النذر: التزام مسلم كلف
الشروح عليها
(فَصْلٌ) فِي النَّذْرِ، وَأَحْكَامِهِ (النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ) فَلَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ الْوَفَاءُ بِهِ،
وَلَوْ أَسْلَمَ لَكِنْ يُنْدَبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ (كُلِّفَ) لَا صَبِيٍّ وَنُدِبَ الْوَفَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَمَجْنُونٍ، وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ الرَّقِيقَ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ، وَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إبْطَالُهُ
بِخِلَافِ غَيْرِ النَّذْرِ، وَشَمَلَ السَّفِيهَ فَيَلْزَمُهُ غَيْرُ الْمَالِ
(قَوْلُهُ: وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ الرَّقِيقَ) أَيْ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ مَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ
(قَوْلُهُ: وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ تَعْجِيلِ الْوَفَاءِ بِهِ وَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ أَيْ بِأَنْ كَانَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ،
وَأَمَّا الْمَالُ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ
وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ إنْ كَانَ مَالًا أَوْ كَانَ غَيْرَهُ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ كَانَ أَظْهَرُ.
وَحَاصِلُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الرَّقِيقَ إذَا نَذَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَسَدِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّيِّدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ تَعْجِيلِهِ،
وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ تَعْجِيلِهِ، وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ نَذَرَ مَالًا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ فَإِنْ عَتَقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ فَإِنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ، وَأَبْطَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ مِنْهَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إبْطَالُهُ أَيْ فَإِنْ أَبْطَلَهُ بَطَلَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ،
وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ وَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى مَا عَلِمْت مِنْ الْخِلَافِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِ النَّذْرِ) أَيْ كَالدَّيْنِ فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ إبْطَالَهُ.
(قَوْلُهُ: وَشَمَلَ السَّفِيهَ) أَيْ وَشَمَلَ أَيْضًا الزَّوْجَةَ وَالْمَرِيضَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذْرَاهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَالٍ أَوْ مَالًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ،
فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَانَ لِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ لَزِمَهَا، وَكَانَ لِلْوَارِثِ رَدُّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَذْرَ الزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ لَازِمٌ لَهُمَا مَا لَمْ يُرِدْ الزَّوْجُ وَالْوَارِثُ وَرَدُّهُمَا إبْطَالٌ وَالْعَبْدُ يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ السَّيِّدُ فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالسَّفِيهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ إذَا كَانَ مَالًا وَلِوَلِيِّهِ رَدُّهُ، وَلَهُ هُوَ أَيْضًا رَدُّهُ بَعْدَ رُشْدِهِ.
(قَوْلُهُ فَيَلْزَمُهُ غَيْرُ الْمَالِ) أَيْ،
وَأَمَّا مَا نَذَرَهُ مِنْ الْمَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا
لا يتكلم على هذه المسألة.
(النَّذْرُ الْتِزَامُ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّذْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الِالْتِزَامِ وَالْإِيجَابِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ اللَّازِمُ هُوَ أَنْ يُوجِبَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فِعْلَ مَا فَعَلَهُ قُرْبَةً لِلَّهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاجِبَةَ لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِيهَا،
وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِيهِ لِوُجُوبِ تَرْكِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ دُونَ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرْكِ بِالنَّذْرِ التَّرْكُ الْمُسْتَحَبُّ، مِثْلُ أَنْ يَنْذِرَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَحَدًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[شُرُوطُ النَّذْرِ] (مُسْلِمٍ كُلِّفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ النَّذْرِ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ. ابْنُ رُشْدٍ: أَدَاءُ مُلْتَزِمِهِ كَافِرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ عِنْدَنَا نَدْبٌ.
