وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا إِلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إِنْ شَاءَ وَيُعْرَضُ الْقَصَصُ فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَتَّخِذُ حاجِبًا ولا بَوَّابًا) يَحْجُبُ الناسَ عن الوُصُولِ إليه؛ لِما روَى القاسمُ بنُ مُخَيمِرَةَ، عن أبي مَرْيَمَ صاحبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:[سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ]: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أمُورِ النَّاسِ شَيئًا، وَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهم، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِه وَفَاقَتِه وَفَقْرِه». رَواه التِّرْمِذِيُّ . ولأن حاجِبَه رُبَّما قَدَّمَ المُتَأخِّرَ وأخّرَ المُتَقَدِّمَ لغَرَض له، ورُبَّما كَسَرَهم بحَجْبِهم والاسْتِئْذانِ لهم.
ولا بَأسَ باتِّخاذِ حاجِبٍ في غيرِ مَجْلِسِ القضاءِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى الخَلْوَةِ بنَفْسِه. ٤٨٤٦ - مسألة: (ويَعْرِضُ القَصَصَ، فيَبْدأ بالأوَّلِ فالأوَّلِ) لأنَّ الأوَّلَ سَبَق، فقُدِّمَ، كما لو سَبَق إلى مَوْضِع مُباح
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ إِمَامٍ أَوْ وَالٍ يَغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، إِلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» . إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: غَرِيبٌ. وَلِأَنَّ الْحَاجِبَ رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ. (إِلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إِنْ شَاءَ) وَفِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: إِلَّا مِنْ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَدْعُو حَاجَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الْخُصُومِ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْحُكُومَةِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا.
وَفِي الْمَذْهَبِ: يَتْرُكُهُ نَدْبًا. وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الْخُصُومِ إِذَا تَنَازَعُوا إِلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ، وَلَا لَهُ أَنْ يَحْتَجِبَ إِلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى رَأْسِهِ مَنْ يُرَتِّبُ النَّاسَ. (وَيُعْرَضُ الْقَصَصُ) لِيَقْضِيَ حَوَائِجَ أَصْحَابِهَا. (فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) كَمَا لَوْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ.
ولا يَتخِذُ حاجِبًا ولا بَوابًا، إلا في غيرِ مَجْلِس الحُكْمِ إنْ شاءَ. مُرادُه، إذا لم يكُنْ عُذْرٌ،
فإنْ كانَ ثَمَّ عُذْرٌ، جازَ اتخاذُهما. إذا عَلِمْتَ وَيَعْرِضُ الْقَصَصَ، فَيَبْدأ بِالأوَّلِ فَالأوَّلِ، وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ،
فَإِنْ حَضَروا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قَدَّمَ أحدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
ذلك ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنه لا يتَّخِذُهما في مَجْلِسِ الحُكْمِ مِن غيرِ عُذْرٍ. قال ابنُ الجَوْزِيِّ في «المُذْهَبِ»: يتْرُكُهما نَدْبًا.
وقال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: ليسَ له تأخِيرُ الحُضورِ إذا تَنازَعُوا إليه بلا عُذْر، ولا له أنْ يحْتَجِبَ إلا في أوْقاتِ الاسْتِراحَةِ.
فائدة: قولُه: ويَعْرِضُ القَصَصَ، فيَبْدَأ بالأوَّلِ فالأوَّلِ.
قال في «المُسْتَوعِبِ»: يَنْبَغِي أنْ يكونَ على رَأسِه مَن يُرَتِّبُ النَّاسَ.
فائدة: قولُه: ولا يُقَدِّمُ السَّابِقَ في أكْثَرَ مِن حُكُومَةٍ واحِدَةٍ. واعلمْ أنَّ تقْدِيمَ السَّابِقِ على غيرِه واجِبٌ. على الصحيحِ مِن المذهبِ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. ليقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وجزَم في «عُيونِ المَسائلِ» بتَقْديم مَنْ له بَينة، لِئَلا تُضْجَرَ بَيِّنتُه. وجَعَله في «الفُروعِ» توْجِيهًا.
وقال في «الرّعايةِ»: ويُكْرَهُ تقْديمُ مُتَأخّر.
فإنْ حَضَرُوا دَفْعَة واحِدَة وتَشاحُّوا، قَدمَ أحَدَهم بالقُرْعَةِ. هذا المذهبُ وَيَعْدِلُ بَينَ الْخَصْمَينِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَالدُّخُولِ عَلَيهِ، إلَّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُمَا كَافِرًا، فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيهِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ فِي الجُلُوسِ.
وَقِيلَ: يُسَوِّي القُرْعَةُ.
مُطْلَقًا. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «مُنْتَخَبِ الأَدَمِي». وقدَّمه في «الفُروعِ». وذكَر حماعَة مِن الأصحابِ، يُقَدِّمُ المُسافِرَ المُرْتَحِلَ.
قلتُ: منهم صاحِبُ «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقال ذلك في «الكافِي»، مع قِلتِهم. زادَ في «الرِّعايةِ»، والمَرْأةَ لمَصْلَحَةٍ.
قال: (ولا يتخذُ حاجباً ولا بواباً إلا في غير مجلس الحكم إن شاء) .
أما كون القاضي لا يتخذُ حاجباً ولا بواباً في مجلس الحكم؛ فلما روي عن أبي مريم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من وليَ من أمور الناس شيئاً وحجبَ دون حاجتهمْ وفاقتهمْ احتجبَ اللهُ عنهُ دونَ حاجتهِ وفاقتهِ وفقره». رواه الترمذي.
ولأن حاجبه ربما قدّم المتأخر وأخّر المتقدم؛ لغرض له، وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم.
وأما كونه يتخذُ ذلك في غير مجلس الحكم إن شاء؛ فلأنه قد تدعو حاجته إلى ذلك، ولا مضرة على الخصوم في ذلك؛ لأنه ليس بوقتٍ للحكومة.
قال: (ويعرضُ القصَصَ فيبدأ بالأول فالأول. ولا يقدمُ السابقَ في أكثر من حكومة واحدة. فإن حضروا دفعة واحدة وتشاحوا قدم أحدهم بالقرعة) .
أما كون القاضي يعرض القَصص؛ فليقضي حوائج أصحابها.
وأما كونه يبدأ بالأول فالأول؛ فلأن الأول سابق والسبق له أثر في التقديم. دليله: ما لو سبق رجل إلى شيء من المباحات فإنه يكون أحق به.
وأما كونه لا يقدّمُ السابق في أكثر من حكومة واحدة؛ فلأنه مسبوق بالنسبة إلى الثاني؛ لأن الذي يليه سبقه بالنسبة إلى الدعوى الثانية.
وأما كونه يقدّم أحدهم بالقرعة إذا حضروا دفعة واحدة وتشاحوا؛ فلأنهم تشاحوا في السبق، والقرعة مرجحة. دليله: ما لو أراد الرجل السفر ببعض نسائه.
ولأن القرعة مشروعة للترجيح في غير هذا الموضع فكذا في هذا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.