وخط شاهد مات أو غاب ببعد وإن بغير مال فيهما إنْ عَرَفْته: كَالْمُعَيَّنِ وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَشْهَدَهُ وتحملها عدلا
الشروح عليها
(وَ) جَازَتْ عَلَى (خَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ بِبُعْدٍ) وَجُهِلَ الْمَكَانُ كَبُعْدِهِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ يُشْتَرَطُ فِيهَا بَعْدَ الْغَيْبَةِ وَلَيْسَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهَا كَالنَّقْلِ عَنْهَا يَجُوزُ وَلَوْ لَمْ تَغِبْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ ضَعِيفَةٌ لَا يُصَارُ إلَيْهَا مَعَ إمْكَانِ غَيْرِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الرَّاجِحِ إدْرَاكُ مَنْ شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّا نَعْلَمُ خُطُوطَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَشْيَاخِ الَّذِينَ لَمْ نُدْرِكْهُمْ عَلِمْنَاهُ بِالتَّوَاتُرِ وَالْمُرَادُ بِالْبُعْدِ مَا يَنَالُ الشَّاهِدَ الْغَائِبَ فِيهِ مَشَقَّةٌ فَلَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ شَاهِدٍ قَرِيبٍ لَا تَنَالُهُ مَشَقَّةٌ فِي إحْضَارِهِ وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ وَعَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ (وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ) كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَحَدٍّ (فِيهِمَا) أَيْ فِي خَطِّ الْمُقِرِّ وَخَطِّ الشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ
وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مُسَلَّمٌ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِيَ إذْ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا لِضَعْفِهَا عَنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ
وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِ جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَالْأَوَّلُ عَامٌّ وَالِاثْنَانِ بَعْدَهُ مُخْتَصَّانِ بِالْقِسْمِ الثَّانِي بِنَوْعَيْهِ فَقَالَ (إنْ عَرَفْته) أَيْ الْخَطَّ (كَالْمُعَيَّنِ) أَيْ كَمَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَطْعِ وَلِذَا إنَّمَا تُقْبَلُ مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ بِالْخَطِّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْخَطَّ حَاضِرٌ
وَأَشَارَ لِلشَّرْطَيْنِ الْمُخْتَصَّيْنِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَ) عَرَفْت (أَنَّهُ) أَيْ الشَّاهِدُ الْكَاتِبُ خَطَّهُ بِشَهَادَتِهِ وَقَدْ مَاتَ أَوْ غَابَ بِبُعْدٍ (كَأَنْ يَعْرِفَ مَشْهَدَهُ) وَهُوَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِنَسَبِهِ أَوْ عَيْنِهِ فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ الْبَيِّنَةُ ذَلِكَ لَمْ تَشْهَدْ عَلَى خَطِّهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ (وَ) عَرَفْت أَنَّهُ (تَحَمَّلَهَا عَدْلًا) أَيْ وَضَعَ خَطَّهُ وَهُوَ عَدْلٌ وَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أَوْ غَابَ
وَأَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا بِشَرْطِهِ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) أَيْ وَالْمَرْأَةُ الْمَشْهُودُ عَلَى خَطّهَا بِشَهَادَتِهَا بِشَيْءٍ كَالرَّجُلِ وَقَوْلُهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَيْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهَا بَعْدَ غَيْبَتِهَا
(تَنْبِيهٌ) يَنْبَغِي جَوَازُ شَهَادَةِ الرِّجَالِ عَلَى خَطِّ النِّسَاءِ وَلَوْ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِنَّ
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى خَطِّ رِجَالٍ وَلَا نِسَاءَ وَلَوْ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِنَّ اهـ عبق قَوْلُهُ مَا يَنَالُ الشَّاهِدَ الْغَائِبَ فِيهِ مَشَقَّةٌ) أَيْ أَنْ لَوْ حَضَرَ
(قَوْلُهُ بِنَوْعَيْهِ) أَيْ وَهُمَا الْمَيِّتُ وَالْغَائِبُ غِيبَةً بَعِيدَةً
(قَوْلُهُ الرَّاجِحُ أَنَّهُ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُسَلَّمٌ فِي الْأَوَّلِ أَيْ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ دُونَ الثَّانِي وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَيَّ خَطِّ الشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ وَمَا لَلْمُصَنِّفِ هُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ بِتُونُسَ
(قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ عَامٌّ) أَيْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ وَعَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ
(قَوْلُهُ إنْ عَرَفَتْهُ كَالْمُعَيَّنِ) أَيْ إنْ عَرَفَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى الْخَطِّ ذَلِكَ الْخَطَّ مَعْرِفَةً تَامَّةً كَمَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ
(قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ بِالْخَطِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَيْ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا أَخْذَ لِجَوَازِ أَنْ يَطَّلِعَ الشَّاهِدُ عَلَى الْخَطِّ فَيَقْطَعُ بِأَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ ثُمَّ يُؤَدِّيهَا فِي غَيْبَةِ الْخَطِّ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْخِلَافِ نَعَمْ بَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْقِسْمَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْوَثِيقَةِ رِيبَةٌ مِنْ مَحْوٍ أَوْ كَشْطٍ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْتَذِرْ فِي الْوَثِيقَةِ بِخَطِّ كَاتِبِهَا الْأَصْلِيِّ وَإِلَّا لَمْ يَضُرَّ كَمَا فِي بْن عَنْ التَّوْضِيحِ
(قَوْلُهُ وَعَرَفَتْ) أَيْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى الْخَطِّ
(قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَهِدَ) أَيْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْكَاتِبَ عَدْلٌ وَالْعَدْلُ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ وَلِذَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الْعَدْلِ فَاشْتِرَاطُهُ يُشْبِهُ اشْتِرَاطَ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِقَفِصَةِ عَلَى خِلَافِهِ
(قَوْلُهُ وَعَرَفَتْ) أَيْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى الْخَطِّ أَنَّهُ أَيْ الشَّاهِدُ الْكَاتِبُ لِشَهَادَتِهِ بِخَطِّهِ وَقَوْلُهُ تَحَمَّلَهَا أَيْ الشَّهَادَةَ
(قَوْلُهُ أَيْ وَضَعَ خَطَّهُ وَهُوَ عَدْلٌ) أَيْ لِأَنَّ كَتْبَهُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ أَدَائِهَا فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَنَا الْعَدَالَةُ فِي التَّحَمُّلِ بَلْ فِي الْأَدَاءِ ثُمَّ إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ أَنْ تَكُونَ بِنَفْسِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْخَطِّ بَلْ بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ وَمَزَجَ الشَّارِحُ