(ص) الْتِزَامُ مُسْلِمٍ كُلِّفَ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزَمِ لِلنَّذْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا فَلَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ لَوْ أَسْلَمَ نُدِبَ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ الصَّبِيُّ
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ وَفَاؤُهُ وَلَا الْمَجْنُونُ
وَيَلْزَمُ الزَّوْجَةَ وَالْمَحْجُورَ الْبَالِغَ وَالرَّقِيقَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَذْرُ ذِي الرِّقِّ مَا يَلْزَمُ الْحُرَّ يَلْزَمُهُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ مِنْ فِعْلِهِ انْتَهَى وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ الزَّوْجَةَ وَالْمَرِيضَ حَيْثُ كَانَ نَذْرُهُمَا بِغَيْرِ الْمَالِ أَوْ بِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنْ زَادَ فَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ وَالنَّذْرُ مِنْ التَّبَرُّعِ وَلِلْوَارِثِ رَدُّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَقَطْ مِنْ تَبَرُّعِ الْمَرِيضِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ أَيْضًا السَّفِيهَ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ عَلَى وَلِيِّهِ رَدُّ نَذْرِهِ مُطْلَقًا وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْعَبْدَ سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْتَزَمُ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ لَكِنْ إنْ كَانَ غَيْرَ مَالٍ فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةً وَنَحْوَهَا وَإِنْ كَانَ مَالًا فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ ثُمَّ.
بَالَغَ عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ غَضْبَانَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ غَضْبَانَ عَلَى الْمَعْرُوفِ لَرُدَّ مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فِيهِ وَفِي اللَّجَاجِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَأَنَّهُ أَفْتَى ابْنَهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بِذَلِكَ وَكَانَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ فَحَنِثَ وَقَالَ لَهُ إنِّي أَفْتَيْتُك بِقَوْلِ اللَّيْثِ فَإِنْ عُدْت لَمْ أُفْتِك إلَّا بِقَوْلِ مَالِكٍ ابْنِ بَشِيرٍ وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَكَانَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ يَمِيلُ إلَيْهِ وَيَعُدُّونَهُ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَاللَّجَاجُ أَنْ يَقْصِدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ وَمُعَاقَبَتَهَا بِإِلْزَامِهَا النَّذْرَ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ غَيْظُ نَفْسِهِ وَالتَّشْدِيدُ عَلَيْهَا وَالتَّبَرُّرُ وَالرِّضَا أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الشُّكْرِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي مَثَلًا وَقَدْ ذَكَرَ ح مَا يُفِيدُ كَرَاهَةَ نَذْرِ اللَّجَاجِ.
(قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ وَفَاؤُهُ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ قَالَهُ عج تَبَعًا لِلشَّيْخِ سَالِمٍ وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ
بِخِلَافِ الْكَافِرِ كَذَا فِي عب
(قَوْلُهُ وَلَا الْمَجْنُونُ) وَانْظُرْ هَلْ يُنْدَبُ لَهُ الْوَفَاءُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَالظَّاهِرُ لَا
(قَوْلُهُ وَيَلْزَمُ الزَّوْجَةَ) أَيْ غَيْرُ الْمَالِ
وَكَذَا الْمَالُ إنْ كَانَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ
(قَوْلُهُ وَالْمَحْجُورُ الْبَالِغُ) أَيْ السَّفِيهُ يَلْزَمُهُ أَيْ وَلَوْ بِالْمَالِ لَكِنْ بَعْدَ الْعِتْقِ
(قَوْلُهُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ) أَيْ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِ عَمَلُهُ أَوْ كَانَ بِمَالٍ
(قَوْلُهُ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى) هَذِهِ الْعِبَارَةُ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولَى
(قَوْلُهُ إذْ عَلَى وَلِيِّهِ رَدُّ نَذْرِهِ) أَيْ بِالْمَالِ وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ كَانَ الثُّلُثَ أَوْ دُونَهُ وَرَدُّ وَلِيِّهِ رَدُّ إبْطَالٍ كَانَ السَّفِيهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ رُشْدِهِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّوْجَةَ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ يَلْزَمُهَا مَا لَمْ يَرُدَّ الزَّوْجُ وَرَدُّهُ إبْطَالٌ وَالْعَبْدُ يَلْزَمُهُ نَذْرُهُ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالسَّفِيهُ لَا يَلْزَمُهُ فَلَهُ رَدُّهُ وَلَهُ بَعْدَ الرُّشْدِ رَدُّهُ، هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلنَّقْلِ.
