وهل الموالاة واجبة إن ذكر وقدر
الشروح عليها
(وَ) الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ (الدَّلْكُ) وَهُوَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ قَبْلَ جَفَافِهِ وَتُنْدَبُ الْمُقَارَنَةُ هُنَا دُونَ الْغَسْلِ لِلْمَشَقَّةِ وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ هُنَا بَاطِنُ الْكَفِّ عَلَى مَا اُسْتُظْهِرَ وَالدَّلْكُ فِي الْغَسْلِ هُوَ إمْرَارُ الْعُضْوِ عَلَى الْعُضْوِ الْفَرِيضَةُ السَّادِسَةُ الْمُوَالَاةُ عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورَيْنِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَهَلْ الْمُوَالَاةُ) وَهِيَ فِعْلُهُ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ كَثِيرٍ لِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُوَالَاةِ أَوْلَى لِأَنَّهَا تُفِيدُ عَدَمَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ خَاصَّةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَالْفَوْرُ رُبَّمَا يُفِيدُ فِعْلَهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَأَيْضًا يُوهِمُ السُّرْعَةَ فِي الْفِعْلِ وَكِلَاهُمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ (وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَبَنَى) إنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ بِهِ أَوْ الْبَقَاءَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَا يَبْتَدِئُهُ أَيْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ إنْ كَانَ ثُلُثَ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا عَلَى مَا يَأْتِي
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ) أَيْ إمْرَارًا مُتَوَسِّطًا وَلَوْ لَمْ تَزُلْ الْأَوْسَاخُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُتَجَسِّدَةً فَتَكُونَ حَائِلًا
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ إمْرَارُ الْيَدِ مُصَاحِبًا لِلصَّبِّ بَلْ وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الصَّبِّ قَبْلَ الْجَفَافِ فَلَا يُشْتَرَطُ الْمَاءُ بَاقِيًا بَلْ يَكْفِي بَقَاءُ الرُّطُوبَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِأَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ مُقَارَنَةِ إمْرَارِ الْيَدِ لِلصَّبِّ
(قَوْلُهُ: لِلْمَشَقَّةِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ دُونَ الْغَسْلِ أَيْ فَلَا تُنْدَبُ الْمُقَارَنَةُ فِيهِ لِلْمَشَقَّةِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ هُنَا) أَيْ فِي بَابِ الْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ: بَاطِنُ الْكَفِّ أَيْ لَا ظَاهِرُهُ وَلَا إمْرَارُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُ دَلْكُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ بِالْأُخْرَى فِي الْوُضُوءِ وَيُجْزِئُ فِي الْغُسْلِ وَفِي بْن مَا نَصَّهُ كَتَبَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ حَسَنٌ الْمِسْنَاوِيُّ مَا نَصُّهُ وَالدَّلْكُ أَيْ بِالْيَدِ ظَاهِرُهَا أَوْ بَاطِنُهَا وَبِالذِّرَاعِ أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِحَكِّ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ الْأُخْرَى خِلَافًا لِتَخْصِيصِ عج وَمَنْ تَبِعَهُ الدَّلْكُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَاحْتَجَّ أَبُو عَلِيٍّ لِمَا قَالَهُ بِقَوْلِ الْفَاكِهَانِيِّ الدَّلْكُ إمْرَارُ الْيَدِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا ثُمَّ قَالَ بَعْدُ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ الدَّلْكُ بِالْيَدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ خِلَافًا لعج وَمَنْ تَبِعَهُ اهـ
(قَوْلُهُ: إمْرَارُ الْعُضْوِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَدًا أَوْ غَيْرَهَا كَالرِّجْلِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَضُرُّ إضَافَةُ الْمَاءِ بِسَبَبِ الدَّلْكِ حَيْثُ عَمَّ الْمَاءُ الْعُضْوَ حَالَةَ كَوْنِهِ طَهُورًا إلَّا أَنْ يَتَجَسَّدَ الْوَسَخُ قَالَهُ فِي المج.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ فِعْلُهُ) أَيْ الْوُضُوءِ
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ كَثِيرٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ أَصْلًا أَوْ مَعَ تَفْرِيقٍ يَسِيرٍ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ) أَيْ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا التَّفْرِيقَ بِالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا سَهْوًا كَانَ أَوْ عَجْزًا أَوْ عَمْدًا؛ لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ وَإِذَا لَمْ يَضُرَّ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ فَيُكْرَهُ إنْ كَانَ عَمْدًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْيَسِيرُ مُقَدَّرٌ بِعَدَمِ الْجَفَافِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تُفِيدُ عَدَمَ التَّفْرِيقِ إلَخْ) أَيْ تُفِيدُ وُجُوبَ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ
(قَوْلُهُ: رُبَّمَا يُفِيدُ فِعْلَهُ) أَيْ رُبَّمَا يُفِيدُ وُجُوبَ فِعْلِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ: أَيْضًا يُوهِمُ السُّرْعَةَ أَيْ وُجُوبَ السُّرْعَةِ فِي الْفِعْلِ وَعَدَمَ اغْتِفَارِ التَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ
(قَوْلُهُ: إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ) أَيْ
وَأَمَّا النَّاسِي وَالْعَاجِزُ فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِي حَقِّهِمَا وَحِينَئِذٍ إذَا فَرَّقَ نَاسِيًا أَوْ عَاجِزًا، فَإِنَّهُ يَبْنِي مُطْلَقًا سَوَاءٌ طَالَ أَمْ لَا لَكِنَّ النَّاسِيَ يَبْنِي بِنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ.
وَأَمَّا الْعَاجِزُ فَلَا يَحْتَاجُ لِتَجْدِيدِ نِيَّةٍ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْرِقَةِ فِي الْعَاجِزِ بَيْنَ الطُّولِ وَعَدَمِهِ كَالْعَامِدِ بَعْدَ تَقْيِيدِ الْوُجُوبِ بِالْقُدْرَةِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ وَلِذَا حَمَلُوا الْعَاجِزَ فِي كَلَامِهِ عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ مَنْ عِنْدَهُ نَوْعُ تَفْرِيطٍ
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَبَنَى إنْ عَجَزَ مُطْلَقًا كَالنَّاسِي بِنِيَّةٍ كَانَ أَوْلَى وَيُحْمَلُ الْعَجْزُ حِينَئِذٍ عَلَى الْحَقِيقِيِّ اهـ بْن
(قَوْلُهُ: وَبَنَى) أَيْ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ بِأَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ مَثَلًا بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ نِسْيَانٌ فَتَرَكَ الْغَسْلَ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَنَى إنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ الَّذِي فَرَّقَ فِيهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ) أَيْ فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ وَهَلْ تُكْرَهُ الرَّابِعَةُ أَوْ تُمْنَعُ خِلَافٌ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَبَنَى أَيْ اسْتِنَانًا وَأَنَّهُ إذَا رَفَضَ مَا فَعَلَ وَابْتَدَأَ الْوُضُوءَ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ وَكَانَ مُرْتَكِبًا لِمُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ مُخَيَّرٌ فِي إتْمَامِ وُضُوئِهِ وَتَرْكِهِ فَالصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبَنَى بِنِيَّةٍ إلَخْ مَعْنَاهُ وَصَحَّ الْبِنَاءُ بِنِيَّةِ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا
وَيَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَوَّلِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ حَذْفُ قَوْلِهِ وَلَا يَبْتَدِئُهُ إلَخْ إنْ
قُلْتَ: إنَّ الْعِبَادَةَ يَلْزَمُ إتْمَامُهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا وَالْوُضُوءُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ فَكَيْفَ يُخَيَّرُ الْمُتَوَضِّئُ فِي إتْمَامِ وُضُوئِهِ وَتَرْكِهِ
قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ عِبَادَةٍ يَلْزَمُ إتْمَامُهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا بَلْ بَعْضُهَا يَلْزَمُ إتْمَامُهَا وَبَعْضُهَا لَا يَلْزَمُ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ صَلَاةٌ وَصَوْمٌ ثُمَّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ ... طَوَافٌ عُكُوفٌ وَائْتِمَامٌ تَحَتَّمَا وَفِي غَيْرِهَا كَالْوَقْفِ وَالطُّهْرِ خَيِّرَنْ ...
فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ وَمَنْ شَاءَ تَمَّمَا
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ ثُلُثَ الْأَعْضَاءِ) أَيْ
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ ثُلُثَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ بَنَى وَإِنْ شَاءَ رَفَضَ مَا فَعَلَ وَابْتَدَأَ آخَرَ
ص (وَهَلْ الْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا وَإِنْ عَجَزَ بَنَى مَا لَمْ يَطُلْ بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلَا أَوْ سَنَةٍ؟ خِلَافٌ) ش هَذِهِ هِيَ الْفَرِيضَةُ السَّادِسَةُ وَهِيَ الْمُوَالَاةُ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ فِي الْأَجْسَامِ وَهِيَ الْمُجَاوَرَةُ فِي الْأَمَاكِنِ، مَجَازٌ فِي الْأَفْعَالِ، وَمِنْهُ الْوَلَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالتَّوَالِي انْتَهَى. وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الطَّهَارَةِ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْعِبَارَةُ الْأُولَى أَشَدُّ لِكَوْنِهَا تَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ فِيمَا بَيْنَ الْأَعْضَاءِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْعُضْوِ الْأَوَّلِ
وَأَمَّا لَفْظُ الْفَوْرِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ أَوَّلَ الْوَقْتِ،
قَالَ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا الصَّحِيحُ عَدَّهَا مِنْ الْفَرَائِضِ
وَأَشَارَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمَنَاهِي وَالتُّرُوكِ، احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي تَرْكِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَهُوَ أَصْلُ التُّرُوكِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي حُكْمِ الْمُوَالَاةِ قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَعَزَاهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَشَهَّرَهُ أَيْضًا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا سُنَّةٌ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَشَهَّرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) لَكِنَّهُ وَافَقَ فِي التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ،
فَجَعَلَ التَّفْرِيقَ عَمْدًا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ فِيهَا: وَأَمَّا الْفَوْرُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: فَرْضٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي مَسْلَمَةَ، وَسُنَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ،
وَالثَّالِثُ فَرْضٌ فِيمَا يُغْسَلُ سُنَّةً فِيمَا يُمْسَحُ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ فَرَّقَهُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا، وَعَلَى الثَّانِي إنْ فَرَّقَهُ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ فَرَّقَهُ عَامِدًا فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ لِتَرْكِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهَا عَامِدًا؛ لِأَنَّهُ كَاللَّاعِبِ الْمُتَهَاوِنِ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُعَبِّرُ عَلَى مَذْهَبِهِ هَذَا فِي الْفَوْرِ أَنَّهُ فَرْضٌ بِالذِّكْرِ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَزَعَمَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالسُّنِّيَّةِ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْمُوَالَاةِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ فَحَكَى الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَعْنِي الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ: وَالْخَامِسُ وَاجِبَةٌ فِي الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ الْبَدَلِيِّ دُونَ الْأَصْلِيِّ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَالسَّادِسُ مُسْتَحَبَّةٌ حَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَجَعَلَهُ ابْنُ هَارُونَ سَادِسًا كَمَا قُلْنَا،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ يُطْلِقُونَ عَلَى السُّنَّةِ الِاسْتِحْبَابَ، وَالسَّابِعُ وَاجِبَةٌ إذَا تَوَضَّأَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرُ وَاجِبَةٍ إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ حَكَاهُ ابْنُ جَمَاعَةَ وَحَكَى ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ الْخَمْسَةَ الْأُوَلَ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَبَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ يَحْكِي الْخَمْسَةَ الْأَقْوَالَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ فِي حُكْمِهَا ابْتِدَاءً وَابْنُ الْحَاجِبِ ذَكَرَ الْخِلَافَ أَوَّلًا فِي حُكْمِهَا بِالسُّنِّيَّةِ وَالْوُجُوبِ ثُمَّ حَكَى فِيهَا الْخِلَافَ إذَا نَزَلَ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ وَالْقَوْلَ بِالسُّنِّيَّةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَأَقْوَى مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِلْوُجُوبِ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَإِنَّ الْعَطْفَ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَعَطْفُ الْأَعْضَاءِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ يَقْتَضِي جَعْلَهَا فِي حُكْمِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا هَذِهِ الْأَعْضَاءَ.
(قُلْتُ) وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ لِلْفَوْرِ وَبِأَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَمِنْ حَقِّ الْجَزَاءِ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْ الشَّرْطِ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» فَنَفَى الْقَبُولَ عِنْدَ انْتِفَائِهِ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَرَّةٌ مَرَّةً عَلَى الصَّحِيحِ لَا إلَيْهِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْقُيُودِ وَإِلَّا لَانْدَرَجَ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ الْمَخْصُوصُ وَالْفَاعِلُ وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ قَالَ: وَلَك أَنْ تَقُولَ: الْإِشَارَةُ إلَى الْمَجْمُوعِ فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ بِالْإِجْمَاعِ بَقِيَ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لِصُورَةِ النِّزَاعِ،
أَمَّا إسْقَاطُ الْوُجُوبِ مَعَ النِّسْيَانِ فَلِضَعْفِ مَدْرَكِ الْوُجُوبِ بِالْمُتَأَكِّدِ بِالنِّسْيَانِ، وَالْكَلَامُ فِي الِاسْتِدْلَالِ وِرْدُهُ يَطُولُ.
(قُلْتُ) فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ فَرَّقَ الطَّهَارَةَ عَامِدًا أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا،
وَمَنْ فَرَّقَهَا نَاسِيًا أَوْ عَاجِزًا بَنَى، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا سُنَّةٌ فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّعْبِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّفْرِيقَ عَمْدًا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ بَلْ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ لَا يَضُرُّ وَلَوْ كَانَ عَمْدًا. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ (قُلْتُ) وَحَكَى الِاتِّفَاقَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيّ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ.
