أو حر بعد موتي ما لم يرده ولم يعلقه
الشروح عليها
(أَوْ) قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَنْتَ (حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي) وَلَمْ يُقَيِّدْ بِتَدْبِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ فَوَصِيَّةٌ فِي الثَّلَاثَةِ غَيْرُ لَازِمَةٍ.
وَأَمَّا إنْ قَالَ أَنْت مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي فَتَدْبِيرٌ قَطْعًا
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّدْبِيرَ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِانْبِرَامِ وَاللُّزُومِ لَا عَلَى وَجْهِ الِانْحِلَالِ كَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ كَالْمَوْتِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، فَإِنَّهُ وَصِيَّةٌ وَلَوْ أَتَى بِلَفْظِ التَّدْبِيرِ
وَكَذَا بَعْدَ مَوْتِي إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِلَفْظِ التَّدْبِيرِ وَمَحَلُّ كَوْنِهِ وَصِيَّةً يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ (مَا لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّدْبِيرَ،
فَإِنْ قَصَدَ التَّدْبِيرَ بِأَنْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِالتَّدْبِيرِ أَوْ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي فَعَبْدِي حُرٌّ لَا رُجُوعَ لِي فِيهِ أَوْ لَا يُغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهُوَ تَدْبِيرٌ لَازِمٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ التَّدْبِيرَ (وَ) مَا (لَمْ يُعَلِّقْهُ) عَلَى شَيْءٍ،
فَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ تَدْبِيرًا نَحْوُ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي أَوْ سَفَرِي هَذَا أَيْ وَحَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَالدُّخُولِ إذْ بِحُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ لَزِمَ الْمُعَلَّقَ وَاللَّازِمُ تَدْبِيرٌ لَا وَصِيَّةٌ
(قَوْلُهُ: وَلَا غَيْرِهِ) أَيْ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّدْبِيرِ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إنْ قَالَ أَنْتَ مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي) أَيْ أَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِالتَّدْبِيرِ فَهُوَ تَدْبِيرٌ فِيهِمَا قَطْعًا
(قَوْلُهُ: مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِانْبِرَامِ وَاللُّزُومِ) أَيْ مِنْ الْآنِ كَدَبَّرْتُكَ أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبْرٍ مِنِّي،
وَإِنْ كَانَ مُعَلِّقًا عَلَى الْمَوْتِ كَأَنْتَ مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِالتَّدْبِيرِ
(قَوْلُهُ: لَا عَلَى وَجْهِ الِانْحِلَالِ) أَيْ لَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِانْحِلَالِ وَقَوْلُهُ كَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ أَيْ مُعَلَّقًا عَلَى وَجْهٍ وَقَوْلُهُ يَكُونُ أَيْ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ أَوْ لَا يَكُونَ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَتَى إلَخْ) أَيْ بِأَنْ قَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مِنْ سَفَرِي هَذَا فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ
(قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِلَفْظِ التَّدْبِيرِ) أَيْ كَأَنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَيْ
وَأَمَّا إنْ قَيَّدَ بِهِ كَأَنْتَ مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِالتَّدْبِيرِ كَانَ تَدْبِيرًا
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ كَوْنِهِ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الصِّيَغِ الثَّلَاثَةِ
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهُ بِأَنْ خَلَا لَفْظُهُ عَنْ نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ،
فَإِنْ أَرَادَهُ بِنِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ لَزِمَهُ هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَفِي بْن إنْ لَمْ يَرُدَّهُ أَيْ بِالنِّيَّةِ.
وَأَمَّا إذْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ إذَا مِتُّ فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ لَا يُغَيِّرُ إلَخْ فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ التَّدْبِيرِ الصَّرِيحِ لَا بِالْإِرَادَةِ قَوْلُهُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ مَا إذَا أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّدْبِيرِ
(قَوْلُهُ وَمَا لَمْ يُعَلِّقْهُ) أَيْ وَمَا لَمْ يُعَلِّقْ مَا ذَكَرَ مِنْ الصِّيَغِ الثَّلَاثِ عَلَى شَيْءٍ،
فَإِنْ عَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ كَانَ تَدْبِيرًا.
(قَوْلُهُ: فَأَنْتَ حُرٌّ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي أَوْ مِنْ سَفَرِي هَذَا) أَيْ وَإِنْ كَلَّمْتُ أَوْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي
(قَوْلُهُ: لَزِمَ الْمُعَلَّقُ) أَيْ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ
(قَوْلُهُ: وَاللَّازِمُ تَدْبِيرٌ لَا وَصِيَّةٌ) فِيهِ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُعَلَّقَةٌ فِي الصِّيغَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ مِنْ صِيَغِ الْوَصِيَّةِ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهَا تَلْزَمُ بِحُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَاللَّازِمُ تَدْبِيرٌ لَا وَصِيَّةٌ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ هُنَا اخْتِيَارِيٌّ وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الِاخْتِيَارِيِّ يَلْزَمُ بِحُصُولِهِ عَلَى قَاعِدَةِ الْحِنْثِ
بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مِنْ سَفَرِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ،
فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ فِيهِمَا الْمَوْتُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ أَوْ مِنْ هَذَا السَّفَرِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِمَا التَّدْبِيرُ إلَّا بِإِرَادَتِهِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(أَوْ) قَوْلُهُ أَنْتَ (حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ) مَثَلًا أَوْ شَهْرٍ أَوْ عَامٍ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا. فِيهَا إنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ فَهُوَ فِي الثُّلُثِ، وَيَلْحَقُهُ الدَّيْنُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
أو حر بعد موتي بيوم يعني أنه إذا قال شخص لعبده: أنت حر بعد موتي بيوم أو شهر أو أكثر من ذلك أو أقل فإنه يكون وصية لمخالفته للتدبير لكونه غير معلق على الموت إن لم يرده ولم يعلقه فحذف منه ذلك لدلالة ما قبله عليه. قاله عبد الباقي. عن الأجهوري.