(قَوْلُهُ أَنَّ فِيهِ وَفِي اللَّجَاجِ) فِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِأَنَّ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ إنَّمَا أَفْتَى ابْنُهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَلَّفَ ابْنَهُ الْمَشْيَ فَلَا يَفْعَلُ فَيَلْزَمُهُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِهَانَةُ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ الدِّينِ فَيَكُونُ طَرِيقًا إلَى الِاسْتِهَانَةِ بِغَيْرِهَا وَهَذَا حَسَنٌ مِنْ الْفَتْوَى عَظِيمٌ، الثَّانِي ظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّجَاجَ غَيْرُ الْغَضْبَانِ
وَكَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَ اللَّجَاجِ بِالتَّفْسِيرِ الْآتِي يُفِيدُ أَنَّ نَذْرَ الْغَضْبَانِ هُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ لَا أَنَّهُ غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدْت فِي كَلَامِ بَهْرَامَ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ هُوَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَنَا فِي النَّذْرِ مَا وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ حَلِفٌ (أَقُولُ) إنَّ النَّذْرَ الْوَاقِعَ مِنْ الْغَضْبَانِ هُوَ يَمِينٌ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ فَجَعَلَهُ حَلِفًا أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ نَذْرٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ
(قَوْلُهُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ الثَّانِي اللُّزُومُ
(قَوْلُهُ وَالرِّضَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ
(قَوْلُهُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لِكَوْنِ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى شَفَى مَرِيضِي.
فَصْلٌ فِي النَّذْر] (بَابٌ) فِي النَّذْرِ (النَّذْرُ) أَيْ حَقِيقَتُهُ شَرْعًا (الْتِزَامُ) أَيْ إيجَابُ شَخْصٍ (مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ وَنُدِبَ لَهُ وَفَاؤُهُ إنْ أَسْلَمَ (كُلِّفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لَا صَبِيٍّ، وَنُدِبَ لَهُ وَفَاؤُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَمَفْعُولُ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفٌ أَيْ قُرْبَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ تَعْرِيفٌ لِلنَّذْرِ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ، وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيرُ الْمَفْعُولِ أَمْرًا فَيَعُمَّ الْمَنْدُوبَ وَغَيْرَهُ بِقَرِينَةِ حَذْفِهِ، وَتَعْقِيبُهُ، بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: النَّذْرُ الْأَعَمُّ مِنْ الْجَائِزِ إيجَابُ امْرِئٍ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْرًا لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» .
وَإِطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمُحَرَّمِ نَذْرًا، وَأَخَصُّهُ الْمَأْمُورُ بِأَدَائِهِ الْتِزَامُ طَاعَةٍ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ لَا لِامْتِنَاعٍ وَلَوْ غَضْبَانَ، [منح الجليل] مِنْ أَمْرٍ، فَهَذَا يَمِينٌ حَسْبَمَا مَرَّ وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ. اهـ. وَشَمِلَ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفَ الرَّقِيقَ. وَحَاصِلُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَسَدِهِ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّيِّدِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ تَعْجِيلِ وَفَائِهِ،
وَإِنْ ضَرَّ بِهِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ. أَبُو عُمَرَ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ،
وَأَمَّا الْمُؤَقَّتُ فَفِي سُقُوطِهِ عَنْهُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ وَلُزُومِ قَضَائِهِ قَوْلَانِ وَإِنْ نَذَرَ مَالًا فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ مَا دَامَ رَقِيقًا،
فَإِذَا عَتَقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ،
فَإِنْ رَدَّ سَيِّدُهُ النَّذْرَ وَأَبْطَلَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ كَمَا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ مِنْهَا. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَفَرَّقَ الْقَرَوِيُّونَ بَيْنَهُمَا بِفُرُوقٍ أَحْسَنُهَا مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَالصَّوَابُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ اللُّزُومِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا رَدًّا،
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ رَدَّ سَيِّدُهُ نَذْرَهُ بَطَلَ،
وَلَا يَلْزَمُ وَفَاؤُهُ إنْ عَتَقَ،
وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ بَلْ مَنَعَهُ الْوَفَاءَ فَقَطْ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بَعْدَ عِتْقٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَشَمِلَ أَيْضًا السَّفِيهَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَيَلْزَمُهُ نَذْرُ غَيْرِ الْمَالِ لَا الْمَالِ، فَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَعَلَى وَلِيِّهِ رَدُّهُ كُلِّهِ،
وَإِنْ رَشَدَ فَلَا يَلْزَمُهُ وَيُنْدَبُ لَهُ، وَشَمِلَ أَيْضًا بَقِيَّةَ الْمَحَاجِيرِ كَمَرِيضٍ وَزَوْجَةٍ رَشِيدَةٍ،
وَلَوْ بِزَائِدِ الثُّلُثِ فِيهِمَا، لَكِنْ إنْ أَجَازَهُ الزَّوْجُ وَالْوَارِثُ وَإِلَّا نَفَذَ ثُلُثُ الْمَرِيضِ، وَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ إنْ نَذَرَتْ زَائِدًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَرُدُّ وَارِثُهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ إنْشَاءُ نَذْرٍ بِثُلُثٍ، وَالزَّوْجَةُ إنْ رَدَّ زَوْجُهَا جَمِيعَ نَذْرِهَا يُمْكِنُهَا إنْشَاءُ نَذْرٍ بِثُلُثِهَا، وَشَمِلَ السَّكْرَانَ بِحَرَامٍ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ حَالَ سُكْرِهِ لَا بِحَلَالٍ فَكَالْمَجْنُونِ،
وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمَ الْمُكَلَّفَ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَضْبَانَ.
بَلْ
فقال: النذر التزام مسلم كلف؛ يعني أن النذر هو أن يلتزم مسلم مكلف أمرا من الأمور هذا ظاهره،
ومقتضاه أن التزام الطاعة نذر،
وإن كان لامتناع من أمر. قاله الشيخ بناني.
وقال الشيخ عبد الباقي: وأراد المص بالتزام إيجابة على نفسه قربة، بدليل قوله: وإنما يلزم بة ما ندب، وقوله: "مسلم" ، احترز به من الكافر فلا يلزمه ما نذره، وندب له الوفاء بة إن أسلم، واحترز بقوله: "كلف" ، من الصبي فلا يلزمه ما نذره ميز أم لا، وندب له الوفاء بة إذا بلغ كما هو المنصوص، والبحث الذي ذكره الشيخ عبد الباقي ساقط،