وَنَصُّهُ: وَأَمَّا التَّفْرِيقُ غَيْرُ الْمُتَفَاحِشِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا. قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِيهِ الِاتِّفَاقَ انْتَهَى. وَحَكَى ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَحَكَى صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَقَالَ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ. قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ يَعْنِي إذَا فَرَّقَ الْوُضُوءَ تَفْرِيقًا يَسِيرًا فَهُوَ مُغْتَفَرٌ فَيَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُضُوئِهِ. وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِيهِ الِاتِّفَاقَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا قَارَبَ الشَّيْءَ هَلْ يُعْطَى حُكْمُهُ أَمْ لَا؟
وَنَحْوَهُ حَكَى صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا التَّفْرِيقُ الْمُؤَثِّرُ هُوَ الْعَمْدُ فَهَلْ يَسْتَوِي قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عُذْرٌ مَشْهُورُ؟ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يُحَرِّمُ الْمُوَالَاةَ وَحُكْمَ الْفَوْرِ لَا يُفْسِدُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُغْتَسِلِ مِنْ الْجَنَابَةِ: إذَا مَسَّ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَائِهِ يَمُرُّ بِيَدَيْهِ عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَيُجْزِيهِ وَهَذَا تَفْرِيقٌ فِي الْغُسْلِ،
وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَشَّفُ مِنْ وُضُوئِهِ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ،
وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ: لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الطَّهَارَةِ وَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اغْتَسَلَ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» وَبِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي وُضُوئِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اغْتَسَلَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمِّ فَتَرَكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضُوءَهُ وَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ حَتَّى غَسَلَهُمَا» .
(الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا: إنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ،
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ مَكْرُوهٌ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ مُوَافِقًا، وَقَوْلُ ابْنِ رَاشِدٍ وَابْنِ الْجَلَّابِ وَغَيْرِهِ يَحْكِي الْمَنْعَ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّلْقِينِ لَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ
وَكَذَا كَلَامُ غَيْرِهِ لَكِنَّ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ التَّفْرِيقُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ
فَقَالَ: وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ الْيَسِيرَةُ فَغَيْرُ مُفْسِدَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ إلَّا أَنَّهَا تُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهَى. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَحَدُّ الْيَسِيرِ مَا لَمْ تَجِفَّ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ، كَمَا قَالُوا فِي حَقِّ مَنْ قَصُرَ مَاؤُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ انْتَهَى. وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ نَحْوُ مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ.
(قُلْتُ) هَذَا خِلَافُ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ وَهَذَا عِنْدِي لَا يُحَدُّ بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ كَمَا حُدَّ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ لِلْمَاءِ بَلْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ عُذْرِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا سَتَرَاهُ،
وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعَجْزَ عُذْرًا يُعْذَرُ بِهِ فِي التَّفْرِيقِ مَعَ عَدَمِ جَفَافِ الْأَعْضَاءِ، وَالتَّفْرِقَةُ الْيَسِيرَةُ مُغْتَفَرَةٌ وَلَوْ كَانَتْ بِلَا عُذْرٍ فَتَأَمَّلْهُ
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَأَخَذَ يُبَيِّنُ حُكْمَ مَا إذَا تَرَكَ الْمُوَالَاةَ نِسْيَانًا أَوْ عَجْزًا وَبَدَأَ بِالنِّسْيَانِ فَقَالَ: وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَسِيَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ لُمْعَةً مِنْهُ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى وُضُوئِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَغْسِلُ ذَلِكَ الْعُضْوَ أَوْ اللُّمْعَةَ مُطْلَقًا طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ. يُرِيدُ وَيُعِيدُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْعُضْوِ أَوْ تِلْكَ اللُّمْعَةِ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ مَفْرُوضَةً كَانَتْ أَوْ مَسْنُونَةً. قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ ذَكَرَ بِالْقُرْبِ قَبْلَ جَفَافِ أَعْضَائِهِ،
وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ الطُّولِ بِجَفَافِ أَعْضَائِهِ لَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْعُضْوِ وَلَا مَا بَعْدَ تِلْكَ اللُّمْعَةِ،
قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ أَعَادَ ذَلِكَ وَمَا يَلِيهِ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ أَعَادَهُ فَقَطْ، وَحَدُّ الطُّولِ الْجَفَافُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا بِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنْ إعَادَةِ الْمُنَكَّسِ، وَحَدُّهُ إنْ بَعُدَ بِجَفَافٍ وَإِلَّا فَيُعِيدُهُ مَعَ تَابِعِهِ وَسَيَأْتِي أَنَّ حُكْمَ الْمُنَكَّسِ وَالْمَنْسِيِّ فِي الْإِعَادَةِ سَوَاءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ إعَادَةَ مَا بَعْدَهُ إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ
فَلَوْ لَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالشَّيْخُ زَرُّوق وَالْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا كَانَتْ إعَادَةُ مَا بَعْدَ الْمَنْسِيِّ إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ حُصُولِ التَّرْتِيبِ فَتَكُونُ الْإِعَادَةُ سُنَّةً وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ زَرُّوق وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَإِنَّمَا يُعِيدُ مَا يَلِيه إذَا كَانَ بِالْقُرْبِ لِلتَّرْتِيبِ،
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ سُنَّةٌ
فَلَوْ تَرَكَ إعَادَةَ مَا يَلِيه لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ: إنَّ السُّنَنَ الَّتِي يَتَدَارَكُهَا وَيَأْتِي بِهَا أَرْبَعَةٌ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَمَسْحُ دَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَالتَّرْتِيبُ، وَلَا مَعْنَى لِتَدَارُكِهِ لِلتَّرْتِيبِ إلَّا إتْيَانَهُ لِمَا فَعَلَهُ فِي مَحَلِّهِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَإِعَادَةُ مَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلتَّرْتِيبِ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ لِلْجُزُولِيِّ وَالشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالِاسْتِحْبَابِ مَا يُقَابِلُ الْوُجُوبَ فَهُوَ شَامِلٌ لِلسُّنَّةِ أَيْ وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ بِالْمُسْتَحَبِّ الَّذِي هُوَ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ السُّنَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِلتَّرْتِيبِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي إعَادَةِ مَا بَعْدَ الْمُنَكَّسِ الْآتِي ذِكْرُهُ وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(الثَّانِي) تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا بَعْدَ الْمَنْسِيِّ مِنْ مَسْنُونَاتِ الْوُضُوءِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ التَّبَعِ لِلْفَرَائِضِ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ مُسْتَحَبٌّ وَأَنَّهُ لَا يُعِيدُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّالِثُ) مَا وَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَإِعَادَةِ مَا بَعْدَ الْمَنْسِيِّ فِي الْقُرْبِ وَعَدَمِ الْإِعَادَةِ مَعَ الْبُعْدِ؟ فَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: بِنِيَّةٍ يَعْنِي إذَا قُلْنَا فِي النِّسْيَانِ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ
