فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبيرالدردير

(وَأَعْذَرَ) الْقَاضِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وهَذَا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَسِيمِ قَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْفِهَا بِأَنْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَسَمِعَ شَهَادَتَهَا أَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ سَأَلَهُ عَنْ عُذْرِهِ (بِأَبْقَيْت لَك حُجَّةٌ) أَيْ مَطْعَنٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أَنْظَرَهُ كَمَا يَأْتِي وَالْإِعْذَارُ وَاجِبٌ وَالْحُكْمُ بِدُونِهِ بَاطِلٌ فَيُنْقَضُ وَيُسْتَأْنَفُ

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الدسوقيالدسوقي، حاشية على الشرح الكبير

(قَوْلُهُ: وَأَعْذَرَ إلَيْهِ) إمَّا مُسْتَأْنَفٌ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أَقَامَهَا وَسَمِعَهَا الْقَاضِي وَأَعْذَرَ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: أَيْ إلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ مَا يَشْمَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعِيَ إذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِتَجْرِيحِ بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ وَلَوْ عَمَّمَ فِي كَلَامِهِ هُنَا كَانَ مَا يَأْتِي مُكَرَّرًا.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَسَمِعَ شَهَادَتَهَا أَعْذَرَ) كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهُ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ فَإِذَا جَاءَ الْخَصْمُ ذَكَرَ لَهُ الْقَاضِي أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ فَإِنْ ادَّعَى فِيهِمْ مَطْعَنًا كَلَّفَهُ إثْبَاتَهُ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ فَإِنْ طَلَبَ إحْضَارَ الْبَيِّنَةِ ثَانِيًا لِيَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ لَمْ يُجَبْ لِذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: أَيْ سَأَلَهُ عَنْ عُذْرِهِ) ذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي أَعْذَرَ إلَيْهِ لِلسَّلْبِ أَيْ قَطَعَ عُذْرَهُ وَأَزَالَهُ وَلَمْ يُبْقِ لَهُ عُذْرًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَثْبَتَ عُذْرَهُ وَحُجَّتَهُ فَهُوَ كَقَوْلِك أَعْجَمْت الْكِتَابَ أَيْ أَزَلْت عُجْمَتَهُ بِالنَّقْطِ وَشَكَا إلَيَّ زَيْدٌ فَأَشْكَيْتُهُ أَيْ أَزَلْتُ شِكَايَتَهُ.

(قَوْلُهُ: بِأَبْقَيْت إلَخْ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ إعْذَارًا مُصَوَّرًا أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ، أَوْ أَلَك مَطْعَنٌ أَوْ قَادِحٌ، أَوْ مَدْفَعٌ، أَوْ مَقَالٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِهِ نَفْيُهُ لَهُ بِأَنْ قَالَ لَا مَطْعَنَ عِنْدِي وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا " أَيْ وَإِلَّا يَنْفِهِ وَلَكِنْ وَعَدَ بِإِثْبَاتِهِ أَنْظَرَهُ فَإِنْ أَرَادَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الطَّعْنَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَّمَ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ الْمَحْكُومَ بِشَهَادَتِهَا فَلَا يُقْبَلُ طَعْنُهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْهَا وَكَانَ عَدَمُ طَعْنِهِ لِعَدَمِ وُجُودِ بَيِّنَةٍ تَطْعَنُ أَوْ نَسِيَهَا، أَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَهُ الطَّعْنُ بَعْدَ الْحُكْمِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ

١٣٬٢١٧

وَكَذَا يُقَالُ إذَا أَمْهَلَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: وَالْإِعْذَارُ وَاجِبٌ) مَحَلُّ وُجُوبِهِ إنْ ظَنَّ الْقَاضِي جَهْلَ مَنْ يُرِيدُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ الطَّعْنَ، أَوْ ضَعْفَهُ

١٣٬٢١٨

وَأَمَّا إنْ ظَنَّ عِلْمَهُ بِأَنَّ لَهُ الطَّعْنَ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ بَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِدُونِهِ.

(قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ بِدُونِهِ بَاطِلٌ فَيُنْقَضُ وَيَسْتَأْنِفُ) هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبُرْزُلِيِّ وَقَالَ النَّاصِرُ: لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِدُونِ إعْذَارٍ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ الْإِعْذَارَ فَإِنْ أَبْدَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَطْعَنًا نَقَضَهُ وَإِلَّا بَقِيَ الْحُكْمُ وَهُوَ لَا يُعَادِلُ الْأَوَّلَ لِحِكَايَةِ صَاحِبِ الْمِعْيَارِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ بِدُونِ الْإِعْذَارِ مَحَلُّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْخَصْمَيْنِ وَالْقَاضِي

١٣٬٢١٩

وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَدَمَ الْإِعْذَارِ وَادَّعَى الْقَاضِي أَوْ الْمَحْكُومُ لَهُ الْإِعْذَارَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَمَا قَالَ الْأَخَوَانِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا يُسْتَأْنَفُ الْإِعْذَارُ فَإِنْ أَبْدَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَطْعَنًا نُقِضَ وَإِلَّا فَلَا.

مواهب الجليلالحطاب

[تَنْبِيهٌ أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتِهِمَا فَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا] ص (وَأَعْذَرَ بِأَبْقَيْتُ لَك حُجَّةً) ش تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) كَانَ الْمُصَنِّفُ هَرَبَ بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ لَكَ مِمَّا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَثْنِيَتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهَا وَجْهَ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتِهِمَا فَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُمَا أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ فَإِنْ قَالَا: لَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ حُجَّةٌ بَعْدَ إنْفَاذِهِ، انْتَهَى.

فَقِيلَ الْحُجَّةُ إنَّمَا تُطْلَبُ مِمَّنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلِهَذَا اخْتَصَرَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ لَكِنْ أُجِيبَ عَنْهَا بِأَنَّ الْحُكْمَ تَارَةً يَتَوَجَّهُ عَلَى الطَّالِبِ وَتَارَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقْوَى حُجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَضْعُفُ حَجَّةُ الْمُدَّعِي فَيَتَوَجَّهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْإِبْرَاءِ وَغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ فَلَمَّا كَانَ يُعْذَرُ تَارَةً إلَى هَذَا وَتَارَةً إلَى هَذَا اخْتَصَرَ وَأَتَى بِذَلِكَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ كَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ (الثَّانِي) اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَقِيلَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ

٢٩٬٧٧٣

وَقِيلَ بَعْدَهُ ذَكَرَهُ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ وَلَا تَتِمُّ قَضِيَّةُ الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ، انْتَهَى.

٢٩٬٧٧٤

وَفِي آخِرِ وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ فِي تَسْجِيلٍ بِنَقْضِ حُكْمِ قَضَاءِ قَاضٍ فَنَظَرَ فِيهِ فَتَبَيَّنَ لَهُ مِنْ خَطَئِهِ وَجَهْلِهِ بِالسُّنَّةِ مَا أَوْجَبَ فَسْخَ قَضَائِهِ عِنْدَ فُلَانٍ إذَا كَانَ لَمْ يَعْذِرْ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ الَّذِينَ حَكَمَ بِهِمْ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ جَائِزًا إذْ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ، انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ قَبْلَ الْإِعْذَارِ لَا يَجُوزُ وَفِي الْبُرْزُلِيِّ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ وَحَكَى ابْنُ فَرْحُونٍ مَسْأَلَةً طَوَّلَ فِيهَا مِنْ ابْتِيَاعٍ وَخُصُومَةٍ فِيهَا فَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ حُكْمًا وَقَعَ بِغَيْرِ إعْذَارٍ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ إِسْحَاقَ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ إعْذَارٍ غَيْرُ صَوَابٍ وَلَا هُوَ مِنْ وَجْهِ الْحَقِّ؛

لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَنْ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ وَلَيْسَ نَظَرُهُ بِحُجَّةٍ، قَالَ: وَفِيهِ ضَعْفٌ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا لَمْ يُكْتَبْ الْإِعْذَارُ فِي الْحُكْمِ وَزَعَمَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْحَاكِمِ أَوْ عَزْلِهِ أَنَّهُ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ جُرْحِ الشَّاهِدِ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ وَالْحُكْمُ مَاضٍ عَلَيْهِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا: إنْ دُعِيَ إلَى الْإِعْذَارِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ إلَيْهِ وَذَلِكَ مِنْ حَقِّهِ فَإِنْ أَتَى بِمِدْفَعٍ نَظَرَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمِدْفَعٍ مَضَى الْحُكْمُ بِالْإِعْذَارِ إلَيْهِ وَلَا يَسْتَأْنِفُ النَّظَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحُكْمِ لِغَفْلَةِ مَنْ غَفَلَ عَنْ تَتَبُّعِ حَقِّهِ، انْتَهَى.

وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْغَائِبَ عَلَى حُجَّتِهِ وَلَهُ نَقْضُ الْحُكْمِ إذَا ظَهَرَ مَا يَنْقُضُهُ وَلَوْ لَمْ تُرْجَ لَهُ الْحُجَّةُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ تُرْجَ لَهُ الْحُجَّةُ وَفِي أَثْنَاءِ شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَسْمِ طَلَّقَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي بَابِ مَا يُفْسَخُ فِيهِ حُكْمُ الْقَاضِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

التاج والإكليلالمواق

(وَأَعْذَرَ بِأَبْقَيْتُ لَك حُجَّةٌ) الْمُتَيْطِيُّ: الْإِعْذَارُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُذْرِ. يُقَالُ أَعْذَرَ الرَّجُلُ أَيْ أَتَى بِعُذْرٍ صَحِيحٍ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ " مَنْ أَنْذَرَ فَقَدْ أَعْذَرَ " أَيْ بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْك فَأَنْذَرَك، وَمِنْهُ أَعْذَرَ الْقَاضِي إلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي الشُّهُودِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا " قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ " يَقُولُ لَهُمَا أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ

لا زيادة له على هذه المسألة.

شرح الخرشيالخرشي

(ص) وَأَعْذَرَ إلَيْهِ بِ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ، وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ (ش) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ قَسِيمُ قَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا أَيْ إنْ قَالَ نَعَمْ، أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا وَسَمِعَهَا وَأَعْذَرَ بِ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ

٩٬٨٤٧

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أَيْ وَأَعْذَرَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَجِّهَ الْحُكْمَ إلَيْهِ مِنْ مُدَّعٍ أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَطْعَنٍ فِي الْبَيِّنَةِ نَفَّذَ مَا شَهِدَتْ بِهِ وَإِلَّا أَنْظَرَهُ لِإِثْبَاتِ مَا يَدَّعِيهِ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا يَأْتِي، وَالْإِعْذَارُ وَاجِبٌ فَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِهِ نُقْضَ الْحُكْمُ قَالَهُ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ يَسْتَأْنِفُ لَهُ الْإِعْذَارَ فَإِنْ أَبْدَى مَطْعَنًا نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا،

٩٬٨٤٨

وَلَوْ ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَدَمَ الْإِعْذَارِ لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ، قَالَهُ الْأَخَوَانِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا يَسْتَأْنِفُ الْإِعْذَارَ فَإِنْ أَبْدَى مَطْعَنًا نُقِضَ وَإِلَّا فَلَا،

٩٬٨٤٩

وَيُنْدَبُ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِي الْإِعْذَارِ إنْ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَائِبًا وَسَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ فِي غَيْبَتِهِ