ص (وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا) ش: هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ جَائِزَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَنَصِّهِ،
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ مَوْلَى ابْنِ الطَّلَّاعِ أَنَّهُ قَالَ: الْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخُطُوطِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى. وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا فِي الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى مِنْ أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَنَقَلَهُ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ اُنْظُرْ كَلَامَهُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ النِّكَاحِ فِي رَجُلٍ يُقِيمُ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ يَتَضَمَّنُ إشْهَادَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى تَزَوَّجَ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَدْ تَزَوَّجَهَا فَأَنْكَرَ الْعَقْدَ فَشَهِدَ شُهُودٌ أَنَّ الْعَقْدَ خَطُّ يَدِهِ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ عَلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ وَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً تُسْقِطُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَلْبَتَّةَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ لَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ وَقَالَ: إنَّمَا تَزَوَّجَهَا؛
لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ يُسَوَّغُ لَهُ لِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ لَعُذِرَ فِيمَا فَعَلَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُرْحَةً لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ وَيَسْمَعُ الْأَحَادِيثَ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ بِهِ إلَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَلَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَوْ إنْ عَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فِي شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ وَغَيْرُهُ،
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ كَتَبَهُ بِيَدِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ عَازِمًا عَلَى إنْفَاذِهِ وَإِنَّمَا كَتَبَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَشِيرَ وَيَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لَصُدِّقَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِيهَا عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ وَأَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا كِتَابِ قَاضٍ وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ فَقَطْ، وَحَيْثُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فَلَا تَجُوزُ عَلَى الْخَطِّ، وَحَيْثُ يَجُوزُ هَذَا يَجُوزُ هَذَا، وَوَقَعَ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي امْرَأَةٍ كَتَبَ إلَيْهَا زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا مَعَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ وَجَدَتْ مَنْ يَشْهَدُ لَهَا عَلَى خَطِّهِ نَفَعَهَا ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمِثْلُهُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَكَانَ يُمْضِي لَنَا عِنْدَ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لَا خِلَافَ فِيهِ،
وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ نَفَعَهَا ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ لَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ لَهَا الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ، وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ لَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الرَّجُلِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَنْكَحَ بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ عَلَى خَطِّهِ بِذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَالِكٍ " نَفَعَهَا " عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْحُكْمِ لَهَا بِالطَّلَاقِ عَلَيْهِ إذَا شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْخَطُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَجُلٍ يُعْلِمُهُ بِأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ إلَيْهَا يُعْلِمُهَا بِذَلِكَ
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى الطَّلَاقِ،
وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ أَنَّهُ كَتَبَهُ غَيْرَ مُجْمِعٍ عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ كَتَبَهُ اخْتِلَافٌ انْتَهَى.
بَعْضَهُ بِالْمَعْنَى وَأَكْثَرُهُ بِاللَّفْظِ فَيَكُونُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ ثَالِثًا يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَتَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ الْخَطُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ وَنَحْوُ ذَلِكَ
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ نَحْوَ اخْتِيَارِ ابْنُ رُشْدٍ وَعَنْ الْبَاجِيِّ أَيْضًا.
وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَلَى ظَاهِرِهِ
وَقَالَ فِي مَسَائِلِ الشَّهَادَاتِ مِنْ نَوَازِلِهِ ظَاهِرُ مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالِ لَا عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ وَلَا عَلَى خَطِّ الْمُعْتِقِ أَوْ الْمُطَلِّقِ وَسَائِرُ مَا ذَكَرَهُ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ الشُّيُوخُ يَحْمِلُونَهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا وُجِدَ الْكِتَابُ بِالْعِتْقِ عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بِيَدِهِ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ وَقَالَ كَتَبْته عَلَى أَنِّي أَسْتَخِيرُ فِي تَنْفِيذِهِ وَلَمْ أُنَفِّذْهُ بَعْدُ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ،
وَأَمَّا إذَا كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْعَبْدِ أَوْ كَانَ قَدْ نَصَّ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَذَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ عَامِلَةٌ كَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة وَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ نَقْلِهِ قَوْلَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَا مَعْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْأَمْوَالَ أَخَفُّ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ فِي الْجَمِيعِ.
قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَيَلْزَمُ مَنْ أَجَازَهَا فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ أَنْ يُجِيزَهَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ عِنْدَ اللَّهِ سَوَاءٌ انْتَهَى. ص (وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَشْهَدَهُ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا) ش: مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَشْهَدِهِ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا هُوَ تَعْدِيلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى الْخَطِّ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
قَالَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ فِي فَصْلٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ قَائِمًا قَامَ بِالْحِسْبَةِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ حَبْسًا مَا نَصُّهُ:
وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى خُطُوطٍ شُهُودَ مَوْتَى فِي كِتَابِ الْحَبْسِ قُلْت فَأَتَى إلَيْهِ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ شَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْوَاقِعَةَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ الْمُنْتَسِخِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِخُطُوطِ أَيْدِيهِمَا لَا يَشُكَّانِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُمَا مَيِّتَانِ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَةَ الشَّهِيدَيْنِ عِنْدَهُ، وَشَهَادَةُ الشَّهِيدَيْنِ الْمَشْهُودِ عَلَى خُطُوطِهِمَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا الشَّاهِدَانِ عِنْدَهُ عَلَى خُطُوطِهِمَا جَازَ ذَلِكَ وَقُلْت فِي إثْرِ قَوْلِك: وَإِنَّهُمَا مَيِّتَانِ وَإِنَّهُمَا كَانَا فِي رَسْمِ الْعَدَالَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ فِي تَارِيخِ شَهَادَتِهِمَا عَنْ الشَّهَادَةِ أَوْ الْمَذْكُورَةِ وَبَعْدَهَا إلَى أَنْ تُوُفِّيَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدُوا عَلَى خُطُوطِهِمَا قُلْت فِي الشَّهِيدَيْنِ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا لِمَعْرِفَتِهِ بِهِمَا وَقَبِلَ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْمَشْهُودِ عَلَى خُطُوطِهِمَا بِتَعْدِيلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لَهُمَا عِنْدَهُ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا إلَى أَنْ تُوُفِّيَا عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
(وَخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ) الْبَاجِيُّ: مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ. رَوَاهُ مُحَمَّدٌ. لِأَنَّ غَايَةَ خَطِّهِ أَنَّهُ كَلَفْظِهِ وَهُوَ لَوْ سَمِعَهُ يَنُصُّ شَهَادَتَهُ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إجَازَتَهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمَشْهُورَةِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجَازَتِهَا وَإِعْمَالِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: فَطَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ إعْمَالُهَا خِلَافُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ لَا تَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ (بِبُعْدٍ) اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ عِنْدَ مُجِيزِهَا، فَقَالَ سَحْنُونَ: الْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ وَلَمْ يَحُدَّ قَدْرَهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مِثْلُ إفْرِيقِيَّةَ مِنْ مِصْرَ وَمَكَّةَ مِنْ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: حَدُّ ذَلِكَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ (وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا إنْ عَرَفْتَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَعْنَى مَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا نِكَاحٍ لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الرَّجُلِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَكَحَ، بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ عَلَى خَطِّهِ بِذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ.
وَمِنْ الْمُفِيدِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ: جَرَى الْعَمَلُ مِنْ الْقُضَاةِ بِبَلَدِنَا يَعْنِي قُرْطُبَةَ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ، وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ.
وَلَقَدْ شَهِدْت ابْنَ أَبِي عِيسَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ يَحْكُمُ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِ الشُّهُودِ الْمَوْتَى فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ،
وَمِنْ الْأَحْكَامِ لِلْبَاجِيِّ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا فِي الْمَالِ فَقَطْ وَحَتَّى يَكُونَ ذُو الْخَطِّ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَتُعْرَفُ مَعْرِفَتُهُ بِمَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ خَطَّ الشَّاهِدِ.
وَأَمَّا خَطُّ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: أَكْثَرُ مَا يَجْرِي الْعَمَلُ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا تَجُوزَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّ شَهَادَةَ الْأَحْيَاءِ رُبَّمَا دَخَلَتْهَا الدَّاخِلَةُ فَكَيْفَ شَهَادَاتُ الْمَوْتَى؟ الْمُتَيْطِيُّ: هَذَا الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ إذَا كَتَبَ شَهَادَتَهُ يَحْمِلُهَا عَلَى كُلِّ الْوُجُوهِ،
وَمِنْ أَصْلِنَا أَنْ لَا نَتْرُكَ أَمْرًا قَدْ وَجَبَ لِأَمْرٍ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ (إنْ عَرَفْتَهُ كَالْمُعَيَّنِ) قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: دَلَّ قَوْلُهُمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْقَطْعِ.
وَفِي كِتَابِ الْقَزْوِينِيِّ: إنَّهَا فِي ذَلِكَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مُغَايَرَتُهُ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْعِلْمِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعِلْمِ الظَّنُّ. (وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ زَرْبٍ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ حَتَّى يَعْرِفَ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَشْهَدَهُ مَعْرِفَةَ الْعَيْنِ صَحِيحٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَيْطِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةٌ عَلَى الْخَطِّ إلَّا مِنْ الْفَطِنِ الْعَارِفِ بِالْخُطُوطِ وَمُمَارَسَتِهَا،
وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدْرَكَ ذَا الْخَطِّ. (وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا) الْمُتَيْطِيُّ: تُذْكَرُ فِي كَيْفِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْغَائِبِ أَنَّ الشُّهُودَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَانَ يَرْسُمُ الْعَدَالَةَ وَالْقَبُولَ فِي تَارِيخِ الشَّهَادَةِ وَبَعْدَهَا إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، قَالَهُ مَالِكٌ.
وَأَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ قَدْ سَقَطَتْ بِجُرْحَةٍ أَوْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُهُ " إلَى أَنْ تُوُفِّيَ " قِيلَ: الصَّوَابُ إلَى حِينِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ.