فَلَوْ حَصَلَ غَسْلُ الْعُضْوِ الْمَنْسِيِّ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَنْوِيَهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ مِنْ وُضُوئِهِ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا فَدَلَكَهُمَا بِيَدِهِ فِيهِ وَلَمْ يَنْوِ تَمَامَ وُضُوئِهِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ. ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ رِجْلَيْهِ وَظَنَّ أَنَّهُ أَكْمَلَ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَيْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ عَجَزَ مَا لَمْ يُطِلْ لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ نَسِيَ الْمُوَالَاةَ ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ تَرَكَهَا عَجْزًا كَمَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ وَقَامَ لِطَلَبِهِ فَيَبْنِي مَا لَمْ يُطِلْ،
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ فَأُهْرِيقَ أَوْ غُصِبَ أَوْ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ كِفَايَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ الْبَاجِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَوَضَّأَ بَعْضِ وُضُوئِهِ فَعَجَزَ مَاؤُهُ فَقَامَ لِطَلَبِهِ فَإِنْ قَرُبَ بَنَى وَإِنْ تَبَاعَدَ وَجَفَّ وَضُوءُهُ ابْتَدَأَ وُضُوءَهُ قَالَ عِيَاضٌ: ذَهَبَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه فَكَانَ كَالْمُفَرِّطِ وَالْمُغَرِّرِ وَلَوْ أَعَدَّ مَا يَكْفِيهِ فَأُهْرِيقَ لَهُ أَوْ غُصِبَ لَكَانَ حُكْمُهُ كَالنَّاسِي وَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَبْنِي إذَا عَجَزَ وَإِنْ طَالَ، وَحَمَلَهُ الْبَاجِيُّ عَلَى الْخِلَافِ وَقَالَ غَيْرُهُ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَهَذَا إذَا ذَكَرَ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) وَبَعْضُ الشُّيُوخِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عِيَاضٌ هُوَ اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِيمَا إذَا غُصِبَ مِنْهُ الْمَاءُ أَوْ أُهْرِيقَ أَنَّهُ يَبْنِي وَلَوْ طَالَ وَنَصُّهُ: وَيَنْبَغِي مُوَالَاةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَإِنْ غُلِبَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ ثُمَّ غَصَبَهُ أَوْ أُهْرِيقَ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُ وَإِنْ بَعُدَ طَلَبُهُ لِلْمَاءِ، وَاخْتَلَفَ إذَا فَرَّقَهُ نَاسِيًا أَوْ مُتَعَمِّدًا
ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَنْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى التَّفْرِيقِ فَإِنَّهُ يَبْنِي وَإِنْ طَالَ بِلَا خِلَافٍ وَنَصُّهُ: التَّفْرِيقُ لِلْعُذْرِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُجْبَرًا عَلَى التَّفْرِيقِ وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَأَلْحَقَ بِهِ اللَّخْمِيُّ مَنْ ابْتَدَأَ بِمَاءٍ كَافٍ فَأَرَاقَهُ لَهُ رَجُلٌ أَوْ غُصِبَ مِنْهُ، قَالَ: فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَإِنْ طَالَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا. الثَّانِي: أَنْ يُفَرِّقَ نَاسِيًا وَهَذَا يَبْنِي وَإِنْ طَالَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَعْجَزَ مَاؤُهُ وَقَدْ ابْتَدَأَ بِمَا ظَنَّهُ كَافِيًا وَهَذَا يَبْنِي فِيمَا قَرُبَ دُونَ مَا بَعُدَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْذَرَ بِاجْتِهَادِهِ، وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ إنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه ثُمَّ غُصِبَ لَهُ أَوْ أُرِيقَ لَهُ أَوْ أَرَاقَهُ هُوَ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى وَإِنْ طَالَ طَلَبُهُ لِلْمَاءِ،
وَقِيلَ: يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ، وَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ بَزِيزَةَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَأَنَّ الْمَشْهُورَ الْبِنَاءُ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنِ بَزِيزَةَ: ذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْعَاجِزِ ثَلَاثَ صُوَرٍ.
(الْأُولَى) أَنْ يَقْطَعَ أَنَّ الْمَاءَ يَكْفِيه.
(الثَّانِيَةُ) أَنْ يَقْطَعَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَكْفِيه.
(الثَّالِثَةُ) أَنْ يَشُكَّ فِي ابْتِدَاءِ وُضُوئِهِ هَلْ يَكْفِيه أَمْ لَا فَفِي كُلِّ صُورَةٍ قَوْلَانِ الِابْتِدَاءُ وَالْبِنَاءُ،
وَالْمَشْهُورُ فِي الْأُولَى الْبِنَاءُ وَفِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ الِابْتِدَاءُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي وَقَالَ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ: مَنْ أَخَذَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه فَأُهْرِيقَ أَوْ غُصِبَ سَوَّى اللَّخْمِيُّ بَيَّنَهُ وَبَيَّنَ النَّاسِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَلَّابِ أَوْ نَصُّهُ خِلَافُ هَذَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ إذْ النِّسْيَانُ يَتَعَذَّرُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ
بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَالْإِهْرَاقِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَاجِزَ إذَا أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه ثُمَّ غُصِبَهُ أَوْ أُهْرِيقَ لَهُ أَوْ أَهْرَاقَهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّفْرِيقِ يَبْنِي وَإِنْ طَالَ كَالنَّاسِي بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رَاشِدٍ وَعِنْد بَعْضِهِمْ عَلَى الرَّاجِحِ. فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ هَذِهِ الصُّورَةَ أَوْ يَحْكِيَ فِيهَا خِلَافًا إنْ كَانَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ كَلَامُ الْبَاجِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَحَكَى فِي الطِّرَازِ عَنْ التُّونُسِيِّ تَرَدُّدًا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَجِّحَ أَحَدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا.
(تَنْبِيهٌ) اسْتَثْنَى الرَّجْرَاجِيُّ مِنْ صُوَرِ الْعَجْزِ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ مَا إذَا أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ قَطْعًا فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَنَصُّهُ:
وَأَمَّا إنْ تَعَمَّدَ وَأَخَذَ مَا لَا يَكْفِيهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَمَّدَ إلَى تَفْرِيقِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَذَّالِيِّ فَإِنَّهُ
قَالَ: فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَعَجَزَ مَاؤُهُ يُرِيدُ إذَا أَعَدَّ مَا يَكْفِيهِ وَإِلَّا ابْتَدَأَ.
