وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ
الشروح عليها
(وَفِي كَوْنِهَا) دَائِرَةً (بِالْعَامِ) كُلِّهِ (أَوْ بِرَمَضَانَ) خَاصَّةً (خِلَافٌ وَانْتَقَلَتْ) عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَلَا تَخْتَصُّ بِلَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الْعَامِ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا فِي رَمَضَانَ عَلَى الثَّانِي
وَقِيلَ تَخْتَصُّ بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَتَنْتَقِلُ أَيْضًا
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ص) وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ، أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ وَانْتَقَلَتْ (ش) يَعْنِي: أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هَلْ هِيَ فِي جَمِيعِ الْعَامِ أَيْ: دَائِرَةٌ فِي جَمِيعِ لَيَالِيِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ هِيَ خَاصَّةٌ بِرَمَضَانَ كُلِّهِ؟ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وَشَهَرَهُ ابْنُ غَلَّابٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْخِلَافِ وَعَلَى كُلٍّ فَلَا تَخْتَصُّ بِلَيْلَةٍ لَكِنْ عَلَى الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ الْعَامِ فَتَكُونُ فِي عَامٍ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مَثَلًا،
وَفِي عَامٍ آخَرَ تَكُونُ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ وَعَلَى الثَّانِي فَتَكُونُ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ فِي عَامٍ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ،
وَفِي آخَرَ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْهُ،
وَفِي عَامٍ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْهُ، وَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ ثُمَّ بَيَّنَ مُعْتَقَدَهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ،
وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْوَاوِ التَّرْتِيبُ فَالْعَدَدُ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِتَاسِعَةٍ تَبْقَى وَلِسَابِعَةٍ تَبْقَى وَلِخَامِسَةٍ تَبْقَى (وَ) حِينَئِذٍ (الْمُرَادُ) مِنْ الْحَدِيثِ (بِكَسَابِعَةٍ) ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا (مَا بَقِيَ) مِنْ الْعَشْرِ لَا مَا مَضَى مِنْهُ فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ
وَقِيلَ: الْعَدَدُ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ وَالْمُرَادُ الْتَمِسُوهَا فِي الْخَامِسَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالتَّاسِعَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَقَوْلُهُ: مَا بَقِيَ خَبَرُ الْمُرَادِ، وَمَا فِيهِ وَاقِعَةٌ عَلَى عَدَدٍ أَيْ: وَالْمُرَادُ بِكَسَابِعَةٍ عَدَدٌ بَقِيَ أَيْ: بِسَبْعٍ بَقِيَتْ فِي نَحْوِ الْتَمِسُوهَا فِي سَابِعَةٍ وَهَكَذَا وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُؤَلِّفُ السَّابِعَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: الْغَالِبُ أَنَّهَا فِيهَا بِدَلِيلِ أَنَّ كَلِمَاتِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} إلَى هِيَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً.
(قَوْلُهُ: فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ إلَخْ) هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّهْرَ يُعْتَبَرُ نَاقِصًا إلَخْ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَبَرُ الشَّهْرُ نَاقِصًا، أَوْ كَامِلًا فَمَا قَرَّرَ بِهِ الشَّارِحُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّهْرَ يُعْتَبَرُ نَاقِصًا،
وَإِمَّا عَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِهِ كَامِلًا فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا مَعْنَى قَوْلِهِ: اُطْلُبُوهَا فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى هِيَ لَيْلَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ فِي الْأَشْفَاعِ لَكِنَّهَا أَفْرَادٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَقِيَ وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ اعْتِبَارَهُ نَاقِصًا؛ لِأَنَّ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ كَوْنُهُ مِنْ الشَّهْرِ وَلِمُوَافَقَتِهِ لِحَدِيثِ طَلَبِ الْتَمِسُوهَا فِي الْأَفْرَادِ فَالتَّاسِعَةُ أَنْ يَبْقَى تِسْعٌ وَالسَّابِعَةُ أَنْ يَبْقَى سَبْعٌ وَالْخَامِسَةُ أَنْ يَبْقَى خَمْسٌ وَهَذَا الْقَوْلُ تَفْسِيرُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُؤَلِّفُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ الْوَاوَ وَلَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ وَإِنَّ السَّابِعَةَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.
