بأشهد أَنَّهُ عَدْلٌ رِضَا
الشروح عليها
(بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا) أَيْ أَنَّ التَّزْكِيَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَكْفِي هُوَ عَدْلٌ إلَخْ وَلَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ أَوْ لَا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ إنْ حَذَفَ لَفْظَ أَشْهَدُ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا بَعْدَهُ كَفَى فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ عَدْلٍ وَرِضًا لِأَنَّ الصَّالِحَ قَدْ يَكُونُ مُغَفَّلًا أَوْ مُتَّصِفًا بِمَانِعٍ
وَكَذَا عَالِمٌ وَفَاضِلٌ وَمُعْتَقِدٌ بَيْنَ النَّاسِ
بِخِلَافِ عَدْلٍ رِضًا فَإِنَّ مَعْنَاهُ مُتَّصِفٌ بِشُرُوطِ الْعَدَالَةِ مَرَضِيٌّ فِي الْأَدَاءِ لَا غَفْلَةَ عِنْدَهُ وَلَا بَلَهَ وَلَا مُسَاهَلَةَ فَالْأَوَّلُ يَرْجِعُ لِسَلَامَةِ الدَّيْنِ وَالثَّانِي يَرْجِعُ لِلسَّلَامَةِ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ وَتَكُونُ التَّزْكِيَةُ
(قَوْلُهُ بِأَشْهَدُ) إلَخْ هَذَا تَصْوِيرٌ لِلتَّزْكِيَةِ
(قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ عَدْلٍ وَرِضًا) أَيْ قَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} مَعَ قَوْلِهِ {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}
فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يُجْزِهِ
وَقِيلَ إنَّهُ يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْمُوَلِّيَ قَدْ ذَكَرَ كُلَّ لَفْظَةٍ عَلَى حِدَتِهَا وَشُهِرَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا كَالْأَوَّلِ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ اُنْظُرْ بْن
ص (فَأَشْهَدَ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا) ش:(فَرْعٌ) ذَكَرَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُفِيدُ التَّزْكِيَةَ وَإِنَّمَا يُكْتَبُ فِي التَّبْرِئَةِ مِنْ التُّهَمِ فَيَقُولُونَ فِي عَقْدِ التَّبْرِئَةِ: لَا يُعْلَمُ شُهُودُهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا خَيْرًا وَلَا بُدَّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ مِنْ خِبْرَتِهِ وَمُبَاطَنَتِهِ،
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا أَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا، وَقَوْلُهُ: لَا أَعْلَمُ لَهُ مَالًا انْتَهَى.
(بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِي فِي التَّعْدِيلِ إلَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(عَدْلٌ رِضًى) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا مُنَوَّنًا، أَيْ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ. ابْنُ الْجَلَّابِ لَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ إجْزَاؤُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ فَلَا يُجْزِئُ أَعْلَمُ أَوْ أَعْرِفُ قَالَهُ تت. طفى تَبِعَ قَوْلَ الْبِسَاطِيِّ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ،
فَلَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى فَلَا يَكْفِي عَلَى الْمَشْهُورِ. اهـ. وَهُوَ تَابِعٌ لِقَوْلِ الْمُوَضِّحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى،
وَقِيلَ أَوْ أَعْلَمُهُ أَوْ أَعْرِفُهُ يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ،
وَالثَّانِي يَكْفِي عِنْدَهُ أَشْهَدُ أَوْ أَعْلَمُهُ عَدْلًا رِضًى أَوْ أَعْرِفُهُ. اهـ. وَهَذَا مُرَادُهُ فِي مُخْتَصَرِهِ لِإِدْخَالِ الْجَارِّ عَلَى الْفِعْلِ قَاصِدًا حِكَايَةَ لَفْظِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ هُوَ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لَا بُدَّ مِنْ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ عَدْلٌ، سَوَاءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَا يَقُولُ أَعْلَمُهُ وَلَا أَعْرِفُهُ، وَعَلَى هَذَا شَرَحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ اخْتَارَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي هَذَا الشَّاهِدُ عَدْلٌ رِضًى اهـ.