(ص) وَخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ بِبُعْدٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ
وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ جَائِزَةٌ بِشَرْطِ بُعْدِ الْغَيْبَةِ فَلَا تَجُوزُ فِي قُرْبِ الْغَيْبَةِ وَهُوَ مَا لَا يَنَالُ الشَّاهِدَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَجَهْلُ الْمَكَانِ بِمَنْزِلَةِ الْبُعْدِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا بُعْدُ الْغَيْبَةِ وَلَيْسَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ كَالنَّقْلِ عَنْ الْمَرْأَةِ مِنْ أَنَّهُ يَنْقُلُ عَنْهَا وَلَوْ لَمْ تَغِبْ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ ضَعِيفَةٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا مَعَ إمْكَانِ غَيْرِهَا. (ص) وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا (ش) ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَرْجِعُ لِمَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ وَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْغَائِبِ أَوْ الْمَيِّتِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَغَيْرِهَا كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِمَا. (ص) إنْ عَرَفْته كَالْمُعَيَّنِ وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَشْهَدَهُ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا (ش) هَذَا شُرُوعٌ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ أَيْ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ الْمَيِّتِ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمُسْتَنَدِ رِيبَةٌ مِنْ مَحْوٍ أَوْ كَشْطٍ، وَإِلَّا فَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ اعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمِنْهَا أَنْ تَعْرِفَ الشُّهُودُ الْخَطَّ مَعْرِفَةً تَامَّةً لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا رِيبَةَ أَيْ تَعْرِفُهُ كَالْأَشْيَاءِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ ثِيَابٍ وَغَيْرِهَا فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقَطْعِ، وَمِنْهَا أَنْ تَعْرِفَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ صَاحِبَ الْخَطِّ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَيْ يَعْرِفُ نَسَبَهُ أَوْ عَيْنَهُ فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تَشْهَدْ عَلَى خَطِّهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَمِنْهَا أَنْ تَعْرِفَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْخَطِّ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَوَضَعَ خَطَّهُ، وَهُوَ عَدْلٌ وَاسْتَمَرَّ عَدْلًا لِمَوْتِهِ وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: إنْ عَرَفْته بِاعْتِبَارِ الْخَطِّ، وَقَوْلُهُ: كَالْمُعَيَّنِ أَيْ مَعْرِفَةً لَا شَكَّ فِيهَا حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهَا كَالشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ الْمَوْجُودِ الْآنَ بِأَنْ تَتَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ، وَقَوْلُهُ: وَأَنَّهُ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي عَرَفْته.
(قَوْلُهُ فَلَا تَجُوزُ فِي قُرْبِ الْغَيْبَةِ إلَخْ) فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْغَيْبَةُ قِسْمَانِ فَقَطْ قَرِيبَةٌ، وَهِيَ مَا لَا يَنَالُ الشَّاهِدَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَالْبَعِيدَةُ بِخِلَافِهَا وَلَيْسَ هُنَاكَ غَيْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ، وَجَهْلُ الْمَوْضِعِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْبَعِيدَةِ كَمَا اُسْتُظْهِرَ.
(قَوْلُهُ: تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ إلَخْ) هَذَا خِلَافُ الرَّاجِحِ،
وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ سَوَاءٌ كَانَ مَالًا وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ
وَأَمَّا خَطُّ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ فِي مَالٍ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَشْهَدُ عَلَى خَطِّهِ، وَهُوَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ أَيْ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ) لَا مَفْهُومَ لِلشَّاهِدِ بَلْ الْمُقِرُّ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: اعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا عَلَى الْمَذْهَبِ) مُقَابِلُهُ يَقُولُ يُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَذِرًا عَنْهُ فَلَا يَضُرُّ
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَنْ تَعْرِفَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ صَاحِبَ الْخَطِّ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَرَفَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْخَطِّ كَانَ لَا يَضَعُ خَطَّهُ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَهُ بِالْعَيْنِ أَوْ النَّسَبِ فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ تَشْهَدْ عَلَى خَطِّهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ وَاعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ لَا تَجُوزُ؛ إذْ هِيَ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَهَذَا يُنَافِي الْعَدَالَةَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَهَذَا فِيهِ تَضْيِيقٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ، وَيُحْمَلُ الْعَدْلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ شَهَادَتَهُ إلَّا عَنْ مَعْرِفَةٍ، وَإِلَّا كَانَ شَاهِدًا بِزُورٍ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَدْلٌ، وَبِهَذَا جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِقَفْصَةَ، وَهُوَ الصَّوَابُ اهـ.
وَكَلَامُهُ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ
(قَوْلُهُ: وَوَضَعَ خَطَّهُ) أَيْ وَتَعْرِفُ أَنَّهُ وَضَعَ خَطَّهُ، وَهُوَ عَدْلٌ، وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الضَّمِيرَ كَلَامٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ.
(وَ) جَازَتْ عَلَى (خَطِّ شَاهِدٍ) كَتَبَهُ فِي وَثِيقَةٍ وَ (مَاتَ) الشَّاهِدُ (أَوْ غَابَ) الشَّاهِدُ (بِبُعْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ بِمَحَلٍّ بَعِيدٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ مَا يَنَالُ الشَّاهِدُ فِي حُضُورِهِ مِنْهُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ مَشَقَّةٌ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَنَا أَنَّ اخْتِلَافَ عَمَلِ الْقُضَاةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبُعْدِ وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعَمَلَيْنِ قَرِيبًا، وَحَدَّهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَأَصْبَغُ بِمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِ أَوْ إفْرِيقِيَةَ مِنْ مِصْرَ، فَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْحَيِّ الْحَاضِرِ أَوْ قَرِيبِ الْغَيْبَةِ، وَتَجُوزُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ إنْ كَانَتْ بِمَالٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا) أَيْ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ.
