وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا تَجِبُ القِراءَةُ على المَأْمُومِ) هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ومِمَّن كان لا يَرَى القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ عليٍّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأبو سعيدٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، وجابِرٌ، وابن عُمَرَ، وحُذَيفَةُ بنُ اليَمانِ. وبه يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَينَةَ، وأصحابُ الرَّأْي، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، والأسْوَدُ، وإبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ. قال ابن سِيرِينَ: لا أعْلَمُ مِن السُّنَّةِ القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ.
وقال الشافعيُّ، وداودُ: تَجِبُ القِراءَةُ؛ لقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب». مُتَّفَقٌ عليه . وعنِ عُبادَةَ، قال: كنّا خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقَرَأ، فثَقُلَتْ عليه القِراءَةُ، فلَمّا فَرَغ قال:«لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُون خَلْفَ إِمَامِكُمْ». قُلْنا: نعم يا رسولَ اللهِ. قال:«لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رَواه أبو داودَ . وعن أبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيرُ تَمَامٍ».
قال الرّاوي: فقلتُ: يا أبا هُرَيرَةَ، إنِّي أكُونُ أحْيانًا وراءَ الإمامِ؟ قال: فغَمَزَنِي في ذِراعِي وقال: اقْرَأْ بها في نَفْسِك يا فارِسِيُّ. رَواه مسلمٌ . ولأنَّها رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ فلم تَسْقُطْ عن المَأْمُومِ، كسائِرِ الأرْكانِ، ولأنَّ مَن لَزِمَه القِيامُ لَزِمَتْه القِراءَةُ إذا قَدَر عليها، كالمُنْفَرِدِ. ولَنا، قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ». رَواه الحسنُ بنُ صالِحٍ، عن لَيثِ بنِ أبي سُلَيمٍ.
فإنَّ قِيلَ: إنَّ لَيثَ بنَ أبي سُلَيمٍ ضَعِيفٌ. قُلْنا: قد رَواه الإِمامُ أحمدُ، ثَنا أسْوَدُ بنُ عامرٍ، ثَنَا الحسنُ بنُ صالِحٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابِرٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وهذا إسْنادٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ، رِجالُه كلُّهم ثِقاتٌ؛ الأسْوَدُ بنُ عامِرٍ روَى له البُخارِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ أدْرَكَ أبا الزُّبَيرِ، وُلِدَ قبلَ وَفاتِه بنَيِّفٍ وعِشْرِين سَنَةً. ورُوِيَ مِن طُرُقٍ خَمْسَةٍ سِوَى هذا . ورُوِيَ أيضًا عن [عليٍّ، وابنِ عُمَرَو] ابنِ عباسٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينِ، وأبي الدَّرْداءِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
أخْرَجَهُنَّ الدّارَقطْنِيُّ] . ورَواه عبدُ اللهِ بنُ شَدّادٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. أخْرَجَه الإِمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، وغيرُهما . ورُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: ليس على الفِطْرَةِ مَن قَرَأ خلفَ الإِمامِ .
وقال ابنُ مسعودٍ: وَدَدْتُ أنَّ مَن قَرَأ خلفَ الإِمامِ مُلِئَ فُوهُ تُرابًا . ولأنَّ القِراءَةَ لو وَجَبَت على المَأمُومِ لَما سَقَطَتْ عن المَسْبُوقِ، كسائِرِ الأرْكانِ.
وأمّا أحادِيثُهم فالحَدِيثُ الأوَّلُ الصَّحِيحُ مَحْمُوَلٌ على غيرِ المَأْمُومِ،
وكذلك حَدِيثُ أبي هُرَيرَةَ، وقد جاء مُصَرَّحًا به، فَروَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ، إلَّا وَرَاءَ الإِمَامِ». رَواه الخَلّالُ. وقولُ أبي هُرَيرَةَ: اقرَأْ بها في نَفْسِك. مِن كَلامِه ورَأْيِه، وقد خالفَه غيرُه مِن الصحابةِ. وحديثُ عُبادَةَ لم يَرْوه غيرُ ابن إسحاقَ، ونافِعِ ابنِ محمودِ بنِ الرَّبِيعِ، وهو أدْنَى حالًا مِن ابنِ إسحاقَ. وقِياسُهم على المُنْفَرِدِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُنْفَرِدَ ليس له مَن يَتَحَمَّلُ عنه القِراءَةَ،
بخِلافِ المَأْمُومِ.
٥٤١ -
(وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ) أَيْ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ (عَلَى الْمَأْمُومِ) ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» .
قَالَ فِي الشَّرْحِ: هَذَا إِسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ لَيْثَ بْنَ أَبِي سَلَيْمٍ، وَجَابِرًا الْجُعْفِيَّ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا.
قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: هُوَ الصَّحِيحُ، وَصَوَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ؛ وَالْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى مَأْمُومٍ: أَيْ يَحْمِلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ. نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي؛ كَمَا يَحْمِلُ عَنْهُ سُجُودَ سَهْوٍ وَسُتْرَةً،
وَكَذَا تَشَهُّدٌ أَوَّلُ إِذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةِ، وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ، وَدُعَاءِ قُنُوتٍ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ،
وَعَنْهُ: تَجِبُ. ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا:«إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ، لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ مُدَلِّسٌ،
وَقِيلَ: فِي صَلَاةِ السِّرِّ. ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
قَالَ أَحْمَدُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قِرَاءَتُهُ تَكْفِيكَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا. رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ.
ولا تَجِبُ القراءةُ على المأمومِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. نصَّ عليه، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، تجبُ القِراءَةُ عليه. ذكَرَها التِّرْمِذِيُّ، والبَيهَقِيُّ، وابنُ الزَّاغُونِيِّ. واخْتارَها الآجُرِّيُّ. نقَل الأَثْرَمُ، لا بُدَّ للمأْمومِ مِن قراءَةِ الفاتحةِ. ذكَره ابنُ أبِي مُوسى في «شَرْحِ الخِرَقِيِّ».
وقال: إنَّ كثيرًا مِن أصحابِنا لا يعْرِفُ وُجوبَها. حكَاه في «النَّوادِرِ»
قال في «الفُروعِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه الرِّوايَةُ أظْهَرُ. وقيل: تجِبُ في صلاةِ السِّرِّ. وحكَاه عنه ابن المُنْذِرِ. وأطْلقهما ابن تَميمٍ. ونقَل أبو داودَ، يقْرَأُ خلْفَه في كلِّ ركْعَةٍ إذا جهَر.
قال: في الرَّكْعَةِ الأُولَى يُجزِئُ.
وقيل: تجِبُ القراءةُ في سَكَتاتِ الإِمامِ وما لا يَجْهُرُ فيه.
تنبيه: قوْلُه: ولا تجِبُ القِراءَةُ على المأْمومِ. معْناه، أنَّ الإِمامَ يَتَحَمَّلُها عنه، وإلَّا فهي واجِبَةٌ عليه. هذا مَعْنَى كلامِ القاضي وغيرِه. واقْتَصَر عليه في «الفُروعِ» وغيرِه.
فائدة: يتَحَمَّلُ الإِمامُ عنِ المأْمومِ قِراءَةَ الفاتِحَةِ، وسجودَ السَّهْو، والسُّتْرَةَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ما تقدَّم.
قال في «التَّلْخيصِ» وغيره: وكذا التَّشَهُّدُ الأوَّلُ إذا سَبَقَه برَكْعَةٍ، وسُجُودُ التِّلاوَةِ، ودُعاءُ القنوتِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَام، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ، أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَينِ.
قال: (ولا تجب القراءة على المأموم. ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده. فإن لم يسمعه لطرش فعلى وجهين. وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام؟ على روايتين) .
أما كون القراءة لا تجب على المأموم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»[رواه الدارقطني].
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يكفيك قراءة الإمام خافتَ أو جهر».
ولأنه حال جهر الإمام مأمور بالإنصات وذلك ينافي وجوب القراءة عليه.
وأما كونه يستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده؛ فلأن القراءة مشروعة في جميع الصلاة لأنها محل ذلك. وإنما تُرك ذلك في حق المأموم فيما يجهر فيه إمامه لأنه يشوش عليه ويمنعه من سماع القراءة. وهذا المعنى مفقود في هذه المواضع فيبقى على مقتضى الدليل.
ولأنه روي في بعض ألفاظ الحديث:«إذا أسررتُ بقرائتي فاقرؤا».
وأما كونه إذا لم يسمعه لطرش يستحب له القراءة على وجهٍ؛ فلأنه لا يسمع فلا يكون مأموراً بالإنصات فشرع له القراءة كالذي قبله.
وأما كونه يكره له على وجهٍ؛ فلما فيه من تشويش الصلاة على الإمام وعلى من يُنصت من بقية المأمومين.
وأما كونه يستحب له أن يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام على روايةٍ؛ فلأن سماعه لقراءة الإمام قامت مقام قراءته
بخلاف الاستفتاح والاستعاذة فإن الإمام يسر بهما فيسن قولهما للمأموم لئلا يترك الأصل وما قام مقامه.
وأما كونه يكره له ذلك على روايةٍ وهي الصحيحة؛ فلأن الاستفتاح والتعوذ تابعان للقراءة فإذا كره المتبوع كره التابع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.