اللَّخْمِيُّ إنْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى صَحَّتْ الْعَدَالَةُ. الْمَازِرِيُّ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَفْظُ التَّعْدِيلِ. أَنْ يَقُولَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى. اهـ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ أَشْهَدُ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ بِقَوْلِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ أَشْهَدُ فِي التَّزْكِيَةِ، وَالرِّوَايَاتُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ. وَرَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ يَكْفِي إلَخْ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَسَحْنُونٌ يَقُولُ هُوَ عَدْلٌ رِضًى جَائِزُ الشَّهَادَةِ يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ اخْتَارَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ هُوَ عِنْدِي مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالرِّضَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا اكْتَفَى بِهِ لِذِكْرِهِ تَعَالَى كُلَّ لَفْظٍ وَحْدَهُ. قُلْت وَهُوَ نَقْلُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
[منح الجليل] ابْنُ فَتُّوحٍ عَنْ الْمَذْهَبِ. اللَّخْمِيُّ إنْ قَالَ عَدْلٌ رِضًى صَحَّتْ الْعَدَالَةُ، وَاخْتُلِفَ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ هَلْ هُوَ تَعْدِيلٌ أَمْ لَا،
فَإِنْ قَالَ إحْدَاهُمَا وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ الْأُخْرَى فَهُوَ تَعْدِيلٌ لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ وُصِفَ بِإِحْدَاهُمَا،
وَإِنْ سُئِلَ عَنْ الْأُخْرَى فَوَقَفَ فَهِيَ رِيبَةٌ فِي تَعْدِيلِهِ فَيُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ وَقْفِهِ، فَقَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ أَوْ يَذْكُرُ مَا يُرِيبُ فَيُوقَفُ عَنْهُ.
وَفِي الْجَلَّابِ وَالتَّزْكِيَةُ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ أَنْ نَشْهَدَ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى، وَلَا يَقْتَصِرَانِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدْلِ وَالرِّضَى. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ لَا تَكْفِي وَهُوَ الَّذِي فِي الْجَلَّابِ،
وَفِي الْكَافِي هُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ وَهُوَ الْمَعْلُومُ لِمَالِكٍ وَسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِمَا وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ، فَالْأَوْلَى الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) الْقَرَافِيُّ قَاعِدَةُ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَمَا لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِهِ. اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ،
فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْحَاكِمِ أَنَا أُخْبِرُك أَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا عَنْ يَقِينٍ مِنِّي وَعِلْمٍ بِهِ فَلَا يُعَدُّ شَهَادَةً، بَلْ هَذَا وَعْدٌ مِنْ الشَّاهِدِ لَهُ أَنَّهُ سَيُخْبِرُهُ بِهِ عَنْ يَقِينٍ فَلَا يَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُك بِكَذَا فَهُوَ كَاذِبٌ، إذْ مُقْتَضَاهُ تَقَدُّمُ إخْبَارِهِ بِهِ وَلَمْ يَقَعْ، فَالْمُضَارِعُ وَعْدٌ وَالْمَاضِي كَذِبٌ،
وَكَذَا اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَأَنَا مُخْبِرُك بِكَذَا، فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ إخْبَارِهِ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَقَعْ فَظَهَرَ أَنَّ الْخَبَرَ كَيْفَ تَصَرَّفَ لَا يُعَدُّ شَهَادَةً وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ،
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ فَقَالَ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ، فَسَمِعْته يُقِرُّ لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا، أَوْ شَهِدْت بِصُدُورِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ، فَلَيْسَ هَذَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ تَقَدَّمَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ بَعْدُ عَلَى مَا مَنَعَ الشَّهَادَةَ بِهِ مِنْ فَسْخٍ . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] أَوْ إقَالَةٍ أَوْ حُدُوثِ رِيبَةٍ لِلشَّاهِدِ تَمْنَعُ الْأَدَاءَ فَلَا يَجُوزُ لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا صَدَرَ بِهِنَّ الشَّاهِدُ، فَالْخَبَرُ كَيْفَ تَقَلَّبَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلِذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ،
فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ بِكَذَا كَانَ إنْشَاءً،
وَلَوْ قَالَ شَهِدْت لَمْ يَكُنْهُ. عَكْسُ الْبَيْعِ لَوْ قَالَ أَبِيعُك لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً لَهُ، بَلْ وَعْدٌ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ بِعْتُك كَانَ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، فَإِنْشَاءُ الشَّهَادَةِ بِالْمُضَارِعِ وَالْعُقُودِ بِالْمَاضِي وَإِنْشَاءُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِالْمَاضِي وَاسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ وَلَا يَنْشَأُ الْبَيْعُ وَالشَّهَادَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ،
فَلَوْ قَالَ أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا أَوْ أَنَا بَائِعٌ، كَذَا لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً.
وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ، فَمَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لِلْإِنْشَاءِ فَهُوَ إنْشَاءٌ وَمَا لَا فَلَا فَاتُّفِقَ أَنَّهُمْ وَضَعُوا لِلْإِنْشَاءِ الْمَاضِيَ فِي الْعُقُودِ، وَالْمُضَارِعَ فِي الشَّهَادَةِ وَاسْمَ الْفَاعِلِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةً لِلْإِنْشَاءِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ صَحَّ اعْتِمَادُ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّرِيحِ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى غَيْرِهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ مِنْهُ،
فَإِنْ اتَّفَقَ تَغَيُّرُ الْعُرْفِ وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضُوعًا لِإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْمُضَارِعُ لِإِنْشَاءِ الْعُقُودِ اعْتَمَدَ الْحَاكِمُ عَلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ الَّذِي تُرِكَ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَاشِئٌ عَنْ الْعَوَائِدِ وَتَابِعٌ لَهَا، وَأَنَّهُ يَنْقَلِبُ وَيَنْتَسِخُ بِتَغَيُّرِهَا وَانْقِلَابِهَا فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا خَفَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا تُؤَدَّى بِهِ الشَّهَادَةُ وَمَا لَا تُؤَدَّى بِهِ اهـ. طفى جَعْلُهُ أَشْهَدُ إنْشَاءً لَا يَصِحُّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، لِقَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ تَقُولُ مِنْهُ شَهِدَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا، وَقَوْلُ ابْنِ فَارِسٍ فِي مُجْمَلِهِ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ عَنْ عِلْمٍ، وَقَوْلُ فَخْرِ الدَّيْنِ أَشْهَدُ إخْبَارٌ عَنْ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ الْمُسَمَّى كَلَامَ النَّفْسِ،
وَكَذَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ لِوَصْفِ الشَّاهِدِ بِالصِّدْقِ وَالزُّورِ، وَهُمَا مِنْ عَوَارِضِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ عَامًّا فَهِيَ الرِّوَايَةُ،
وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَهِيَ الشَّهَادَةُ. مِنْ فَطِنٍ [منح الجليل] فَإِنْ قُلْت لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ جَعْلِ لَفْظِ أَشْهَدُ إنْشَاءً، وَالشَّهَادَةِ خَبَرًا، كَمَا قَالَ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْإِخْبَارُ عَنْ عَامٍّ لَا تُدَافَعُ فِيهِ الرِّوَايَةُ، وَخِلَافُهُ الشَّهَادَةُ وَأَشْهَدُ إنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إخْبَارًا لَا مَحْضَ إخْبَارٍ أَوْ إنْشَاءٍ، وَعَلَى الْمُخْتَارِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ أَشْهَدُ إنْشَاءً وَبَيْنَ كَوْنِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ إخْبَارًا؛ لِأَنَّهُ صِيغَةٌ مُؤَدِّيَةٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى بِمُتَعَلِّقِهِ. قُلْت الشَّهَادَةُ مَصْدَرُ أَشْهَدُ فَيَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ أَحَدِهِمَا إنْشَاءً كَوْنُ الْآخَرِ كَذَلِكَ،
وَمِنْ النَّظَرِ إلَى الْمُتَعَلِّقِ فِي أَحَدِهِمَا كَوْنُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا صَنَعَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالْمُحَلَّى، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَشْهَدُ إنْ سُلِّمَ أَنَّهُ إنْشَاءٌ لَزِمَ كَوْنُهُ إنْشَاءً لِذَلِكَ الْخَبَرِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ،
فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْمُتَعَلِّقِ فَخَبَرَانِ وَإِلَّا فَإِنْشَاءَانِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَصَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ بَنَى مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ عِنْدَهُمْ حَصْرُ الشَّهَادَةِ فِي لَفْظِ أَشْهَدُ، فَكَأَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ الْخَبَرِ، فَحَصْرُ الْقَرَافِيِّ الشَّهَادَةَ فِيهِ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، إذْ لَمْ يَشْتَرِطُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ صِيغَةً مَخْصُوصَةً، بَلْ قَالُوا الدَّارُ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ. فِي النَّوَادِرِ قَوْلُهُ هَذِهِ شَهَادَتِي أَدَاءٌ لَهَا، وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ تَوَفُّرِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَانِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي حَصْرِ الْقَرَافِيِّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ فِي لَفْظِ أُؤَدِّي الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِعُرْفٍ تَقَرَّرَ بَعِيدٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ.