(قُلْتُ) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ يَسِيرًا مِمَّا يُغْتَفَرُ ابْتِدَاءً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلَا أَيْ الْأَعْضَاءُ وَالزَّمَانُ وَهَذَا بَيَانٌ لِحَدِّ الطُّولِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ،
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْجِسْمِ الْمُعْتَدِلِ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَفَافِ مَظِنَّةُ الْقُرْبِ فِي الْعَادَةِ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُفُوفِ لِأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٍ فَكَانَ قِيَامُ الْبَلَلِ عِنْدَهُمْ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَيَتَّصِلُ الْأَخِيرُ بِأَثَرِ الْغَسْلِ السَّابِقِ
وَقِيلَ: بَلْ الطُّولُ مُحَدَّدٌ بِالْعُرْفِ حَكَاهُ الْقَابِسِيُّ وَعِيَاضٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَعَزَا الْفَاكِهَانِيُّ الْأَوَّلَ لِابْنِ حَبِيبٍ فَقَطْ وَهُوَ قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْتُ) قَدْ عَزَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي بَاب صِفَةِ الْوُضُوءِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ
وَأَمَّا حَدُّ التَّفَاحُشِ فَأَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّ الضَّابِطَ فِي التَّفَاحُشِ أَنْ يَجِفَّ مَا غُسِلَ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ وَالْمِزَاجِ الْمُعْتَدِلِ مِنْ النَّاسِ
وَأَمَّا فِي بَابٍ جَامِعٍ فِي الصَّلَاةِ فَعَزَاهُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَنَصُّهُ: وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ مِقْدَارُهُ مَا يَجِفُّ وَضُوءُهُ فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ، وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَزِيدُ فِي الْأَعْضَاءِ الْمُعْتَدِلَةِ يُرِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرُّطُوبَةِ وَالْقَشَابَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ مُرَادُهُ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ الْجِسْمَ الْمُعْتَدِلَ، وَقَوْلِ غَيْرِهِ الْبَدَنَ الْمُعْتَدِلَ اعْتِدَالُ الْمِزَاجِ، لَا كَوْنُ الشَّخْصِ بَيْنَ الشَّبَابِ وَالشُّيُوخَةِ بَلْ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ غَالِبًا، وَصَرَّحَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الطُّولِ التَّحْدِيدُ بِالْعُرْفِ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: هُنَا دَقِيقَةٌ فِي اعْتِبَارِ الْجَفَافِ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرْ الْجَفَافُ مِنْ آخِرِ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ الْمَأْتِيِّ بِهِ أَوْ مِنْ أَوَّلِ الْأَعْضَاءِ حَتَّى لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ وَقَعَ فَصْلٌ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ قَبْلَ جَفَافِ مَاءِ الْيَدَيْنِ وَبَعْدَ جَفَافِ مَاءِ الْوَجْهِ هَلْ يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْ لَا؟
وَكَذَلِكَ هَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ أَوْ الْأُولَى حَتَّى لَوْ طَالَ الْفَصْلُ نِسْيَانًا بَيْنَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَغَسَلَ الثَّالِثَةَ ثُمَّ غَسَلَ الْعُضْوَ الَّذِي يَلِي الثَّانِيَةَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَجِفُّ فِيهَا بَلَّةُ الْأُولَى دُونَ الثَّالِثَةِ هَلْ يَضُرُّ أَمْ لَا؟ قَالَهُ تَقِيُّ الدِّينِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ اغْتِفَارُ ذَلِكَ جَمِيعِهِ وَأَنَّهُ مَا دَامَ الْبَلَلُ مَوْجُودًا جَازَ الْبِنَاءُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يَبْنِي فِي النِّسْيَانِ مُطْلَقًا فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ عِنْدَ ذِكْرِهِ فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ عَامِدًا بَطَلَ وُضُوءُهُ إنْ تَفَاحَشَ،
وَإِنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ لَمْ يَبْطُلْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ أَخَّرَ حِينَ ذَكَرَهُ فَكَالْمُتَعَمِّدِ وَسَيَأْتِي لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ،
وَقَالَ فِي النُّكَتِ وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ هَذِهِ اللُّمْعَةَ لَمْ يَغْسِلْهَا فِي الْوَقْتِ ثُمَّ غَسَلَهَا بِالْقُرْبِ،
فَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَرَاخَى الْمِقْدَارَ الَّذِي لَوْ فَرَّقَ فِيهِ طَهَارَتَهُ لَمْ يَبْتَدِئْ الطَّهَارَةَ لِقُرْبِ ذَلِكَ لَمْ يَبْتَدِئْ جَمِيعَ طَهَارَتِهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ ابْتِدَاءُ طَهَارَتِهِ مِنْ أَوَّلِهَا نَقَلَهُ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ ذَكَرَ اللُّمْعَةَ أَوْ الْعُضْوَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَا يَغْسِلُهَا بِهِ فَحَكَى فِي النُّكَتِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدِ مِنْ شُيُوخِهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ إنْ طَالَ طَلَبُهُ لِلْمَاءِ ابْتَدَأَ جَمِيعَ طَهَارَتِهِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ لَهُ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْإِبْيَانِيِّ أَنَّهُ يَبْنِي مُطْلَقًا وَجَدَ الْمَاءَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ، وَمَضَى مُبَادِرًا،
وَالثَّانِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ النُّكَتِ وَنَصُّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ كَلَامَ الْإِبْيَانِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ النُّكَتِ خِلَافَ هَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا وَأَنَّهُ كَمَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ فِي ابْتِدَاءِ طَهَارَتِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ،
وَفِي الْوَاضِحَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ مِثْلُ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنْ شُيُوخِنَا ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْإِبْيَانِيِّ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنَّهُ عَزَاهُمَا لِلْإِبْيَانِيِّ وَشُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ
وَكَذَلِكَ ابْنُ نَاجِي وَلَمْ يَعْزُوَاهُ لِلْوَاضِحَةِ كَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَسِيَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ ثُمَّ نَسِيَ فَهَلْ يَبْنِي فِي النِّسْيَانِ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي،
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَرَكَ بَعْضَ مَفْرُوضِ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْضَ الْغُسْلِ أَوْ لُمْعَةً عَامِدًا حَتَّى صَلَّى أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ سَهْوًا حَتَّى طَاوَلَ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَقَطْ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ حِينَ ذَكَرَهُ اسْتَأْنَفَ الْغُسْلَ أَوْ الْوُضُوءَ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهُ تَرْكُ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فَلَمْ يُعْذَرْ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي
وَمِثْلُهُ فِي الصِّيَامِ الْمُتَتَابِعِ إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ وَيَصِلُهُ بِآخِرِ صَوْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَصِلْهُ ابْتَدَأَ. ظَاهِرُهُ وَلَوْ سَهْوًا وَيُعَارِضُهُمَا غَسْلُ النَّجَاسَةِ إذَا رَآهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى وَنَسِيَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَرَهَا. وَأُجِيبَ بِضَعْفِ النَّجَاسَةِ وَقَدْ قِيلَ فِيهَا بِالْفَضِيلَةِ وَبِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا عِنْدَ رُؤْيَتِهَا
بِخِلَافِ اللُّمْعَةِ فَإِنَّ غَسْلَهَا وَاجِبٌ فَوْرًا لِذَاتِهَا لِيَصِحَّ الْوُضُوءُ الَّذِي هِيَ مِنْهُ
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ عُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي خِلَافُ فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ صَلَّى الْخَمْسَ بِوُضُوءٍ وَجَبَ لِكُلِّ صَلَاةٍ
ثُمَّ ذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ وُضُوءِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ يَمْسَحُهُ وَيُعِيدُ الْخَمْسَ،
فَإِنْ أَعَادَ الْخَمْسَ نَاسِيًا لِمَسْحِ رَأْسِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَمْسَحُهُ وَيُعِيدُ الْعِشَاءَ فَقَطْ وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ سَحْنُونٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي عُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي قَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ،
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ هُنَا،
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُعْذَرُ بِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّجَاسَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا كَانَتْ اللُّمْعَةُ مِنْ مَغْسُولِ الْوُضُوءِ غَسَلَ مَوْضِعَهَا ثَلَاثًا
وَكَذَلِكَ إنْ نَسِيَ عُضْوًا غَسَلَهُ ثَلَاثًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ غَسَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَمَرَّةً وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْبُعْدِ غَسَلَ مَوْضِعَ اللُّمْعَةِ فَقَطْ ثَلَاثًا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَالْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالشَّبِيبِيُّ قَالَ الْجُزُولِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا غَسَلَ تِلْكَ الْأَعْضَاءَ أَوَّلًا مَرَّةً مَرَّةً فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
(فَرْعٌ) إذَا تَحَقَّقَ مَوْضِعَ اللُّمْعَةِ غَسَلَهَا خَاصَّةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَوْضِعَهَا غَسَلَ الْعُضْوَ كُلَّهُ.