الْحَطّ هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ جَائِزَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ، وَنَصُّهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ مَوْلَى ابْنِ الطَّلَّاعِ أَنَّهُ قَالَ الْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخُطُوطِ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ وَالطَّلَاقِ وَالْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا.
اهـ. وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا فِي الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهَا اهـ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ قُيِّمَ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ تَضَمَّنَ إشْهَادَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى تَزَوَّجَ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَتَزَوَّجَهَا وَأَنْكَرَ الْعَقْدَ فَشَهِدَ شُهُودٌ أَنَّ الْعَقْدَ خَطُّ يَدِهِ، فَقَالَ إنْ كَانَ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ بِهِ عَلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ وَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ، فَاَلَّذِي أَرَاهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً تُسْقِطُ شَهَادَتَهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حَلِفِهِ بِطَلَاقِهَا أَلْبَتَّةَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ وَقَالَ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يُسَوَّغُ لَهُ .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] لِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ لِعُذْرٍ فِيمَا فَعَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ جُرْحَةً لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ وَسَمِعَ الْأَحَادِيثَ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، فَلَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فِي شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ وَغَيْرِهِ،
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ كَتَبَهُ بِيَدِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ عَازِمًا عَلَى إنْفَاذِهِ، وَإِنَّمَا كَتَبَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَشِيرَ وَيَنْظُرَ لِصِدْقٍ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيهَا عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا كِتَابِ قَاضٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ فَقَطْ وَحَيْثُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ فَلَا تَجُوزُ عَلَى الْخَطِّ، وَحَيْثُ يَجُوزُ هَذَا يَجُوزُ هَذَا.
وَفِي رَسْمِ الْقَضَاءِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي امْرَأَةٍ كَتَبَ لَهَا زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا مَعَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ وَجَدَتْ مَنْ يَشْهَدُ لَهَا عَلَى خَطِّهِ نَفَعَهَا ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ لَهَا الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ. ابْنُ رُشْدٍ كَانَ يَمْضِي لَنَا عِنْدَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لَا خِلَافَ فِيهِ،
وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ نَفَعَهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ لَهَا الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ، وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ لَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَكَحَ، بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ عَلَى خَطِّهِ بِذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَفَعَهَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْحُكْمِ لَهَا بِالطَّلَاقِ عَلَيْهِ إذَا شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ خَطُّهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مِثْلَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَجُلٍ يُعْلِمُهُ بِأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ إلَيْهَا يُعْلِمُهَا بِذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى إنْ عَرَفَتْهُ: كَالْمُعَيَّنِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ، [منح الجليل] الطَّلَاقِ.
وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ إنَّهُ كَتَبَهُ غَيْرَ مُجْمِعٍ عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ كَتَبَهُ اخْتِلَافٌ. اهـ. فَاخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ ثَالِثُ فَرْقٍ فِيهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ، فَتَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ الْخَطُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ وَالْبَاجِيِّ نَحْوَ اخْتِيَارِ ابْنِ رُشْدٍ، وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ قَوْلَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَهُ فِي نَوَازِلِهِ ظَاهِرُ مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالَ لَا عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ وَلَا عَلَى خَطِّ الْمُطَلِّقِ أَوْ الْمُعْتِقِ وَسَائِرِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ الشُّيُوخُ يَحْمِلُونَهُ، وَمَعْنَاهُ إذَا وُجِدَ الْكِتَابُ بِالْعِتْقِ عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بِيَدِهِ فِي حَيَاتِهِ؛
لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ وَقَالَ كَتَبَتْهُ عَلَى أَنْ أَسْتَخِيرَ فِي تَنْفِيذِهِ وَلَمْ أُنَفِّذْهُ بَعْدُ لَصَدَقَ فِي ذَلِكَ. وَمَا إذَا كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْعَبْدِ أَوْ كَانَ قَدْ نَصَّ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفُذَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ عَامِلَةٌ كَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. اهـ. ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ.
ابْنُ رَاشِدٍ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَا مَعْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْأَمْوَالَ أَخَفُّ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ فِي الْجَمِيعِ. ابْنُ الْهِنْدِيِّ يَلْزَمُ مَنْ أَجَازَهَا فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ إجَازَتُهَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ أَوْ الشَّاهِدِ (إنْ عَرَفَتْهُ) أَيْ الْبَيِّنَةُ الْخَطَّ مَعْرِفَةً تَامَّةً مُتَيَقَّنَةً (كَ) مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ (الْمُعَيَّنِ) بِضَمٍّ فَفَتْحَتَيْنِ مُثَقَّلًا، أَيْ الَّذِي يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ مُمَارِسٍ لِلْخُطُوطِ. ابْنُ عَاتٍ الْخَطُّ شَخْصٌ قَائِمٌ وَمِثَالٌ مُمَاثِلٌ تُبْصِرُهُ الْعَيْنُ وَيُمَيِّزُهُ الْعَقْلُ كَتَمْيِيزِهِ سَائِرَ الْأَشْخَاصِ وَالصُّوَرِ (وَ) عَرَفْت (أَنَّهُ) أَيْ الشَّاهِدَ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ (كَانَ يَعْرِفُ) أَيْ الْمَشْهُودَ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا [منح الجليل] عَلَى خَطِّهِ (مُشْهِدَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَيْ الشَّخْصَ الَّذِي أَشْهَدَهُ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ.
ابْنُ رُشْدٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ (وَ) عَرَفْت أَنَّ الشَّاهِدَ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ (تَحَمَّلَهَا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ هَذَا حَالَ كَوْنِهِ (عَدْلًا) مَرْضِيَّ الشَّهَادَةِ.
