وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلْثِ وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِي الْجُرْحِ مِنَ الِانْدِمَالِ
الشروح عليها
مسألة: فإن كانتِ الدِّيَةُ ناقِصَةً، كدِيَةِ المَرْأةِ والكِتابِىِّ، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تُقْسَمُ في ثلاثِ سنين؛ لأنَّه بَدَلُ النَّفْسِ، فأشْبَهَتِ الدِّيَةَ الكاملةَ. والثانى، يَجبُ منها في العامِ الأَوَّلِ قَدْرُ ثُلُثِ الدِّيَةِ الكاملةِ، وباقِيها في العامِ الثانى، لأَنَّ هذه تَنْقُصُ عن الدِّيَةِ، فلم تُقْسَمْ في ثلاثِ سنين، كأَرْشِ الطَّرفِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. وللشَّافعىِّ كالوَجْهَيْن.
فإن كانتِ الدِّيَةُ لا تَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ الكاملةِ، كدِيَةِ المَجُوسِىِّ، وهى [ثمانِمائةِ دِرْهَمٍ]، ودِيَةِ الجَنِينِ، [وهى خَمْسٌ مِن الإِبلِ، لم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّه يَنْقُصُ عن الثُّلُثِ، فأشْبَهَ دِيَةَ السِّنِّ والمُوضِحَةِ، إلَّا أن يُقْتَلَ الجَنِينُ] مع أُمِّه، فتَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّها جِنايَةٌ واحدةٌ، وتكونُ دِيَةُ الأُمِّ على الوَجْهَيْن؛
فإن قُلْنا: هى في عامَيْن. كانت دِيَةُ الجَنِينِ واجِبَةً مع ثلُثِ دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الأَوَّلِ؛ لأنَّها دِيَةٌ أُخْرَى. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ مع باقِى دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الثانى.
وإن قُلْنا: دِيَةُ الأُمِّ في ثلاثِ سنين. فهل تَجِبُ دِيَةُ الجَنِينِ في ثَلاثةِ أعْوَامٍ أَوْ لا؟ على وَجْهين؛
فإذا قُلْنا بوُجُوبِها في ثلاثِ سنين، وجَبَتْ في السِّنِينَ التى وجَبَت فيها دِيَةُ الأُمِّ؛ لأنَّهُما دِيَتان لمُسْتَحِقَيْنِ، فيَجبُ في كلِّ سنةٍ ثُلُثُ دِيَتِها وثُلُثُ دِيَتِه. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في ثلاثِ سنين أُخْرَى؛ لأَنَّ تَلَفَهما مُوجَبُ جِنايةٍ واحدةٍ.
٤٣٤٨ - مسألة: (وابْتِداءُ الحَوْلِ في الجُرْحِ مِن حِينِ الانْدِمالِ، وفى القَتْلِ مِن حِينِ المَوْتِ. وقال القاضِى: إن لم يَسْرِ الجُرْحُ إلى شَئٍ، فحَوْلُه مِن حِينِ القَطْعِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان الواجبُ دِيَةَ نفْسٍ، فابْتِداءُ حَوْلِها مِن حينِ المَوْتِ، سواءٌ كان قَتْلًا مُوجِبًا أو عن سِرايةِ جُرْحٍ.
وإن كان الواجِبُ ديَةَ جُرْحٍ، نَظرتَ،
فإن كان عن جُرْح انْدَمَلَ مِن غيرِ سِرايَةٍ، مثلَ أفي قَطَع يَدَه فبَرَأتْ بعدَ مُدَّةٍ، فابْتداءُ المُدَّةِ مِن حينِ القَطْعِ؛ لأَنَّ تلك حالةُ الوُجُوبِ، ولهذا لو قَطَع يَدَه وهو ذِمِّىٌّ، فأسْلَمَ، ثم انْدَمَلَتْ، وجَب نِصْفُ دِيَةِ يَهُودِىٍّ.
وأمَّا إن كان الجُرْحُ سَارِيًا، مثلَ أن قَطَع إصْبَعَه فسَرَى ذلك إلى كَفِّه، ثم انْدَمَلَ، فابْتِداءُ المُدَّةِ مِن حينِ الانْدِمالِ؛ لأنَّها إذا سَرَتْ، فما اسْتَقَرَّ الأَرْشُ إلَّا مِن حينِ الانْدِمالِ. هكذا ذَكَره القاضى، وأصْحابُ الشافعىِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ المُدَّةُ مِن حينِ الانْدِمالِ فيهما، لأَنَّ الأَرْشَ لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالانْدِمالِ فيهما.