(قُلْتُ) وَهَذَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ لُمْعَةً أَوْ عُضْوًا فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ بَلْ شَكَّ
فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ فَلَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ غَسَلَهُ فَلْيَغْسِلْ مَا شَكَّ فِيهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحِدْثَانِ وُضُوئِهِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْعُضْوِ بَلَلٌ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ غَسَلَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَلَلٌ غَسَلَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ طُولٍ مِمَّا يَجِفُّ فِيهِ لَوْ كَانَ غَسَلَهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) مَنْ ذَكَرَ لُمْعَةً مِنْ غُسْلِهِ أَوْ عُضْوًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ وُضُوئِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعِيدُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يَغْسِلُهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ التَّثْلِيثَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي الْغُسْلِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَأَعْرِفُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ ذَكَرَ لُمْعَةً مِنْ الْوُضُوءِ مِنْ إحْدَى يَدَيْهِ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ يَدٍ هِيَ إلَّا أَنَّهُ يَعْلَمُ مَوْضِعَهَا مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى وَأَعَادَ بَقِيَّةَ وُضُوئِهِ،
وَإِنْ طَالَ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ الْيَدَيْنِ جَمِيعًا.
[مسح بَعْض الأعضاء بِمَا تَبْقَى مِنْ مَاء فِي اللِّحْيَة أَوْ غَيْرهَا]
(فَرْعٌ) فَإِنْ ذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بِمَا فِي ذِرَاعَيْهِ أَوْ لِحْيَتِهِ مِنْ بَلَلٍ لِقِلَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْمَاءِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِحْيَتُهُ عَظِيمَةً بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ مَا فِيهِ كِفَايَةُ الْمَسْحِ فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَخَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ذَكَرَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ قَطَعَ وَلَمْ يُجْزِهِ مَسْحُهُ بِمَا فِي لِحْيَتِهِ مِنْ بَلَلٍ وَيَسْتَأْنِفُ مَسْحَهُ وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ وَلَا يُعِيدُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ وَضَوْءُهُ قَدْ جَفَّ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ أَعَادَ أَبَدًا وَهُوَ كَذَلِكَ، عَزَاهُ الْعُتْبِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَاهُ غَيْرُهُ لِمَالِكٍ انْتَهَى. وَنَصُّ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَسْحِ رَأْسِهِ بِفَضْلِ ذِرَاعَيْهِ قَالَ: لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ
فَلَوْ مَسَحَ بِفَضْلِ ذِرَاعَيْهِ وَبِفَضْلِ لِحْيَتِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ قَالَ: يُعِيدُ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا مَسْحُ رَأْسِهِ بِفَضْلِ ذِرَاعَيْهِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمَا مِنْ الْمَاءِ مَا يُمْكِنُهُ بِهِ الْمَسْحُ وَلَيْسَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَا أُحِبُّ دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أُحِبُّ فِيمَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَكْرَهُونَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ فِيمَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادِ، وَيَكْتَفُونَ بِقَوْلِهِمْ أَكْرَهُهُ وَلَا أُحِبُّهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ.
فَيُكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ اللِّحْيَةِ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِلْمَسْحِ، وَعَلَى هَذَا تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ عَظُمَتْ لِحْيَتُهُ فَكَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْمَاءِ كِفَايَةٌ لِلْمَسْحِ وَأَجَازَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِمَنْ ذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَقَدْ بَعُدَ عَنْهُ الْمَاءُ أَنْ يَمْسَحَ بِذَلِكَ الْبَلَلِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْخِلَافُ جَارٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِثْلَ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ خَرَّجَ اللَّخْمِيُّ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُسْتَعْمَلِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قُلْتُ) وَكَذَا ابْنُ بَشِيرٍ وَفِي التَّخْرِيجِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ أَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا أَوْ كَانَ الْمَاءُ مِنْهُ قَرِيبًا،
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا أَوْ لَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَفْسِيرًا لِلْمُدَوَّنَةِ لَا خِلَافًا، وَلِهَذَا قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَجْهُ الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلِنَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ هُوَ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَلَلِ فِي شَعْرِ وَجْهِهِ لَا يَكَادُ فِي غَالِبِ النَّاسِ أَنْ تَقَعَ بِهِ الْكِفَايَةُ فِي إيعَابِ يَدَيْهِ فَضْلًا عَنْ إيصَالِ الْبَلَلِ مِنْ يَدَيْهِ إلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ، وَقَدْ
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ: إنْ لَمْ يُوعِبْ جَمِيعَ رَأْسِهِ بِالْمَاءِ مَسْحًا لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُوعِبْ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ غَسْلًا فَإِنْ صَوَّرَ مُصَوِّرٌ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَجِدُ مِنْ الْمَاءِ كِفَايَتَهُ يَعْنِي فِي لِحْيَتِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ إلَّا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَقِلُّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِعُمُومِ الْمَاءِ غَالِبَ الْأَحْوَالِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ: إنْ كَانَ الْبَلَلُ لَمْ يَعُمَّ رَأْسَهُ لَمْ يُجْزِهِ،
وَإِنْ كَانَ يَعُمُّ لَكِنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِأَوْسَاخٍ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ مُضَافٌ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا فَهُوَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ،
فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَاءٌ قَرِيبٌ فَمَذْهَبُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ بَعِيدًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزِيَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَا خِلَافٌ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي كَلَامَ ابْنِ رَاشِدٍ وَاسْتَبْعَدَهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَعْدَ الْوُقُوعِ. قَالَ: وَيَرُدُّهُ نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ بَعُدَ عَنْ الْمَاءِ فَلْيَمْسَحْ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي بَلَلِ الذِّرَاعَيْنِ أَنَّهُ كَبَلَلِ اللِّحْيَةِ وَرَدَّهُ بِنَقْلِ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ مَسَحَ بِبَلَلِ ذِرَاعَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(وَهَلْ الْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا وَإِنْ عَجَزَ مَا لَمْ يَطُلْ جَفَافُ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلَ أَوْ سُنَّةٌ خِلَافٌ) ابْنُ يُونُسَ: الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُوَالَاةَ مَعَ الذِّكْرِ وَاجِبَةٌ وَلَا يُفْسِدُهُ قَلِيلُ التَّفَرُّقِ ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْفَوْرَ سُنَّةٌ فَإِنْ فَرَّقَهُ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَامِدًا أَعَادَ أَبَدًا لِتَهَاوُنِهِ ابْنُ بَشِيرٍ: الْمُوَالَاةُ أَنْ يَفْعَلَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ مِنْ وُضُوئِهِ فَخَاضَ بِهَا نَهْرًا فَدَلَّكَهُمَا فِيهِ بِيَدِهِ وَلَمْ يَنْوِ تَمَامَ وُضُوئِهِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَظَنَّ أَنَّهُ أَكْمَلَهُ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ،
وَأَمَّا لَوْ تَوَضَّأَ بِقُرْبِ النَّهْرِ ثُمَّ دَخَلَ النَّهْرَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ فِيهِ لَأَجْزَاهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ تَمَامَ وُضُوئِهِ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ لِكُلِّ عُضْوٍ يَغْسِلُهُ نِيَّةً.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاسُ النِّيَّةِ فِي خِلَالِ الْغَسْلِ وَلَا قَبْلَ الْغَسْلِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ قَرِيبًا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي دَخَلَ الْحَمَّامَ لِغُسْلِ جَنَابَةٍ فَنَسِيَ ذَلِكَ وَقْتَ الْغُسْلِ: إنَّهُ يُجْزِيهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَغْسِلْ مَا تَرَكَ سَهْوًا حِينَ ذَكَرَهُ يُرِيدُ وَطَالَ اسْتَأْنَفَ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ،
وَإِنْ قَامَ لِعَجْزِ مَائِهِ وَقَرُبَ وَلَمْ يَجِفَّ بَنَى وَفِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَرَكَ فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِ وُضُوئِهِ أَوْ سُنَّةً فَذَكَرَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ فَعَلَ الْفَرْضَ وَمَا يَلِيهِ وَفَعَلَ السُّنَّةَ وَلَمْ يُعِدْ مَا يَلِيهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ذَكَرَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ قَطَعَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَلَمْ يُعِدْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَسَيَأْتِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:"
وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا ".