الْحَطّ اشْتِرَاطُ مَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَمَعْرِفَتُهُمْ تَحَمُّلَهُ عَدْلًا تَعْدِيلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْخَطِّ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
قَالَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ فِي فَصْلٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ قَائِمًا قَامَ بِالْحِسْبَةِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ حَبْسًا مَا نَصُّهُ وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى خُطُوطٍ مَوْتَى فِي كِتَابٍ. قُلْت فَأَتَى إلَيْهِ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ فَشَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْوَاقِعَةَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ الْمُنْتَسِخِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِخُطُوطِ أَيْدِيهِمَا لَا يَشُكَّانِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا مَيِّتَانِ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَةَ الشَّهِيدَيْنِ عِنْدَهُ، وَشَهَادَةَ الشَّهِيدَيْنِ الْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِمَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا غَيْرُ الشَّهِيدَيْنِ عَلَى خَطِّهِمَا جَازَ وَقُلْت فِي إثْرِ قَوْلِك إنَّهُمَا مَيِّتَانِ وَإِنَّهُمَا يُوسَمُ الْعَدَالَةُ، وَقَبُولُ الشَّهَادَةِ فِي تَارِيخِ شَهَادَتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ وَبَعْدَهَا إلَى أَنْ تَوَفَّيَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ الشَّهِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَى خُطُوطِهِمَا.
قُلْت فِي الشَّهِيدَيْنِ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا لِمَعْرِفَتِهِ بِهِمَا، وَقَبِلَ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْمَشْهُودِ عَلَى خُطُوطِهِمَا بِتَعْدِيلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لَهُمَا عِنْدَهُ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا إلَى أَنْ تَوَفَّيَا عَلَى ذَلِكَ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَإِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ شَرْطَ صِحَّةٍ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ. ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا خَالِيَةً مِنْ التَّعْرِيفِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا، وَعَرَّفَهُ أَوْ عَرَّفَ بِهِ،
فَلَوْ كَانَ فِيهَا مَا ذَكَرَ فَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَا يُحْتَاجُ لِهَذَا الشَّرْطِ اتِّفَاقًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ. قَوْلُهُ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ التَّحَمُّلِ، بَلْ وَضْعَهَا فِي الرَّسْمِ،
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا، وَأَدَّى بِلَا نَفْعٍ [منح الجليل] وَوَضَعَهَا فِي الرَّسْمِ عَدْلًا كَانَ أَصْوَبَ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ تَعْدِيلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى الْخَطِّ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا اُنْظُرْ " ح ".
وَإِذَا كُتِبَتْ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ وَكَتَبَ شَخْصٌ بِخَطِّهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِمَا فِيهَا ثُمَّ نَسِيَ مَا فِيهَا وَنَسِيَ شَهَادَتَهُ بِهِ وَعَرَفَ خَطَّهُ الَّذِي كَتَبَهُ بِشَهَادَتِهِ بِمَا فِيهَا فَ
وخط شاهد مات أو غاب ببعد يعني أن الشهادة على خط الشاهد الميت جائزة بشروطها الآتية،
وكذلك الشهادة على خط الشاهد الغائب جائزة أيضا بالشروط الآتية
ويشترط فيها أيضا بعد الغيبة، واختلف في حد البعد، فقال عبد الملك: قدر ما تقصر فيه الصلاة، وحكى ابن مزين عن أصبغ أنها مثل مصر من إفريقية أو مكة من العراق،
وقال ابن عبد السلام: ما ينال الشاهد فيه مشقة. قاله الخرشي. واستُظهِر قول ابن عبد السلام وجهل المكان بمنزلة البعد. انتهى. قاله الخرشي وقال عبد الباقي: وجازت على خط شاهد مات ولو لم يدركه الشاهد على خطه كما في التتائي وهو المعتمد، أو على خط شاهد غاب إن كانت غيبته ببعد وهو ما ينال الشاهد فيه مشقة فلا تجوز مع القرب، وجهل المكان كالبعد والمرأة المشهود على خطها بشهادتها بشيء كالرجل، فيشترط في الشهادة على خطها بُعْدُ غيبتها وإن كانت في النقل عنها ليست بمنزلته، فينقل عنها ولو لم تغب لأن الشهادة على الخط ضعيفة فلا يصار إليها مع إمكان ضيرها، وينبغي جواز شهادة الرجال على خطهن ولو فيما يختص بهن دونهن، فلا يشهدن على خط رجال ولا نساء ولو فيما يختص بهن. وإن بغير مال فيهما مبالغة على جواز الشهادة على خط المقر وخط الشاهد بنوعيه، فالضمير في قوله: "فيهما" عائد على مسألة الشهادة على خط المقر، ومسألة الشهادة على خط الشاهد بنوعيه، ومعنى كلامه أن الشهادة على الخط تجوز في الحقوق المالية وغيرها كالطلاق والعتق وغيرهما، كما تجوز على خطه بالإقرار بالمال وعلى خطه شاهدا بالمال، وتجوز الشهادة بالسماع على الخط بأن يقولوا سمعنا من الثقات وغيرهم أن هذا خط فلان.
قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وما للمص به العمل بتونس، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا تجوز في طلاق ولا عتق ولا حد ولا كتاب قاض لقاض، بل في الأموال فقط. قاله التتائي. وذكر المواق ما يفيد أن المعتمد تسليم ما للمص في الشهادة على خط المقر وعدم تسليمه في الشهادة على خط الشاهد، وأنها إنما تجوز فيه بمال أو بما يؤول إليه مع يمين لضعف القسم الثاني عن الأول. اهـ.