حاشية العدويالعدوي، حاشية على شرح الخرشي

(قَوْلُهُ: وَأَعْذَرَ إلَيْهِ) وَالْإِعْذَارُ سُؤَالُ الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ هَلْ عِنْدَهُ مَا يَجْرَحُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ أَمْ لَا وَالْهَمْزَةُ فِي أَعْذَرَ لِلسَّلْبِ مِثْلُ شَكَا إلَيَّ زَيْدٌ فَأَشْكَيْتُهُ أَيْ أَزَلْت شِكَايَتَهُ وَأَعْجَمْت الْكِتَابَ أَيْ أَزَلْت عُجْمَتَهُ أَيْ قَطَعَ عُذْرَهُ أَيْ لَمْ يُبْقِ لَهُ عُذْرًا أَيْ قَطَعَ حُجَّتَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَثْبَتَ عُذْرَهُ.

(قَوْلُهُ: بِ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ أَوْ يَقُولُ لَهُ أَلَك مَطْعَنٌ أَوْ قَادِحٌ أَوْ مَدْفَعٌ أَوْ مَقَالٌ.

(قَوْلُهُ: مِنْ مُدَّعٍ أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ) وَالْإِعْذَارُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَيْهِ وَلِلْمُدَّعِي فِيمَنْ يَجْرَحُ بَيِّنَتَهُ فَيَقُولُ أَلَك حُجَّةٌ تَطْعَنُ فِي الْمَطْعَنِ أَوْ بَيِّنَةٌ غَيْرُ هَذِهِ.

(قَوْلُهُ: نَفَذَ مَا شَهِدَتْ بِهِ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ الشَّارِحِ نَفَذَ مِنْ النُّفُوذِ.

(قَوْلُهُ: نُقِضَ الْحُكْمُ قَالَهُ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ) وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَالْإِعْذَارُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى

تعليق

ثُمَّ إنَّ الْإِعْذَارَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا لَوْ حَبَسَ عَقَارًا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَادَّعَى شَخْصٌ مِنْ وَرَثَةِ الْوَاقِفِ تَوَلَّى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ إلَى أَنْ مَاتَ أَوْ أَنَّهُ شَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ فَهَلْ يُعْذِرُ لِلْفُقَرَاءِ فِي هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ أَوْ لَا وَهُوَ الظَّاهِرُ بَلْ عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْذِرُ إلَيْهِمْ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَتِهِ وَإِذَا شَهِدَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ هَلْ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الشُّهُودِ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْإِعْذَارِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَى التَّوَاتُرِ الْمُحَصِّلِ لِلْعِلْمِ فَلَا إعْذَارَ وَإِلَى هَذَا مَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ والأندلسيي نَ كَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَاتٍ.

(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْقُضْ الْحُكْمَ) وَلَا عِبْرَةَ بِدَعْوَاهُ عَدَمَ الْإِعْذَارِ أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ، وَقَوْلُهُ: قَالَهُ الْأَخَوَانِ أَيْ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ لِمَا قَدَّمْنَا، وَقَدْ يُشْعِرُ بِهِ تَقْدِيمُهُ.

(قَوْلُهُ: تَوْجِيهٌ مُتَعَدِّدٌ فِي الْإِعْذَارِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ.

(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَائِبًا) وَيَقُولَانِ لَهُ قَدْ سَمِعَ الْقَاضِي شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيْك وَهَلْ عِنْدَك مَنْ يُجَرِّحُهُمَا أَمْ لَا وَمُرَادُهُ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً،

١١٬٩٠٥

وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطَةُ أَوْ الْبَعِيدَةُ فَلَا إعْذَارَ بَلْ هُوَ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ .

منح الجليلعليش

(وَأَعْذَرَ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ سَأَلَ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ عَنْ عُذْرِهِ وَحُجَّتِهِ فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى شَهَادَتِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ الْإِعْذَارُ سُؤَالُ الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُوجِبُ الْحُكْمِ هَلْ لَهُ مَا يُسْقِطُهُ أَعْذَارًا مُصَوِّرًا (بِ) قَوْلِهِ لَهُ (أَبَقِيَتْ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ (لَك حُجَّةٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ، أَيْ عُذْرٌ فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْك. الْمُتَيْطِيُّ لَا يُنْفِذُ الْقَاضِي حُكْمَهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَعْذُرَ إلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ وَإِنْ أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُنَيْسٍ، إذْ قَالَ لَهُ اُغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا.