(ص) وَهَلْ الْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ (ش) الْفَرِيضَةُ السَّادِسَةُ الْمُوَالَاةُ وَهِيَ حَقِيقَةٌ لُغَةً فِي الْمُجَاوَرَةِ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَمَاكِنِ مَجَازٌ فِي الْأَفْعَالِ وَمِنْهُ الْوَلَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالتَّوَالِي وَشَرْعًا عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِأَفْعَالِ الطَّهَارَةِ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ وَالْعِبَارَةُ الْأُولَى أَسَدُّ لِاقْتِضَائِهَا الْفَوْرِيَّةَ فِيمَا بَيْنَ الْأَعْضَاءِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْفِعْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِيَةُ تُعْطِي وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ أَوَّلَ الْوَقْتِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمُوَالَاةِ بِالسُّنِّيَّةِ وَسَيَأْتِي وَبِالْوُجُوبِ فِي الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوخِ الْبَدَلِيِّ وَالْأَصْلِيِّ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ ذَكَرَ وَقَدَّرَ سَاقِطَةً مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ كَمَا شَهَرَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ
ثُمَّ إنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: إنْ ذَكَرَ وَقَدَّرَ عَدَمَ الْوُجُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا مَعَ أَنَّ الْعَاجِزَ يَبْنِي مَا لَمْ يُطِلْ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَقِّهِ وَاجِبَةٌ وَإِلَّا كَانَ يَبْنِي أَيْضًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يَبْنِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ التَّفْرِيطِ بِخِلَافِ النَّاسِي
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَالْأَمَاكِنِ) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ وَأَرَادَ بِهَا بُقَعَ الْأَرْضِ كَأَنْ تَقُولَ هَذِهِ الْبُقْعَةُ تَلِي هَذِهِ الْبُقْعَةَ وَيَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْأَمَاكِنَ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ أَنَّهَا الْفَرَاغَاتُ الْمُتَوَهَّمَةُ
(قَوْلُهُ: مَجَازٌ فِي الْأَفْعَالِ) أَيْ مَجَازُ اسْتِعَارَةٍ كَأَنْ تَقُولَ: هَذَا الْفِعْلُ يَلِي هَذَا الْفِعْلَ
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ وَمِنْ الْمُوَالَاةِ أُخِذَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ الْوَلَاءُ تَقُولُ: وَالَى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مُوَالَاةً وَوَلَاءً تَابَعَ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَفِي الْمِصْبَاحِ وَالَاهُ مُوَالَاةً وَوَلَاءً مِنْ بَابِ قَاتَلَ تَابَعَهُ
(قَوْلُهُ: وَالتَّوَالِي) تَقُولُ تَوَالَى تَوَالِيًا أَيْ تَتَابَعَ فَالتَّوَالِي التَّتَابُعُ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّوَالِيَ فِعْلُهُ لَازِمٌ،
وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَفِعْلُهُ أُتِيَ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا كَمَا عَلِمْت
(قَوْلُهُ: مُتَّصِلٍ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ أَيْ بِدُونِ تَفْرِيقٍ أَصْلًا أَوْ مَعَ تَفْرِيقٍ غَيْرِ مُتَفَاحِشٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ سَالِمًا ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ وَلَوْ عَمْدًا اتِّفَاقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ وَإِذَا لَمْ يَضُرَّ فَيُكْرَهُ
وَقِيلَ يُمْنَعُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يُحَدُّ هَذَا الْيَسِيرُ هُنَا بِعَدَمِ الْجَفَافِ كَمَا فِي حَقِّ الْعَاجِزِ بَلْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ عُذْرِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ عَدَمِ الْبَيَانِ وَرَدَّهُ عج بِأَنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ الشُّيُوخِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الطُّولَ فِي حَقِّ الْعَامِدِ كَالْعَاجِزِ.
(قَوْلُهُ: لِاقْتِضَائِهَا الْفَوْرِيَّةَ فِيمَا بَيْنَ الْأَعْضَاءِ) أَيْ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمُفَاعَلَةِ الْمُقْتَضِي لِتَوَالِي أُمُورٍ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْفِعْلِ الْأَوَّلِ) فِي كَوْنِهِ يُوَالِي غَيْرَهُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَيْ
بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِمْ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ الْفَوْرِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ بِفِعْلٍ فَوْرًا أَيْ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ عَمَّا قَبْلَهُ أَيْ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا كَانَ يَبْنِي أَيْضًا) أَيْ مَعَ الطُّولِ
(قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ إلَخْ) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ صُوَرِ الْعَجْزِ عَلَى مَا يَأْتِي مَا إذَا ظَنَّ أَنَّ الْمَاءَ يَكْفِيهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ أَوْ شَكَّ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّسَامُحِ إذْ لَا عَجْزَ حَقِيقَةً نَعَمْ مِنْ صُوَرِ الْعَجْزِ الَّذِي فِيهِ التَّفْصِيلُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مَا إذَا جَزَمَ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ فَأُهْرِيقَ أَوْ أَهْرَاقَهُ غَيْرُهُ أَوْ غَصَبَهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَفْرِيطٌ.
(وَهَلْ الْمُوَالَاةُ) أَيْ عَدَمُ التَّفْرِيقِ الْكَثِيرِ بَيْنَ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَيُسَمَّى فَوْرًا أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يُوهِمُ وُجُوبَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَوُجُوبُ الْإِسْرَاعِ فِيهِ وَحُرْمَةُ التَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ هِيَ مَنْدُوبَةٌ فَالتَّعْبِيرُ بِهَا أَوْلَى لِأَنَّهَا لَا تُوهِمُهَا وَخَبَرُ الْمُوَالَاةِ (وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ) وَقَدَرَ، وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا،
وَإِنْ عَجَزَ مَا لَمْ يَطُلْ بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلَا، أَوْ سُنَّةٌ؟
[منح الجليل] أَيْ تَذَكَّرَ الشَّخْصُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ (وَقَدَرَ) الْمُتَوَضِّئُ عَلَى التَّوَضُّؤِ بِلَا تَفْرِيقٍ كَثِيرٍ فَلَا تَجِبُ إنْ نَسِيَ أَوْ عَجَزَ.