تنبيهات: الأول: قال الرهوني: وأما الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب فلم يختلف في الأمهات المشهورة قول مالك في إجازتها وإعمالها، وقد قيل إنها لا تجوز روي ذلك عن مالك، وإلى هذا ذهب محمد بن المواز وجعل الشهادة على خطه كالشهادة على شهادته إذا سمعها منه ولم يُشْهِدْهُ عليها. قاله ابن رشد. وهو مخالف لقول الباجي: المشهور من قول مالك: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد، رواه ابن المواز واختاره، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك في العتبية والموازية: تجوز الشهادة على خطه ولا يجزئ في ذلك أقل من شهادة شاهدين ويحلف الطالب ويستحق حقه.
وقاله سحنون. وقال أصبغ الشهادة على خط الشاهد الغائب أو الميت قوية في الحكم بها، واقتصر المص في قوله: "وخط شاهد مات أو غاب ببعد" على تشهير ابن رشد هذا لاقتصار صاحب الجواهر عليه وقول ابن الحاجب فروايتان أشهرهما أنها جائزة. انتهى المراد منه. الثاني: قد مر عن عبد الباقي ما نصه: وذكر المواق ما يفيد أن المعتمد تسليم ما للمص في الشهادة على خط المقر وعدم تسليمه في الشهادة على خط الشاهد لخ، قال الرهوني: ما عزاه للمواق في الشهادة على خط المقر مسلم،
وأما في الشهادة على خط الشاهد ففيه نظر، بل الذي يفيده كلامه قوة كل من القولين، ثم قال بعد جلب كثير من النقول: والذي تَحَصَّلَ عندي من كلام الأئمة بعد المراجعة والتأمل أن كلام المص مسلم في الشهادة على خط المقر،
وأما ما قاله في الشهادة على خط الشاهد فهو أحد الرجحين أو مقابله أرجح. واللَّه تعالى أعلم. الثالث: قال ابن عاشر: ليس في كلام خليل ما يؤذن بأن الشهادة على الخط لا بد فيها من عدلين فانظره. اهـ. ونقله جسوس ولم يزد عليه شيئا، وظاهرد أنه لابد منهما في الشهادة على الخط مطلقا وهو موافق في ذلك بالنسبة إلى الشهادة على خط المقر لما قاله الزرقاني، ويؤخذ من ذلك بالأحرى أنه لا بد منهما في الشهادة على خط الشاهدين لأنهما أضعف منها باتفاق، كما يؤخذ من النقول التي قدمناها وغيرها،
وأما على ما رجحه البناني وقد قدمنا ما يشهد له من أن خط المقر يثبت بالشاهد واليمين فلا يؤخذ منه ثبوت خط الشاهد بذلك، وكلام الباجي الذي قدمناه قبل يفيد أنه لا يثبت بذلك اتفاقا فراجعه متأملا، وهو موافق لما أفاده كلام ابن عاشر وسلمه جسوس، فيتعين التعويل عليه والصير إليه. والله أعلم. إن عرفته كالمعين ذكر المص هنا ثلاثة شروط هذا أحدها وهو عام في الشهادة على خط المقر وعلى خط الشاهد بنوعيه والاثنان بعده في الثاني بنوعيه، يعني أن الشاهد على الخط يشترط في صحة شهادته أن يكون قد عرف الخط المشهود عليه، كمعرفته للشيء العين من كعبد وثوب فلا بد فيها من القطع كما في التتائي، ولذا إنما تقبل من الفطن العارف بالخط،
وإن لم يدرك صاحبه على المعتمد كما مر، وعلله ابن عبد السلام بقوله: لأنا نعرف كثيرا من خطوط من لا ندري، كخط الشلوبين وابن عصفور وابن السيد ونحوهم لتكرر خطوطهم علينا مع تلقينا من غير واحد من الشيوح أنها خطوطهم. انتهى. وبقي من شروطها في القسمين أن لا يكون في المستند ريبة من محو أو كشط وإلا لم تجز الشهادة عليه. قاله عبد الباقي.
وزاد: ولو اعتذر عن ذلك على المذهب. اهـ.
وفي هذه الزيادة نظر كما قال البناني، ففي التوضيح: معنى اشتراط انتفاء المحو والريبة إذا لم يكن معتذرا عنه في الوثيقة،
فإذا كان معتذرا عنه فهو من زينة الوثيقة على ما قال كبار الشيوخ، بل قال بعضهم: هي أصح من الوثيقة التي ليس فيها ذلك، لأنها تدل على أن الشاهد تثبت في شهادته وتصفحها بعد كتبها. اهـ.
وقال المواق: قال بعض الشيوخ: دل قولهم أن الشهادة على الخط إنما تكون على القطع.
وفي كتاب القزويني: أنها في ذلك إنما تكون على العلم. ابن عرفة: مغايرته بين القطع والعلم يدل على أن مراده بالعلم الظن. انتهى.
وقال الخرشي: هذا شروع منه رحمه اللَّه في ذكر شروط صحة الشهادة على الخط، منها: أن لا يكون في المستند ريبة محو أو كشط وإلا فلا عبرة بالشهادة فيه على الخط، ومنها في الشاهد على الخط الشاهد بنوعيه أن تعرف الشهود الخط معرفة تامة لا شك فيها ولا ريبة أي تعرفه كالأشياء المعينة من ثياب أو غيرها، بمعنى أن الشهادة على الأشياء المعينة لا بد فيها من القطع فلا يكفي فيها الظن على المشهور.
ومنها: أن يكون الخط حاضرا وهذا يؤخذ من قوله: "إن عرفته كالمعين" ، ومنها أن يكون الشاهد على الخط فطنا عارفا بالخطوط،
ولا يشترط أن يكون قد أدرك صاحب الخط. انتهى.