وقال الخرشي: وأما إذا قال لعبده أنت حر بعد موتي بيوم أو شهر أو أكثر أو أقل من ذلك فإنها تكون وصية غير لازمة، وسواء أراد التدبير أو لم يرده إلا أنه إذا أراده كان وصية التزم عدم الرجوع فيها، والوصية إذا التزم عدم الرجوع فيها هل تلزم أو لا؟ قولان. اهـ. ونقل هذا عبد الباقي عن بعض الشراح. والله تعالى أعلم.
وأشار إلى صيغ التدبير الصريحة بقوله: بدبرتك يعني أن التدبير يكون بدبرتك،
فإذا قال لعبده دبرتك فإن ذلك عقد لازم لا رجوع له فيه. قال الخرشي: هذا شروع في صريح التدبير وهو متعلق بالمصدر وهو تعليق: والمعنى أن المكلف إذا علق العتق على موته بصيغة من الصيغ الثلاث، يعني: بدبرتك، أو أنت مدبر أو حر عن دبر مني فإنه يكون تدبيرا صريحا إلا أن يقول ما لم أغير ذلك أو أرجع عنه أو أفسخه،
فإن ذلك يكون قرينة صارفة عن التدبير إلى الوصية، وهذا حكم صريح في الوصية إذا صحبته قرينة على التدبير انعقد كقوله: إذا مت فعبدي فلان حر لا يغير عن حاله ونحو ذلك. انتهى كلام الخرشي.
وقال الشبراخيتي: وقد يصحب صريح التدبير قرائن تصرفه للوصية كعكسه. قال ابن عبد السلام: فالأول إذا اقترن به ما يدل على الوصية من اشتراط التغيير أو الرجوع،
والثاني ما قدمه المص بقوله: "إن لم يرده ولم يعلقه" ، والفرق بين أنت حر عن دبر مني وبين حر بعد موتي أن هذا لما كان صريحا في الباب لم يحتج إلى الإرادة،
بخلاف حر بعد موتي. اهـ.
تنبيه: ظاهر قول المص أن هذه الصيغ الثلاث تدبير مطلقا علقها أم لا، وقد مر لي التصريح بذلك وهو ما في كتاب محمد وكتاب ابن سحنون، ولابن رشد عن ابن القاسم خلاف ذلك،
وفي المواق ما نصه: والذي لابن يونس ما نصه: قال ابن القاسم: من
قال في مرضه إن مت من مرضي فعبدي فلا ن مدبر فهو تدبير لازم ولا رجوع فيه.
وقاله ابن كنانة: وقال ابن رشد: إن قيد تدبيره بمرض أو سفر أو ما أشبه ذلك مما قد يكون أو لا يكون، مثل أن يقول إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا أو في هذا البلد أو أنت مدبر إذا قدم فلان وما أشبه ذلك، فقال ابن القاسم في العتبية: إنها وصية وليس بتدبير وله أن يرجع عنه في مرضه ذلك وبيعه إن شاء،
وقال في كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون: إنه تدبير لازم وهذا الخلاف عندي قائم من المدونة. راجع المقدمات. واتفق قول ابن القاسم أنه إذا قال أنت حر بعد موتي أو إذا مت أنه محمول على الوصية حتى يتبين أنه أراد التدبير وخالفه أشهب ولكلا القولين وجه من النظر أعني قولي ابن القاسم وأشهب؛
ولو قال: إن فعلت كذا
وكذا فعبدي حر بعد موتي ففعله لكان مدبرا لا رجوع فيه على قوليهما جميعا لوجوب العتق عليه بالموت بعد الحنث. قال ابن العربي: فالمعلق أشد من غير المعلق والمطلق أخف من المعلق،
وأما إن علق على الموت كأنت حر بعد موتي أو إذا مت، فقال ابن القاسم: إنه وصية حتى يريد التدبير،
وقال أشهب: هو تدبير، وقد تقدم قول ابن رشد إن لكل من القولين وجها من النظر،
وأما إن لم يعلق التدبير على الموت فقال ابن رشد: التدبير عقد من عقود الحرية يلزم من التزمه
ويجب على من أوجبه على نفسه، قال: وهذا إذا كان مطلقا غير مقيد وقد تقدم إذا قيده، قال: وصفة التدبير المطلق اللازم أن يقول الرجل في عبده هو مدبر أو حر عن دبر مني أو حر بعد موتي بالتدبير أو حر بعد موتي لا يغير عن حاله.
ابن شأس: فإن اقتصر على أنت حر بعد موتي فهذا وصية مالم ينو به التدبير،
ومن المدونة: إن قال أنت حر بعد موتي بيوم أو شهر فهو من الثلث ويلحقه الدين. ابن يونس: يريد وهذه وصية له الرجوع فيها. اهـ كلام المواق.
وفي حاشية البناني ما نصه: وانظر هل ينصرف - يعني صريح التدبير لها يعني للوصية - بالنية وظاهر التوضيح الانصراف. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.