وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا لَمْ يَكْفُرْ
الشروح عليها
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا لَمْ يَكْفُرْ) ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَبَانِي الْإِسْلَامِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَارِكَ الشَّهَادَتَيْنِ تَهَاوُنًا كَافِرٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ،
وَأَمَّا بَقِيَّةُ ذَلِكَ فَكَمَا ذَكَرَهُ، إِلَّا الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهَا،
فَإِنِ امْتَنَعَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ كَمُرْتَدٍّ،
فَإِنْ أَصَرَّ كُفِّرَه بِشَرْطِهِ، وَإِذَا تَرَكَ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَانَ كَتَرْكِهَا،
وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَهُوَ مُعْتَقَدٌ وُجُوبُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ،
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَلَا يُكَفَّرُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِحَالٍ،
وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": إِذَا تَرَكَ تَهَاوُنًا فَرْضَ الصَّلَاةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الصَّوْمِ، أَوِ الْحَجِّ، بِأَنْ عَزَمَ أَلَّا يَفْعَلَهُ أَبَدًا، أَوْ أَخَّرَهُ إِلَى عَامٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ قَبْلَهُ، اسْتُتِيبَ كَالْمُرْتَدِّ،
فَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ حَدًّا، وَعَنْهُ: كُفْرًا، نَقَلَهَا أَبُو بَكْرٍ وَاخْتَارَهَا،
وَعَنْهُ: يُخْتَصُّ الْكُفْرُ بِالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: تَهَاوُنًا كَزَكَاةٍ إِذَا قَاتَلَ الْإِمَامَ عَلَيْهَا
(وَعَنْهُ يَكْفُرُ إِلَّا الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ) لِأَنَّ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ خِلَافًا،
وَعَنْهُ لَا كُفْرَ، وَلَا قَتْلَ فِي الصَّوْمِ، وَالْحَجِّ خَاصَّةً.
فَرْعٌ: مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَأَسَرَّ الْكُفْرَ فَمُنَافِقٌ كَافِرٌ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ،
فَإِنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْوَاجِبِ،
وَفِي قَلْبِهِ أَلَّا يَفْعَلَ فَنِفَاقٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ثَعْلَبَةَ:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} وَهَلْ يَكْفُرُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ، أَوْ جَحَدَ رُبُوبيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ، أو صِفَةً مِنْ بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ فائدتان؛ إحْداهما،
قولُه: فمَن أشْرَكَ باللهِ، أو جَحَدَ رُبُوبيَّتَه، أو وَحْدانيَّته أو صِفَةً مِن صِفاتِه، كَفَرَ. قال ابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»: أَو جَحَدَ صِفَةً مِن صِفاتِه المُتَّفَقِ على إثْباتِها. صِفَاتِهِ، أو اتَّخَذَ للهِ صَاحِبَةً، أَوْ وَلَدًا، أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الله تِعَالى، أَوْ شَيئًا مِنْهُ، أوْ سَبَّ اللهَ تعالى، أوْ رَسُولَهُ، كَفَرَ.
الثَّانيةُ: قولُه: أو سَبَّ اللهَ تعالى، أو رَسُولَه - صلى الله عليه وسلم -، كَفَرَ. قال الشَّيخ تَقِيُّ الدِّينِ،
رَحِمَه اللهُ: وكذا لو كان مُبْغِضًا لرَسُولِه - صلى الله عليه وسلم -، أو لِمَا جاءَ به اتفاقًا.
تنبيه: قولُه: فمَن أشْرَكَ باللهِ، أو جَحَدَ رُبُوبِيَّته، أو وَحْدانِيَته، أو صِفَةً مِن صِفاتِه، أو اتَّخَذَ للهِ صاحِبَةً، أو ولَدًا، أو جَحَدَ نَبِيًّا، أو كتَابًا مِن كُتُبِ اللهِ، أو شيئًا منه، أو سَبَّ اللهَ، أو رَسُولَه، كَفَرَ. بلا نِزاعٍ في الجملةِ. ومُرادُه، إذا أتَى بذلك طَوْعًا،
ولو هازِلًا، وكان ذلك بعِدَ أن أسْلَمَ طَوعًا.
وقيل: وكَرْهًا. [قلتُ: ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ، أنَّ هذه الأحْكامَ مُتَرتبَةٌ عليه حيثُ حكَمْنا بإسْلامِه طَوْعًا أو كَرْهًا]. وأطْلَقهما في «الفُروع».
وقال: والأصحُّ بحَقٍّ. يعنِي، إذا أُكْرِهَ على الإِسْلامِ لا بُدَّ أنْ يكونَ بحَقٍّ، على الأصحِّ.
فائدة: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
رَحِمَه اللهُ: وكذا الحُكْمُ لو جعَل بينَه وبينَ اللهِ وسائِطَ يتوَكَّلُ عليهم ويدْعُوهم ويسْألُهم إجْماعًا.
قال جماعةٌ مِن الأصحابِ: وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ أوْ شَيئًا مِنْهَا، أوْ أَحَلَّ الزِّنَى، أَو الْخَمْرَ، أو شَيئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيهَا لِجَهْلٍ، عُرِّفَ ذَلِكَ،
وَإنْ كَانَ مِمَّن لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَفَرَ.
أو سجَد لشَمْسٍ أو قَمَرٍ.
قال في «التَّرْغِيبِ»: أو أتَى بقَوْلٍ أو فِعْل صريحٍ في الاسْتِهْزاءِ بالدِّينِ.
وقيل: أو كذَب على نَبِيٍّ، أو أصَرَّ في دارِنا على خَمْر أو خِنْزِير غيرَ مُسْتَحِلٍّ.