وقال الشبراخيتي: إن عَرَفَته أي الخط كالمُعَيَّن أي ميَّزته البينة الشاهدة كما تميز المعين من الأشياء كثوب وعبد ونحوهما، وهو يفيد أن الشهادة على الخط لا تكون إلا على القطع، وعلم منه أن الخط حاضر. انتهى.
وقال التتائي: إن عرفته أي الخط معرفة لا شك فيها، فيشترط حضوره ليشهد على عينه كالمعين. ابن عات: الخط عندنا شخص قائم ومثال مماثل تقع العين عليه ويميزه العقل كما يميز سائر الأشخاص والصور. انتهى. أي فلا يكون إلا على القطع لا الظن. انتهى. وأنه كان يعرف مُشْهِده عطف على الهاء في قوله: "عرفته" يعني أنه يشترط في صحة شهادة الشاهد على خط الشاهد بنوعيه أن يعرف أن صاحب الخط كان يعرف من شهد عليه، قال الشبراخيتي: وأنه كان يعرف مشهده، عطف على الهاء في "عرفته" أي لابد أن تعرف البينة الشاهدة على الخط أن صاحب الخط كان يعرف من شهد عليه، كان من له الحق أو عليه أي يعرف نسبه أو عينه،
فإن لم يعرف ذلك لم يشهد على خطه. انتهى.
وقال عبد الباقي: وأنه أي الشاهد الكاتب خطه بشهادته كان يعرف مشهده أي من شهد عليه بنسبه أو بعينه،
فإن لم تعرف البينة ذلك لم تشهد على خطه لاحتمال أنه شهد على من لا يعرف، وهذا في الحقيقة لتحقيق ماهيته لا أنه شرط خارج عن الماهية، إذ الشهادة على من لا يعرف من شهادة الزور، ولذا قال ابن راشد: الصواب خلاف هذا الشرط، وجرى على خلافه العمل عندنا بقفصة أي لأنه يشبه اشتراط الشيء في نفسه. انتهى.
وقال البناني: وأنه كان يعرف من شهد عليه. قاله المص. شرط صحة وهو الذي نقله ابن رشد عن ابن زرب،
ومثله لابن فتوح، قال ابن رشد: وهو صحيح لا ينبغي أن يختلف فيه. ونقل ابن عرفة عن المتيطي أنه شرط كمال فقط لا شرط صحة، وما ذكره الزرقاني عن ابن راشد ظاهر وعليه العمل عندنا: ومحل الخلاف في ذلك إذا كانت الوثيقة المشهود عليها خالية من التعريف أي لم يذكر فيها وعرفه أو عرف به،
فلو كان فيها ما ذكر، فقال بعض الشيوخ: لا يحتاج لهذا الشرط اتفاقا، ويدل عليه ما نقله ابن عرفة عن المتيطي. انتهى.
تنبيه: قوله: "مُشهِدَه" الظاهر أنه بضم الميم وكسر الهاء، لقول المواق: وأنه كان يعرف مشهده. ابن رشد: قول ابن زرب: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد حتى يعرف أن المشهود على خطه كان يعرف من أشهده معرفة العين، صحيحٌ لا ينبغي أن يختلف فيه. المتيطي: لا تقبل الشهادة على الخط إلا من الفطن العارف بالخطوط وممارستها،
ولا يشترط فيه أن يكون قد أدرك ذا الخط. انتهى. وتحملها عدلا ضطف على "كان" يعني أنه يشترط في صحة شهادة الشاهد على خط الشاهد أن يعرف أن المشهود على خطه تحمل الشهادة أي وضع خطه وهو عدل واستمر عدلا لموته، قال البناني: "وتحملها عدلا" ليس المراد حقيقة التحمل بل وضعها في الرسم،
ولو قال المص: ووضعها في الرسم عدلا كان أصوب، وما ذكره هو تعديل للمشهود على خطه، وظاهر كلامه أن الشاهد على الخط لابد أن يشهد بذلك، وذكر المتيطي أنه لا يشترط ذلك بل يكفي أن يشهد بذلك غيرهما. انظر الحطاب. انتهى.
وقال البناني. أيضا: وعرفت أنه تحملها عدلا أراد به أن يكون مقبول الشهادة من تاريخ وضعها في الرسم وبعده إلى أن مات أي أو غاب ببعد،
وقال عبد الباقي: وأشعر قوله: "إن عرفته" إلى آخر الشروط أن شهود الخط يعتمدون على ذلك ولا يحتاجون لذكر ذلك عند الشهادة وهو كذلك كما يفيده ابن راشد. انتهى. ووقع في شرح عبد الباقي ما نصه: وعرفت أنه تحملها أراد به أن يكون مقبول الشهادة قبل أدائها ولم يعلم أنه تغير بعد ذلك حتى حكم بشهادته أو مات أو غاب، إذ لا تُشترط العدالة عندنا في التحمل بل في الأداء، نعم يشترط في التحمل عدم الصبا والفسق والكفر كما للبساطي الخ.
قوله: قبل أدائها لخ كلامه غير صواب، إذ الفرض أنه كتبها ثم مات أو غاب ولم يقع أداء، وإلا لم يحتج للشهادة على خطه. وقوله: نعم يشترط في التحمل عدم الصبا لخ سلم ما قاله البساطي وهو غير صحيح، بل التحقيق هو ما تقدم له أول الباب من أنه لا يشترط حين التحمل إلا العقل. قاله البناني. وبتفسير قوله: "وتحملها عدلا" بأن المراد بالتحمل هنا وضعها في الرسم، اندفع ما يقال: إن التحمل لا يشترط حينه إلا العقل. واللَّه تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.