وهل الموالاة يعني أن الشيوخ اختلفوا في حكم الموالاة بين فرائض الوضوء؛ وهي الإتيان بجميعها في زمن متصل، أو ما هو في حكمه من التفريق اليسير فلا يضر ولو عمدا، فمنهم من ذهب إلى أنها واجبة وعزاه الفاكهاني لمالك وابن القاسم وشهره،
وقال ابن ناجي في شرح المدونة: هو المشهور ومحل الوجوب إن ذكر وقدر فإن انتفى القيدان أو أحدهما سقط الوجوب، واستدل للوجوب بأن الفاء تقتضي الترتيب من غير مهلة، وعطف الأعضاء بعضها على بعض يقتضي جعلها في حكم جملة واحدة؛ فكأنه قال: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء، وبأن الأمر في الآية للفور، وبأن الخطاب ورد بصيغة الشرط والجزاء،
ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن الشرط، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: وقد توضأ مرة مرة في فور واحد (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (١) )، فنفى القبول عند انتفائه قال الإمام الحطاب بعد أن جلب ما جلب من النقول. فتحصل أن المعتمد من المذهب أن من فرق الطهارة عامدا أعاد الوضوء والصلاة أبدا،
ومن فرقها عاجزا أو ناسيا بنى: والتفريق غير المتفاحش لا تأثير له عمدا كان أو سهوا. عبد الحق: ولا خلاف في ذلك. ابن الحاجب: والتفريق اليسير مغتفر،
قال في التوضيح: حكى عبد الوهاب فيه الاتفاق، وحكى صاحب الطراز قولين،
وقال: إن المشهور أنه لا يضر،
وقال ابن الجلاب: يمنع البناء، والقولان مبنيان على الخلاف فيما قارب الشيء هل يُعطَى حكمه أم لا؟
وفي المجموعة عن مالك أنه كان يتنشف من وضوئه قبل غسل رجليه،
وفي حديث البخاري (أنه -صَلَّى الله تعالى عليه وسلم- اغتسل ثم تنحى فغسل قدميه (٢) )،
وفي حديث المغيرة (أنه -صلى الله عليه وسلم- توضأ وعليه جبة شامية ضيقة الكم فترك -صلى الله عليه وسلم- وضوءه وأخرج يده من كمه من تحت ذيله حتى غسلها )،
وإذا قلنا: إن التفريق اليسير لا يضر فظاهر كلامهم أنه لا كراهة في ذلك. قاله الحطاب. قال.
وقال ابن ناجي ولا خلاف أن التفريق اليسير مكروه، وظاهر كلام الجلاب أنه ممنوع، ولا أعرف له موافقا، وصرح الشبيبي في شرح الرسالة بالكراهة من غير ضرورة، قال: ولا يفسد بلا خلاف الحطاب: ووجهه ظاهر، والتفريق اليسير عمدا لا يحد بجفاف الأعضاء كما حد في حق العاجز بذلك. بل هو أقل منه لعدم عذره. الحطاب هذا هو الظاهر من كلام أهل المذهب، وما قاله ابن فرحون من أن حد اليسير ما لم تجف أعضاء الوضوء غير ظاهر،
ولما ذكر أن الموالاة واجبة مع الذكر والقدرة أخذ يبين حكم ما إذا ترك الموالاة نسيانا أو عجزا، وبدأ بالنسيان فقال: وبنى بنية من نسي يعني أن من نسي عضوا من أعضاء وضوئه، أو ترك منها لمعة فإنه يبني على وضوئه المتقدم بالنية؛ أي يتممه ولا يستأنف الوضوء، بل يأتي بما ترك منه عضوا أو لمعة مطلقا طال التفريق أم لا، يريد: ويعيد ما بعد ذلك العضو أو تلك اللمعة لن أعضاء وضوئه مفروضا أو مسنونا، وهذا إذا ذكر بالقرب قبل جفاف أعضائه،
وإن ذكر بعد الطول بجفاف أعضائه لم يعد ما بعد ذلك العضو ولا ما بعد تلك اللمعة، واستغنى المص عن هذا بما سيذكره في الترتيب من إعادة المنكس وحده إن بعد بجفاف وإلا مع تابعه، فحكم الإعادة في المنكس والمنسي سواء؛ لأن إعادة ما بعده إنما هي لأجل الترتيب،
فلو لم يعد ما بعده لم يكن عليه شيء، وحكم الإعادة السنة في هذا وفي مسألة الترتيب: والظاهر أن قوله: مطلقا نائب عن المصدر منصوب بقوله: "وبني" ؛ أي وبنى بناء مطلقا أي غير مقيد بتفريق يسير، فيبني بالنسيان ولو طال التفريق، وتقدم أنه يعيد ما بعد المنسي من مسنونات الوضوء إن ذكر بالقرب، وذلك لأنه بحكم التبع للفرائض، ومعنى قوله: "بنية" أنا إذا قلنا بالبناء على ما تقدم من وضوئه فلابد له من النية،
فلو حصل غسل العضو المنسي بلا نية لم يجزه ذلك، وقوله: "وبنى إن نسي" الخ حكم البناء السنة.
وفي حكم النسيان ما إذا أعد من الماء ما جزم بأنه يكفيه فتبين خلافه، أو أراقه شخص، أو غصبه، أو أريق منه بغير اختياره، أو أكره على التفريق، والظاهر أن الإكراه هنا يكون بما يأتي في الطلاق من خوف مولم فأعلى؛ إذ هذا الإكراه هو المعتبر في العبادات.
قاله الرماصي: ومن عجز لمرض،
فإن وجد من يستنيبه، وجب عليه أن يستنيبه فإن لم يجد من يستنيبه فالظاهر أنه كالإكراه، فحكمه كالنسيان.
قاله الرماصي: وفي الحطاب بعد جلب نقول: فظهر من هذا أن العاجز إذا أعد من الماء ما يكفيه ثم غصبه أو أهريق أو أهراقه بغير تعمد أو أكره على التفريق يبني وإن طال، كالناسي بلا خلاف عند بعضهم، كما يظهر من كلام اللخمي وابن رشد، وعند بعضهم على الراجح،
وإن فرق بعد التذكر ابتدأ وضوءا آخر، وما تقدم من أن حكم البناء السنة قاله الشيخ عبد الباقي، وهو يفيد أن البناء على الوضوء سنة،
فإذا رفض ما فعل منه وابتدأ وضوءا آخر كان مخلا بالسنة، وقد صرحوا بأن المتوضئ مخير في إتمام وضوئه وتركه، ونظموا ما يجب إتمامه بالشروع وما لا يجب إتمامه فقالوا: صلاة وصوم ثم حج وعمرة … طواف عكوف بالشروع تحتما وفي غيرها كالوقف والطهر خيرن … فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما قاله الشيخ محمد بن الحسن.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.