وَإِنْ قَالَ: لَهُ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنْ دِرْهَمٌ. فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قال: له) عَلَىَّ (دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ. أو: دِرْهَمٌ، لكنْ دِرْهَمٌ. فهل يَلْزَمُه دِرْهَمٌ أو دِرْهَمانِ؟ عَلَى وَجْهَيْن، ذكَرَهُما أبو بكرٍ) أحدُهما، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحدٌ؛ لأن أحمدَ
قال في من قال لِامْرَأتِه: أنْتِ طالِقٌ بل أنتِ طالِقٌ: إنَّها لا تَطْلُقُ إلا واحِدَةً. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ، كما لو أقَرَّ بدِرْهَمٍ ثم أنْكَرَه، ثم قال: بَلْ عَلَىَّ دِرْهَمٌ. و «لكنْ» للاسْتِدْراكِ، فهى في مَعْنَى «بَلْ»، إلَّا أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بعدَ الجَحْدِ، إلَّا أن يُذْكَرَ بعدَها الجُمْلةُ. والوجهُ الثانى، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ. ذكَرُه ابنُ أبِى مُوسَى، وأبو بكرٍ عبدُ العَزِيزِ.
ويَقْتَضِيه قولُ زُفَرَ، ودَاوُدَ؛ لأَنَّ ما بعدَ الإضْرَابِ يُغايِرُ ما قَبْلَه، فيَجِبُ أن يكونَ الدِّرْهَمُ الذى أضْرَبَ عنه غيرَ الدِّرْهَمِ الذى أقَرَّ به بعدَه، فيَجِبُ الإثْباتُ، كما لو قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ، بل دينارٌ. ولأَنَّ «بَلْ» مِن حُرُوفِ العَطْفِ، والمَعْطُوفُ غيرُ المَعْطوفِ عليَه، فوَجَبَا جَميعًا، كما لو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ. ولأنّا لو لم نُوجِبْ عليه إلَّا دِرْهَمًا، جَعَلْنا كَلامَه لَغْوًا، وإضْرابَه غيرَ مُفِيدٍ، والأَصْلُ في كَلامِ العاقِلِ أن يكونَ مُفِيدًا. ٥٢٠٠ -
(وَإِنْ قَالَ: لَهُ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنْ دِرْهَمٌ. فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ) : أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ. قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي.
قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ: لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً. وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِأَثَرٍ مِنْ دِرْهَمٍ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; حَمْلًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى الْفَائِدَةِ؛ وَلِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ؛ وَلِأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنِ الْأَوَّلِ ثَلَاثَةً، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِضْرَابِهِ، وَأَثْبَتَ الثَّانِي مَعَهُ.
وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ بَلْ ثَلَاثَةٌ. وَجَبَ ثَلَاثَةٌ.
وإنْ قال: أنا مُقِرٌّ. أو: خُذْها. أو: اتَّزِنْها. أو: اقْبِضْها. أو: أحْرِزْها. أو: هى صِحاحٌ. فهل يَكُونُ مُقِرًّا؟ على وَجْهَيْن. وأَطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوِى». وأَطْلَقهما فى [«المُسْتَوْعِبِ» فى ذلك، إلا فى قوْلِه: أنا مُقِرٌّ. وأَطْلَقَهما فى] «التَّلْخِيصِ» فى قوْلِه: خُذْها. أو: اتزِنها. [وأَطْلَقهما فى «الخُلاصةِ» فى قوْلِه: أنا مُقِرٌّ] ؛ أحدُهما، يكونُ مُقِرًّا. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «تَصْحيحِ المُحْرَّرِ». وجزَم به فى «الوجِيزِ». وصحَّحه فى «النَّظْمِ» فى قوْلِه: إنِّى مُقِرٌّ. وجزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذكِرَتِه». واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ. والوَجْهُ الثَّانى، لا يكونُ مُقِرًا. جزَم به فى «المُنَوِّرِ».
وجزَم به النَّاظِمُ فى غيرِ قوْلِه: إنى مُقِرٌّ. وقدَّمه فى «الكافِى» فى قوْلِه: خُذْها. أو: اتزِنْها. أو: هى صِحاحٌ. قال فى «القَواعِدِ الأُصُوليَّةِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أشْهَرُ الوَجْهَيْن فى قوْلِه: أنا مُقِرٌّ. أنَّه لا يكونُ إقْرارًا. [وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»] فوائد؛ الأولى، قال ابنُ الزَّاغونِىِّ: قوله: كأَنِّى جاحِدٌ لك. أو: كأَنِّى جحَدْتُكَ حقَّكَ. أقوَى فى الإِقْرارِ مِن قوْلِه: خُذْه.