٤٣٤٩ -
(وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلْثِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ لَمْ يَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنِ الثُّلْثِ، فَكَذَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ إِذَا زَادَ عَلَى الثُّلْثِ،
وَكَذَا إِذَا قُتِلَتِ الْمَرْأَةُ وَجَنِينُهَا بِضَرْبَةٍ بَعْدَ مَا اسْتَهَلَّ، لَمْ تَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى قَدْرِ الثُّلْثِ،
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: دِيَةُ نَفْسٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ،
وَقِيلَ: الْكُلُّ، فَلَوْ قَتَلَ اثْنَيْنِ فَدِيَتُهُمَا فِي ثَلَاثٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ دِيَةٌ فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَهَا كَمَا لَوِ انْفَرَدَ حَقُّهُ،
وَقِيلَ: فِي سِتِّ سِنِينَ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ الثُّلْثِ كَدِيَةِ الْأُصْبُعِ لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ،
وَيَجِبْ حَالًّا لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ (وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِي الْجُرْحِ مِنَ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالْبُرْءِ
وإِنْ كانَ أَكْثَرَ مِن دِيَةٍ، كما لو جَنَى عليه فأَذْهَبَ سَمْعَه وبَصَرَه، لم يَزِدْ فى كلِّ حَوْلٍ على الثُّلُثِ.
وكذا لو قَتَلَتِ الضَّرْبَةُ الأُمَّ وجَنِينَها بعدَ ما اسْتَهَلَّ. وهذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: يُؤْخَذُ الكُلُّ فى ثَلاثِ سِنِينَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فائدة: لو قتَل شَخْصٌ اثْنَيْنِ، لَزِمَ عاقِلَتَه فى كُلِّ حَوْلٍ مِن كلِّ دِيَةٍ ثُلُثُها، فيَلْزَمُهم دِيَتُهما فى ثَلاثِ سِنِينَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما لو أذْهَبَ بجنايتَيْن سَمْعَه وبَصَرَه. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: يجبُ دِيَةُ الاثْنَيْنِ فى سِتِّ سِنِينَ] . وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِى الْجُرْحِ مِنْ حِينِ الانْدِمَالِ، وَفِى الْقَتْلِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: إِنْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ. إِلَى شَىْءٍ، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ. وابْتِدَاءُ الحَوْلِ فى الجُرْحِ مِن حينِ الانْدِمالِ، وفى القَتْلِ مِن حينِ المَوْتِ. هذا المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوِ افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ،
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ.
وقال القاضى: إنْ لم يَسْرِ الجُرْحُ إلى شئ، فحَوْلُه مِن حينِ القَطْعِ. قال فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»،
وغيرِهم: وقال القاضى: ابْتِداؤُه فى القَتْلِ المُوحِى والجُرْحِ، إنْ لم يَسْرِ عن محَلِّه، مِن حينِ الجِنايَةِ.
فائدة: مَن صارَ أهْلًا عندَ الحَوْلِ، لَزِمَه ما تحْمِلُه العاقِلَةُ، على أصحِّ الوَجْهَيْن. قالَه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وَعَمْدُ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ
وَعَنْهُ فِى الصَّبِىِّ الْعَاقِلِ، أنَّ عَمْدَهُ فِى مَالِهِ.
قال: (وابتداء الحول في الجرح من حين الاندمال، وفي القتل من حين الموت. وقال القاضي: إن لم يسر الجرح إلى شيء فحوله من حين القطع) .
أما كون ابتداء الحول في الجرح الذي لا يسري من حين الاندمال على المذهب؛ فلأن الدية بدل عن القصاص، والقصاص إنما يكون بعد الاندمال. فكذلك بدله.
وأما كونه من حين القطع على قول القاضي؛ فلأنه لو عفى عند القطع على الدية وجبت. فالقطع إذاً مآله إلى الوجوب. فوجب أن يكون ابتداء الحول منه؛ كحالة الوجوب في القتل.
وأما كونه في الجرح الذي يسري من حين الاندمال؛ فلأنه قتل.
وأما كونه في القتل من حين الموت؛ فلأنه حالة الوجوب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.