُلُّ بصَرِيحِه على أنَّ الصَّمْتَ إذْنٌ، وبمَعْناه على ما في مَعْناه مِن الضَّحِكِ والبُكاءِ، ولذلك أقَمْنا الضَّحِكَ مُقامَه.

٣٠٩٨ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَعَنْهُ: لَهُمْ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ بِإِذْنِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَالَهُ جَمْعٌ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْوَى دَلِيلًا ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهَا جَمْعٌ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَقُيِّدَتْ بِالتِّسْعِ ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَارِفَةً بِمَا يَضُرُّهَا وَيَنْفَعُهَا، فَتَظْهَرُ

١٦٬٧٥٨

فَائِدَةُ اسْتِئْذَانِهَا ; وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ: فَعَلَى هَذَا لَا خِيَارَ لَهَا إِذَا بَلَغَتْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الرِّعَايَةِ "، وَذَكَرَهُ نصا،

١٦٬٧٥٩

وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إِذْنُهَا، فَلَهَا الْخِيَارُ، (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ) بِلَا خِلَافٍ (وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ) ; لِلْأَخْبَارِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ مَرْفُوعًا، قَالَ:«الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صُمَاتُهَا فَإِنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ فَكَذَلِكَ، وَنُطْقُهَا أَبْلَغُ ;» لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ

الإنصافالمرداوي

وإذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ -بلا نِزاعٍ في الجُمْلَةِ- وإذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثيرٌ منهم. ولِكنْ نُطْقُها أبْلَغُ.

٢٩٬٦٨١

وقيل: يُعْتَبَرُ النُّطْقُ في غيرِ الأبِ. واخْتارَه القاضي في «التَّعْليقِ»، في مَسْأَلةِ إجْبارِ البالِغَةِ. وأطْلَقهما في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فائدتان؛ إحْداهما، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: يُعْتَبرُ في الاسْتِئْذانِ تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ على وَجْهٍ تقَعُ المَعْرِفَةُ به،

٢٩٬٦٨٢

ولا يُشْترَطُ تَسْمِيَةُ المَهْرِ. على الصَّحيحِ. نقَلَه الزَّرْكَشِيُّ. الثَّانيةُ،

٢٩٬٦٨٣

قال في «التَّرْغِيبِ» وغيرِه: لا يُشْترَطُ الإِشْهادُ على إذْنِها.

٢٩٬٦٨٤

وكذا قال ابنُ المَنِّيِّ في «تَعْلِيقِه»: لا تُعْتبَرُ الشَّهادَةُ على رِضَا المَرْأَة. وقدَّمه في «الفُروعِ». قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ،

٢٩٬٦٨٥

رَحِمَه اللهُ: وفي المذهبِ خِلافٌ شاذٌّ، يُشْترَطُ الإِشْهادُ على إذْنِها. انتهى.

٢٩٬٦٨٦

وإنِ ادَّعَتِ الإِذْنَ فأنْكَرَ وَرَثَتُه، صُدِّقَتْ.

٢٩٬٦٨٧

وقال في «الفُروعِ»: ولا تُشْترَطُ الشَّهادَةُ بخُلُوِّها عنِ المَوانِع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الشَّرْعِيَّةِ. واقْتَصَرَ عليه. وَلَا فَرْقَ بَينَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أوْ مُحَرَّمٍ،

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإذن الثيب الكلام وإذن البكر الصمات) .

١١٬٧١٨

أما كون إذن الثيب الكلام فلا خلاف فيه.

ولأن الإذن في الأمر إذا ... لا يكون إلا بالكلام. فكذلك هاهنا.

١١٬٧١٩

وأما كون إذن البكر الصمات؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له:«كيفَ إذنُها؟ قال: أن تَسكُت».

وعن عائشة أنها قالت:«يا رسول الله! البكرُ تستحِي. قال: رضاها صمتُها». متفق عليه.

١١٬٧٢٠

وفي روايةٍ:«واليتيمةُ تُستأمرُ وصمتُها إقرارُها». رواه النسائي.

١١٬٧٢١

وفي روايةٍ:«تُستأمرُ اليتيمةُ في نفسِها فإن سكتتْ فهو إذنُها».

ولا فرق بين الأب وغيره فيما ذُكر؛ لأنه صرح بأن إذن اليتيمة الصمت، واليتيمة من لا أبَ لها.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.