وقال القاضي: رأَيتُ بعْضَ أصحابِنا يُكَفِّرُ جاحِدَ تحْريمِ النَّبِيذِ، والمُسْكِرُ كلُّه كالخَمْرِ، ولا يُكَفِّرُ بجَحْدِ قِياس اتفِّاقًا، للخِلافِ، بل سُنَّةٍ ثابتةٍ. قال:[ومَن أظْهَر الإِسْلامَ وأسَرَّ الكُفْرَ، فَمُنافِقٌ،
وإنْ أظْهَرَ أنَّه قائمٌ بالواجِبِ وفي قَلْبِه أنْ لا يفْعلَ، فنِفاقٌ، وهل يكْفُرُ؟ على وَجْهَين]. وظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، والأصحابِ، لا يكْفُرُ إلَّا مُنافِقٌ أسَرَّ الكُفْرَ.
قال: ومِن أصحابِنا مَن أخْرَج الحَجَّاحَ بنَ يُوسُفَ عن الإِسْلامِ، لأنَّه أخافَ أهْلَ المَدِينَةِ، وانْتَهَكَ حَرَمَ الله وحرَمَ رسُولِه - صلى الله عليه وسلم -.
قال في «الفُروعِ»: فيتَوَجَّهُ عليه يزيدُ بنُ مُعاويَةَ، ونحوُه. ونصُّ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ،
بخِلافِ ذلك، وعليه الأصحابُ، وأنَّه لا يجوزُ التَّخْصِيصُ باللَّعْنَةِ، خِلافًا لأبي الحسَينِ وابنِ الجَوْزِيِّ، وغيرِهما.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: ظاهِرُ كلامِه الكَراهَةُ.
وَإنْ تَرَكَ شَيئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الخَمْسِ تَهَاوُنًا، لَمْ يَكْفُرْ.
وَعَنْهُ، وإنْ تَرَكَ شَيئًا مِن العِبادَاتِ الخَمْسِ تَهاوُنًا، لم يَكْفُرْ. يعْنِي، إذا عزَم يَكْفُرُ إلا الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ.
فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، على أنْ لا يفْعلَه أبدًا، اسْتُتِيبَ وُجوبًا، كالمُرْتَدِّ،
فإنْ أصَرَّ، لم يكْفُرْ، ويُقْتَلُ حدًّا. جزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
وعنه، يكْفُرُ إلَّا بالحَجِّ لا يكْفُرُ بتَأخيرِه بحالٍ.
وعنه، يكْفُرُ بالجميعِ. نقَلها أبو بَكْرٍ. واخْتارَها هو وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وعنه، يخْتَصُّ الكُفْرُ بالصَّلاةِ. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال ابنُ شِهابٍ: هذا ظاهِرُ المذهبِ. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال: اخْتارَه الأكثرُ.
وعنه، يخْتَصُّ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ.
وعنه، يخْتَصُّ الكُفْرُ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ، إذا قاتَل عليهما الإِمامَ. وجزَم به بعْضُ الأصحابِ.
وعنه، لا يكْفُرُ ولا يُقْتَلُ بتَرْكِ الصَّوْمِ والحَجِّ خاصَّةً. وتقدَّم ذلك في أوَّلِ كتابِ الصَّلاةِ، وبابِ إخْراجِ الزَّ كاةِ مُسْتَوْفًى بأتَمَّ مِن هذا.
قال: (وإن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً لم يكفر. وعنه: يكفر. إلا الحج لا يكفر بتأخيره بحال) .
أما كون من ترك شيئاً من الصلاة تهاوناً لا يكفر على روايةٍ وهي اختيار المصنف رحمه الله، وكونه يكفر على روايةٍ وهي ظاهر المذهب؛ فلما تقدم في كتاب الصلاة .
وأما كون من ترك الزكاة تهاوناً لا يكفر على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ومن منعها فإنا آخذوها»، ولم يحكم بكفره.
وأما كونه يكفر على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال:{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة [فإخوانكم في الدين} شرط في الإخوة في الدين أداء الزكاة.
ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال:«لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة». و «قال لمانع الزكاة] : لا. حتى تشهد أن قتلانا في الجنةِ وقتلاكمْ في النار» .
وأما كون من ترك الصوم لا يكفر على روايةٍ؛ فبالقياس على الزكاة. بجامع ما يشتركان فيه من كونهما عبادة تجب على الفور .
وأما كون من أخّر متهاوناً لا يكفر بحال على ما ذكره المصنف رحمه الله هنا؛ فلأنه مختلف في وجوبه على الفور. فلا وجه لكفره مع جواز تأخيره على بعض المذاهب. وكلام أبي الخطاب في هدايته يقتضي مساواة الحج للصلاة والزكاة؛ لأنه أحد مباني الإسلام. أشبه بَواقيها. إذا تقرر هذا فاعلم أن العبادات الخمس تطلق تارة ويراد بها الصلوات الخمس، وتطلق تارة ويراد بها مباني الإسلام الخمس.
وفي حمل كلام المصنف رحمه الله على كل واحد منهما إشكال.
أما إذا حمل على الصلوات فالإشكال عليه من وجهين:
أحدهما: أنه تبقى الزكاة والصوم غير مذكورين.
وثانيهما: أن الاستثناء في قوله: وعنه يكفر إلا الحج لا يقع صحيحاً؛ لعدم شمول الكلام الأول له.
وأما إذا حمل على مباني الإسلام؛ فلأن من مباني الإسلام الشهادتين وتاركهما متهاوناً كافر بغير خلاف في المذهب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.