وَلَا يُكْرَهُ الِانْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ / ١١٧ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ، والنَّقِيرِ، والمُزَفَّتِ) [يجوزُ الانْتِباذُ في الأوْعِيَةِ كلِّها. وعن أحمدَ، أنَّه يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ]؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الانْتِباذِ فيها . والدُّبَّاءُ: اليَقْطِينُ . والحَنْتَمُ: الجِرارُ. والنَّقِيرُ: الخَشَبُ. والمُزَفَّتُ: الَّذى يُطْلَى بالزِّفْتِ.
والصَّحِيحُ أَنَّه لا يُكْرَهُ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاثٍ، وأنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ، نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأشْرِبَةِ [أن لا تَشْرَبُوا إلَّا] في ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». رَواه مسلمٌ . وهذا دَلِيلٌ على نَسْخِ النَّهْى، ولا حُكْمَ للمَنْسُوخِ.
فصل: وما طُبِخَ مِن النَّبيذِ والعَصِيرِ قبلَ غَلَيَانِه، حتَّى صارَ غيرَ مُسْكِرٍ، كالدِّبْسِ ، ورُبِّ الخَرُّوبِ، وغيرِهما من المُرَبَّيَاتِ والسُّكَّرِ، فهو مُبَاحٌ، لأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما ثَبَت في المُسْكِرِ، ففيما عَدَاه يَبْقَى على أصْلٍ الإِباحَةِ، وما أسْكَرَ كثيرُه فقلِيلُه حَرامٌ، سَواءٌ ذَهَب منه الثُّلُثان، أو أقَلُّ، أو أكثرُ. قال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ عن شُرْبِ الطِّلَاءِ إذا ذهبَ ثُلُثاه ، وبَقِىَ ثُلُثه؟ قال: لا بَأْسَ به. قيل لأحمدَ: إنَّهم يقولونَ: إنَّه يُسْكِرُ.
قال: لا يُسْكِرُ، لو كان يُسْكِرُ ما أحَلَّه عمرُ.
٤٤٦٩ -
(وَلَا يُكْرَهُ الِانْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ) وَهِيَ الْقَرْعَةُ الْيَابِسَةُ الْمَجْعُولَةُ وِعَاءً (وَالْحَنْتَمِ) وَهِيَ جِدَارٌ مَدْهُونَةٌ، وَاحِدَتُهَا حَنْتَمَةٌ (/ ١١٧ وَالنَّقِيرِ) وَهُوَ أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ، ثُمَّ يُنْبَذُ فِيهِ التَّمْرُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (وَالْمُزَفَّتِ) وَهُوَ الْوِعَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ، نَوْعٌ مِنَ الْقَارِ، / ٨٥ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا يُكْرَهُ الانْتِباذُ فى الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ، والنَّقِيرِ، والمُزَفَّتِ. هذا وَعَنْهُ، يُكْرَهُ. المذهبُ بلا رَيْب. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرِهم. وصحَّحه فى «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصةِ»، و «النَّظْمِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»،
وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَبِذَ شَيْئَيْنِ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
وغيرِهم.
وعنه، يُكْرَهُ. قال الخَلَّالُ: عليه العَمَلُ. وذكَر ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللَّهُ، فى «الهَدْى» رِوايةً، أنَّه يَحْرُمُ.
وعنه، يُكْرَهُ فى هذه الأوْعِيَةِ وفى غيرِها، إلَّا سِقاءً يُوكَى حيثُ بَلَغَ الشَّرابُ، ولا يُتْرَكُ يتَنَفَّسُ. نقَله جماعَةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ. ونقَل أبو داودَ، ولا يُعْجِبُنِى إلَّا هو. ونقَل جماعةٌ، أنَّه كَرِه السِّقَاءَ الغَلِيظَ.
قال: (ولا يكره الانتباذ في الدُّبّاء والحَنْتَمِ والنّقيرِ والمزَفّتِ. وعنه: يكره) .
أما كون ما ذُكر لا يكره على المذهب؛ فلما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظُروف الأُدم فاشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا». رواه مسلم.
وأما كونه يكره على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ فيها».
والأول أصح؛ لأن دليله يصلح ناسخاً لدليل الرواية الثانية.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.