الْحَطّ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ،

١٨٬٦٣٤

وَقِيلَ بَعْدَ الْحُكْمِ ذَكَرَهُ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ.

١٨٬٦٣٥

وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ وَلَا تَتِمُّ قَضِيَّةُ الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ. اهـ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ،

١٨٬٦٣٦

وَفِي التُّحْفَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ.

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرمحمد بن محمد سالم المجلسي

وبين المص الإعذار مدخلا عليه باء التصوير بقوله: بأبقيت لك حجة، والإعذار للمدعى عليه في البينة الشاهدة عليه، وللمدعي في مجرح بينته، فيقول له: ألك حجة تطعن في المجرح لشهودك أو بينة غير هذه؟ ويقول للمدعى عليه: ألك بينة تجرح بها شهود المدعي؟ ويأتي في الشهادات ما يجرح الشهود وقال ابن عرفة: الإعذار سؤال الحاكم من تَوَجَّه عليه موجب الحكم هل له ما يسقطه؟ انتهى.

تعليق

ولو قال: سؤال الحاكم من توجه عليه الحكم عن موجبه هل له ما يسقطه؟ لكان أحسن. قاله الشبراخيتي. وقوله: وأعذر مستأنف، هذا هو المتعين كما يفهم مما قررت. والله سبحانه أعلم. قال الحطاب: واختلف في وقت الإعذار إلى المحكوم عليه، فقيل: قبل الحكم وبه جرى العمل،

٦٢٬٠٣٨

وقيل: بعد الحكم ذكره في مفيد الحكام، ونقله ابن فرحون في تبصرته.

٦٢٬٠٣٩

وفي مسائل ابن زرب: ولا تتم قضية القاضي إلا بعد الإعذار. انتهى.

٦٢٬٠٤٠

وقال عبد الباقي: ثم إن الإعذار مطلقا واجب والحكم بدونه باطل كما قاله أهل المذهب. واعلم أن المشهور أن الإعذار قبل الحكم كما قاله ابن عبد السلام،

٦٢٬٠٤١

وفي التحفة أنه المختار. واعلم أنه إن ثبت وقوع الحكم بدون إعذار نقض الحكم،

٦٢٬٠٤٢

وإن ادّعَي المحكوم عليه عدم الإعذار فإنه لا يتعقب الحكم. قاله الأخوان.

٦٢٬٠٤٣

وقال غيرهما: يستأنف الإعذار، فإن أبدى مَطْعَنا نقض وإلا فلا، قال عبد الباقي: ومحل وجوب الإعذار إن ظن القاضي جهل من يريد الحكم عليه بأن له المطعن أو ضعفه عنه وإلا لم يجب، بل يحكم إن لم يطلب الخصم القدح،

٦٢٬٠٤٤

فإن قال: لا أعرفهم ثم قام بعد ذلك يجرحهم بعداوة لم يقبل وبغيرها قبل. وأشعر قوله: أبقيت لك حجة، أنه لا إعذار لغير معين كمقيم بينة على وقف على فقراء أنه لم يحز عن واقفه حتى حصل مانع، أو أنه شرط النظر لنفسه فيقضى بهما من غير إعذار للفقراء، لكن مع يمين مُقيمهما. انتهى.

٦٢٬٠٤٥

وإذا شهد الجمع الكثير فهل حكمهم حكم الشهود فيفتقر إلى الإعذار أو يجري مجرى التواتر المحصل للعلم فلا إعذار؟ وإلى هذا مال جماعة من القرويين والأندلسين. قاله الشبراخيتي. واعلم أن ما مر من أن للقاضي سماعَ البينة من غير حضور الخصم لا ينافي الإعذار. والله تعالى أعلم.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.