الثَّانيةُ، لو قال: أليس لى عليْكَ أَلْفٌ؟ فقال: بلَى. فهو إقْرارٌ، ولا يكونُ مُقِرًّا بقوْلِه: نعم. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أَنْ يكونَ مُقِرًّا مِن عامِّىٍّ، كقَوْلِه: عَشرَةٌ غيرُ دِرْهَم. يَلْزَمُه تِسْعَةٌ.
قلتُ: هذا التَّوْجيهُ عيْنُ الصَّوابِ الذى لا شكَّ فيه، وله نظائِرُ كثيرةٌ، ولا يعْرِفُ ذلك إلَّا الحُذَّاقُ مِن أَهْلِ العَربِيَّةِ، فكيف يُحْكَمُ بأنَّ العامِّىَّ يكونُ كذلك؟ هذا مِن أبعَدِ ما يكونُ. وتقدَّم فى بابِ صَريحِ الطَّلاق وكِنايته ما يُؤَيِّدُ ذلك. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ فى غيرِ العامِّىِّ احْتِمالٌ. وما هو ببعيدٍ. وفى «نِهايةِ ابنِ رَزِينٍ»، إذا قال: لى عليْكَ كذا. فقال: نعم. أو: بلَى. فَمُقِرٌّ. وفى «عُيونِ المَسائلِ»، لَفْظُ الإِقْرارِ يخْتَلِفُ باخْتِلافِ الدَّعْوى،
فإذا قال: لى عليْكَ كذا؛ فجَوابُه: نعم. وكان إقْرارًا،
وإنْ قال: أليسَ لى عليْكَ كذا؟. كان الإِقْرارُ بـ «بلى». وتقدَّم نظيرُ ذلك، فى أوائلِ بابِ صَرِيحِ الطَّلاق وكِنايَتِه.
الثَّالثةُ، لو قال: أعْطِنى ثَوْبِى هذا. أو: اشْتَرِ ثوْبِى هذا. أو: أعْطِى أَلْفًا مِنَ الذى لى عليكَ. أو قال: لى عليكَ أَلْفٌ؟ أو: هل لى عليكَ ألْفٌ؟ فقال فى ذلك وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. أو: فِى عِلْمِى. أَوْ: فِيمَا أَعْلَمُ. أَوْ قَالَ: اقْضِنِى دَيْنِى عَلَيْكَ ألفًا. أَوْ: أَسْلِمْ إِلَىَّ ثَوْبِى هَذَا. أَوْ: فَرَسِى هَذِهِ. فقال: نَعَمْ. فَقَدْ أَقَرَّ بِهَا.
كلِّه: نعم. أو: أمْهِلْنِى يَوْمًا. أو: حتى أفْتَحَ الصُّنْدوقَ. أو قال: له علىَّ ألْفٌ إلَّا أَنْ يَشاءَ زَيْدٌ. أو: إلَّا أَنْ أقُومَ. أو: فى عِلْمِ اللَّه. فقد أقَرَّ به فى ذلك كلِّه.
وإنْ قال: له علَىَّ أَلْفٌ فيما أظُنُّ. لم يكُنْ مُقِرًّا.
وإنْ قالَ: دِرْهَمٌ، بل دِرْهَمٌ. أو: دِرْهَمٌ، لكن دِرْهَمٌ. فهل يَلْزَمُه دِرْهَمٌ أو دِرْهَمان؟ على وَجْهَيْن، ذكَرَهما أبو بَكْرٍ. وأَطْلَقهما فى «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «النَّظْمِ»؛ أحدُهما، يَلْزَمُه دِرْهَمان. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «المُنْتَخَبِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثَّانى، يلْزَمُه دِرْهَمٌ. جزَم به فى . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُنَوِّرِ». [وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»] . [وحكَاهما فى «التَّلْخيصِ» عن أبى بَكْرٍ] .
وقال فى «التَّرْغيبِ»: فى: دِرْهَمٌ بل دِرْهَمٌ. رِوايَتان .