وَنَقَلَ شَمْسُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ، بَلْ مَتَى قَالَ الشَّاهِدُ رَأَيْت كَذَا أَوْ سَمِعْت كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَتْ شَهَادَةً مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَمَنْ تَصَفَّحَ نُصُوصَ الْمَالِكِيَّةِ عَلِمَ بُطْلَانَ حَصْرِ الْقَرَافِيِّ الشَّهَادَةَ فِي لَفْظِ أَشْهَدُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ التَّزْكِيَةِ
بأشهد أنه عدل رضي، الباء للآلة أو للتصوير؛ يعني أن التزكية هي أن يقول العدل أشهد أنه عدل رضي؛ لأن العدالة تشعر بسلامة الدين، والرضى يشعر بالسلامة من البله والغفلة،
ثم إن كلام كل من المدونة والإرشاد يفيد أنه لا يشترط الإتيان بلفظ أشهد،
وقال ابن مرزوق: من تأمل المنصوص وجدها موافقة لكلام المص في شرط اجتماعهما أي عدل ورضى، ولم أقف على شرطية لفظ أشهد في التزكية. اهـ.
قاله الشبراخيتي: وقال عبد الباقي: مُقْتَضَى المص أنه لا بد من لفظ: أشهد،
فلو قال: عدل رضي، لم يكف على المشهور نقله الطخيخي عن البساطي.
وأما الجمع بين عدل ورضى فلا بد منه،
فإن اقتصر على أحدهما لم يجزه على المشهور. اهـ. وقوله: ولا بد من لفظ أشهد لخ، فيه نظر،
وإن اتبع فيه التوضيح؛ والنصوص شاهدة لما قاله ابن مرزوق، والحق ما قالاه أي المصطفى وابن مرزوق،
وقوله: فإن اقتصر على أحدهما لخ، نقل ابن عرفة عن ابن رشد ما نصه: أختار أن يجمع بين قوله: من أهل العدل والرضى، لقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، مع قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ،
فإن اقتصر على أحدهما اكتفى به؛ لأنه تعلى ذكر كل لفظ على حدته.
ابن عرفة: قُلْتُ: وهو نقل ابن فتوح عن المذهب. اللخمي: إن قال إنه عدل رضي، صحت العدالة، واختلف إن اقتصر على إحدى الكلمتين، هل هو تعديل أم لا؟
فإن قال إحدى الكلمتين، ولم يسأل عن الأخرى فهو تعديل لورود القرآن بقبول شهادة من وصف بإحداهما،
وإن سئل عن الأخرى فوقف فهو ريبة في تعديله يسأل في سبب وقفه: فقد يذكر ما لا يقدح في العدالة، أو يذكر ما يريب فيوقف عنه،
وفي الجلاب: أن يقول الشاهدان: نشهد بأن فلانا عدل رضي ولا يقتصران على لفظ واحد من العدالة والرضى، هذا نقل ابن عرفة،
وفي التوضيح: كون إحدى الكلمتين لا تكفي هو الذي في الجلاب، قال الكافي: هو تحصيل مذهب ملك،
وقال ابن زرقون: المعروف من المذهب خلافه، وأنه إن اقتصر على إحداهما أجزأه، وهو العلوم لملك وسحنون وغيرهما، واختار اللخمي التفصيل،
ثم ذكر ما تقدم عنه: وبه تعلم أنه كان على المص أن يشير هنا إلى الخلاف في ذلك. والله أعلم. قاله البناني.
وقال الرهوني: ما فعله المص هو الصواب؛ لأن كلا من القولين وإن رجح فالثاني أرجح. اهـ. وقوله: وتزكية إلى هنا جار في مزكي السر والعلانية، فيشترط فيهما التبريز.
فرع: ذكر الدماميني في حاشية البخاري في كتاب الشهادات في قوله: لا نعلم إلا خيرًا، أن هذا اللفظ لا يفيد التزكية، وإنما يكتب في التبرئة من التهم، فيقولون في عقد التبرئة: لا يعلم شهوده على فلان إلا خيرا، ولا بد في هذه الشهادة من خبرته ومباطنته،
وكذلك قوله: لا أعلم له وارثا، وقوله: لا أعلم له مالا. قاله الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.