وكذا لا يلزم المجنون، وشمل قوله: "مسلم" العبد. واعلم أن الرقيق إذا نذر ما يتعلق بجسده كصوم وصلاة،
فإن لم يضر بالسيد لم يمنعه تعجيله،
وإن أضر فله منعه ويبقى في ذمته. أبو عمر: وهذا في غير المؤقت،
وأما المؤقت ففي سقوطه بخروج وقته ولزوم قضائة قولان،
وإذا نذر مالا فلسيده منعه من الوفاء بة في حال الرق،
فإذا أعتق وجب عليه الوفاء بما نذر،
فإن رد سيده نذره بطل ولم يلزمه الوفاء بة إن أعتق، وإلى ذلك أشار ابن غازي بقوله: أبطل صنيع العبد والسفيه … برد مولاه ومن يليه
وقيل يلزمه الوفاء بة بعد العتق وإن رده السيد، وهذا الخلاف جار في تبرع العبد والسفيه مطلقا هبة أو صدقة أو غيرهما. فتحصل من هذا أنه إذا رد نذره بطل النذر ولم يلزمه الوفاء به إن عتق،
وقيل يلزمه وأنه إذا لم يرده بل منعه الوفاء به فقط لزمه الوفاء به بعد عتقه، وشمل المص السفيه فيلزمه نذر غير المال لا المال فلا يلزمه على المعتمد، فعلى وليه رده ولا يلزمه إنفاذه بعد الرشد، وشمل المص أيضا المريض والزوجة الرشيدة،
ولو نذرا زائدا على الثلث لكن إن أجازه الزوج والوارث نفذ وإلا نفذ الثلث في المريض، وللزوج رد الجميع كما يأتي للمص في قوله: "وله رد الجميع إن تبرعت بزائد" ، وقد مر أن مقتضى المص أن التزام الطاعة نذر وان كان لامتناع من أمر وهو خلاف تفصيل ابن عرفة، فلعله عند المؤلف غير يمين وهو التحقيق عند ابن الحاجب. الحفيد: اختلف إذا لم يلفظ بالنذر هل يلزمه أم لا؟
ابن الفرس: اختلف فيه على قولين،
والمشهور أنه يلزمه: وقيل إنه لا يلزمه إلا إذا لفظ بالنذر. انتهى. قال الإمام الحطاب: والظاهر المتبادر أن حكمه حكم اليمين، ويؤخذ ذلك من قول المص في باب الاعتكاف لا النهار فقط، فباللفظ. فتأمله. والله سبحانه أعلم. انتهى. وتقدم شمول المص للمريض والزوجة وأنه ينفذ الثلث في المريض،
وأن للزوج رد الجميع في نذر زائد على الثلث، والفرق بينهما أن الزوجة يمكنها الاستدراك بعد ذلك بإنشاء التبرع بالثلث على ما يأتي من قوله: وليس لها بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد،
بخلاف المريض؛ لأنا لو أبطلنا له الجميع لم يمكنه استدراك لموته، أشار له الشيخ بناني، وشمل المص أيضا نذر من سكر بحرام حال سكره وأولى قبله، ويلزمهما الوفاء به إذا أفاقا لا بحلال فكالمجنون، وانظر هل يندب لهما وفاؤهما به إذا أفاقا أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي.
ومن سئل أمرا، فقال: علي فيه مشي أو صدقة كاذبا إنما يريد أن يمنعه لا شيء عليه، إنما يلزمه في العتق والطلاق إن كانت عليه بينة. قاله الحطاب. وهو يفيد قبوله في الفتوى. قاله المحقق الأمير. فبان من هذا أنه لا عبرة في النذر بالإخبار الكذب، كما قال الشيخ الأمير. لا مجرد أخبار كذب. والله سبحانه أعلم.
وبالغ على لزوم النذر بقوله: ولو عضبان؛ يعني أن المسلم المكلف يلزمه ما نذره من الطاعة ولو كان الناذر غضبان، خلافا لمن قال عليه كفارة يمين، ومثل نذر الغضبان في اللزوم نذر اللجاج، وهو أن يقصد منع نفسه من فعل شيء ومعاقبتها بإلزامها النذر، كلله علي نذر إن كلمت فلانا،
وكذا نذر كثير من صلاة أو صوم أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والشقة مع القدرة عليه وهو مكروه،
بخلاف ما لا يطيقه فإنه نذر معصية.
وقوله: "ولو غضبان" ، رد المص بلو قول الليث الذي تقدمت الإشارة إليه، وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد حين حلف بالمشي إلى مكة وحنث فأفتاه بكفارة يمين، فقال: إني أفتيك بقول الليث،
فإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك. ابن العربي: خاف ابن القاسم أنه إذا كلف ابنه المشي لا يفعل فيستهين بمسألة من الدين، فيكون طريقا إلى الاستهانة بغيرها، وهذا حسن من الفتوى عظيم. قاله الشيخ إبراهيم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.