فوائد : لو قال: له عَلَى درْهَمٌ، فَدِرْهَمٌ. لَزِمَه دِرْهَمان. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: دِرْهَمٌ فقَطْ. قال فى «الرِّعايَةِ»: وهو بعيدٌ. فعلى المذهبِ، لو نوَى: فدِرْهَمٌ لازِمٌ لى. أو كرَّرَ بعَطْفٍ ثلاثًا، ولم يُغايِرْ حُروفَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَطْفِ، أو قال: له درْهَمٌ درْهَمٌ درْهَمٌ. ونوَى بالثَّالثِ تأْكِيدَ الثَّانى.
وقيل: أو أَطْلقَ بلا عَطْفٍ، فقيلَ: يُقْبَلُ منه ذلك، فيَلْزَمُه دِرْهَمان. قال فى «التَّلْخيصِ»،
و «البُلْغَةِ»: ولو قال: دِرْهَمٌ ودرهمٌ ودرهمٌ. وأرادَ بالثَّالثِ تَكْرارَ الثَّانى وتوْكِيدَه، قُبِلَ،
وإنْ أرادَ تَكْرارَ الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ؛ لدُخولِ الفاصِلِ .
وقال فى «القَواعِدِ الأُصُوليَّةِ»: إذا قال: له علىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ. وأرادَ بالثَّالثِ تأْكيدَ الثَّانى، فهل يُقْبَلُ منه ذلك؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ. قالَه القاضى فى «الجامعِ الكَبِيرِ»، وفرَّق بينَه وبينَ الطَّلاقِ. والثَّانى، بُقْبَلُ. قالَه فى «التَّلْخيصِ». انتهى.
وقيل: لا يُقْبَلُ منه ذلك، فيَلْزَمُه ثلاثةٌ. وقدَّمه فى «الكافِى»، وابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه». وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ». قال فى «الرِّعايَةِ»: يَلْزَمُه ثلَاثَةٌ فى المَسْألَةِ الثَّانيةِ والثَّالثَةِ.
ثم قال: فإنْ أرادَ بالثَّالثِ تَكْرارَ الثَّانى وتوْكِيدَه، صُدِّقَ ووَجَبَ اثْنان. ورجَّح المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، أنَّه لا يُقْبَلُ لو نوَى فدِرْهَمٌ لازِمٌ لى.
وكذا فى الثَّانيةِ. ورجَّحه فى «الكافِى» فى الثَّانيةِ.
وإنْ غايَرَ حُروفَ العَطْفِ، ونوَى بالثَّالثِ تأْكِيدَ الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ للمُغايَرَةِ وللفاصِلِ . وأطْلَقَ وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ هَذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذَانِ الدِّرْهَمَانِ. لَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ.
وَإِنْ قَالَ: قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بَل قَفِيزُ شَعِيرٍ.
أَوْ: دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ. لَزِمَاهُ مَعًا.
الأَزَجِىُّ احْتِمالَيْن. قال : ويَحْتَمِلُ الفَرْقَ بينَ الطَّلاقِ والإِقْرارِ،
فإنَّ الإِقْرارَ إخْبارٌ، والطَّلاقَ إنْشاءٌ.
قال: والمذهبُ أنَّهما سواءٌ، إنْ صحَّ صحَّ فى الكُلِّ، وإلَّا فلا. وذكرَ قوْلًا فى: دِرْهَمٌ فقَفِيزُ بُرٍّ. أنَّه يَلْزَمُ الدِّرْهَمُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: قَفِيزُ بُرٍّ خيرٌ منه. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. فيَتَوَجَّهُ مِثْلُه فى الواوِ وغيرِها.
قال: (وإن قال: درهم بل درهم، أو درهم لكن درهم فهل يلزمه درهم أو درهمان؟ على وجهين، ذكرهما أبو بكر) .
أما كون قائل ما ذكر يلزمه درهم على وجهٍ؛ فلأن المقر أقرّ بدرهم مرتين. فلم يلزمه أكثر من درهم؛ كما لو قال: عليّ درهم ثم أنكر أن يكون عليه شيء ثم قال: عليّ درهم.
ولأنه يحتمل أن يكون الأول يستدرك زيادة. فذكر أنه لا زيادة عليه. فلم يستدرك.
وأما كونه يلزمه درهمان على وجه؛ فلأنه أقرّ بالدرهم الأول ثم أضرب عنه ولا يصح ثم أقرّ بالثاني فيصير ب منزلة ما لو أقرّ بدرهمين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.