(قَوْلُهُ: وَبَنَى بِزَوَالِ إغْمَاءٍ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَانِعَ
إمَّا إغْمَاءٌ، أَوْ جُنُونٌ، أَوْ حَيْضٌ، أَوْ نِفَاسٌ، أَوْ مَرَضٌ وَالِاعْتِكَافُ
إمَّا نَذْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنٌ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ تَطَوُّعٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنٌ فَهَذِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً وَهَذِهِ الْمَوَانِعُ
إمَّا أَنْ تَطْرَأَ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ، أَوْ مُقَارِنَةً لَهُ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَصَارَتْ خَمْسًا وَسَبْعِينَ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَوَانِعُ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ الْمُطْلَقِ، أَوْ الْمُعَيَّنِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبِنَاءِ بَعْدَ زَوَالِهَا طَرَأَتْ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ أَوْ قَارَنَتْ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ كَالْمُعَيَّنِ مِنْ غَيْرِهِ وَحَصَلَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا قَبْلُ أَوْ قَارَنَ، أَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا بِقِسْمَيْهِ وَالْمَوَانِعُ الْخَمْسَةُ مَضْرُوبَةٌ فِي أَحْوَالِ الطُّرُوِّ الثَّلَاثَةِ فَلَا بِنَاءَ هَذَا حَاصِلُ الْخَمْسَةِ وَالسَّبْعِينَ وَبَقِيَتْ خَمْسَةٌ فِيهَا الْبِنَاءُ أَيْضًا وَهِيَ: الْفِطْرُ نَاسِيًا فِي الِاعْتِكَافِ بِأَقْسَامِهِ الْخَمْسَةِ فَالْجُمْلَةُ ثَمَانُونَ وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ كَمَا قَالُوا الْإِتْيَانُ بِبَدَلِ مَا حَصَلَ فِيهِ الْمَانِعُ، سَوَاءٌ كَانَ مَا يَأْتِي بِهِ قَضَاءً عَمَّا مَنَعَ صَوْمَهُ كَأَنْ يَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِهِ كَرَمَضَانَ، وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالنَّذْرِ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ
(وَفِي كَوْنِهَا) أَيْ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ (دَائِرَةً بِ) لَيَالِي (الْعَامِ) كُلِّهِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ (أَوْ) دَائِرَةً (بِ) لَيَالِي (رَمَضَانَ) كُلِّهِ خَاصَّةً وَشَهَّرَهُ ابْنُ غَلَّابٍ وَشَهَرَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ،
وَقَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنَّهَا تَدُورُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ صَحِيحَةٌ، خِلَافٌ، وَانْتَقَلَتْ، [منح الجليل] وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا إلَّا عَلَى ذَلِكَ (خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ
قد تقدم أنه قال: وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف؛ يعني أن ليلة القدر لا تختص بليلة، بل هي تدور على كل من القولين، أعني القول بكونها بالعام، والقول بكونها برمضان، وكون ليلة القدر تنتقل ولا تختص بليلة هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم. ابن رشد: وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب؛ وهو أولى من إعمال بعض الأحاديث واطراح بعض، فحديث أبي سعيد: أنها (ليلة إحدى وعشرين (٢) )، معناه في ذلك العام بعينه،
وكذا حديث عبد الله بن أنيس: (ليلة ثلاث وعشرين (٣) )، وأبي: (سبع وعشرين (٤) )، وعبر بالفعل في قوله: "وانتقلت" ، إشارة إلى أن ذلك واقع. وبما قررت علم أن معنى قوله: "وانتقلت" ، أنها لا تختص بليلة على كل من القولين، فعلى القول بأنها دائرة في ليالي العام تكون في بعض الأعوام ليلة إحدى وعشرين من رجب مثلا،
وفي عام آخر تكون ليلة إحدى وعشرين من رمضان مثلا، وعلى القول بأنها خاصة برمضان تأتي في عام ليلة إحدى وعشرين من رمضان،
وفي عام آخر تكون ليلة تسع وعشرين من رمضان مثلا، وقوله: "وانتقلت" ، ذهب قوم إلى أنها معينة أبدا ولا تنتقل وهي غير معروفة، وأنها في العام كله وهو قول ابن مسعود، وروي عن أبي حنيفة وصاحبيه،
وقيل: بل في شهر رمضان كله وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة،
وقيل: بل في العشر الأواسط والأواخر،
وقيل: في العشر الأواخر وهي في هذا كله عند هؤلاء معينة ولكنها غير معروفة المعين،
وقال قوم آخرون: هي معروفة معينة ثم اختلفوا، فقيل: ليلة إحدى وعشرين، وروي عن علي وابن مسعود،
وقيل: ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم،
وقيل: ليلة أربع وعشرين وهو قول الحسن وقتادة وبلال وابن عباس،
وقيل: ليلة سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة،
وقيل: ليلة سبع عشرة وهو قول زيد بن أرقم وروي عن ابن مسعود،
وقيل: تسع عشرة وروي أيضا عن ابن مسعود وعلي،
وقيل آخر ليلة، وشذ قوم فقالوا: إنما كانت خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم ثم رفعت، واحتجوا بالحديث الذي جاء فيها أنه أعلمها النبي صلى الله عليه وسلم حتى تلاحى رجلان فرفعت، ومعنى هذا عندنا أنه رفع عنه علم عينها كما
قال في الحديث فأنسيتها، وفيه شؤم الخصام والتلاحي وعقوبة العامة بذنب الخاصة،
وفي حديث فجاء رجلان يَحْتَقَّانِ فأنسيتها، ومعنى يحتقان يدعي كل منهما حقا ويؤكده. قاله في الإكمال ).
وفي إخفائها لطف بهذه الأمة ليجتهدوا في طلبها ويكثر العمل ولا يتكلوا على عملهم فيها فقط إذا تعينت لهم، وقد جاء في كتاب النسائي: (فجاء رجلان معهما الشيطان فأنسيتها (٣) ).
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.