وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَعَدَمِ مُنَازِعٍ وَحَوْزٍ طَالَ: كعشرة أشهر وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم
الشروح عليها
(وَصِحَّةُ) شَهَادَةِ بَيِّنَةِ (الْمِلْكِ) لِشَخْصٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ تَكُونُ (بِالتَّصَرُّفِ) أَيْ بِسَبَبِ مُشَاهَدَتِهِمْ التَّصَرُّفَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي شَهِدُوا بِأَنَّهُ مِلْكٌ لِفُلَانٍ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ (وَعَدَمِ مُنَازِعٍ) لَهُ فِيهِ (وَحَوْزٍ) (طَالَ) عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ (كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ) فَأَكْثَرَ فَأَقَلَّ مِنْهَا لَا يَشْهَدُونَ بِالْمِلْكِ وَلَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمْ بِهِ إنْ شَهِدُوا فَالْمَعْنَى أَنَّهَا إنَّمَا تَصِحُّ بِالْمِلْكِ إنْ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهَا فِي شَهَادَتِهِمْ
وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ فَهُوَ أَنْ يُصَرِّحُوا بِقَوْلِهِمْ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِنَا فَقَوْلُهُ (وَأَنَّهَا) مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرٍ أَيْ وَبِقَوْلِهِمْ إنَّهَا أَيْ يَقُولُونَ نَشْهَدُ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَنَّهَا (لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) فِي عِلْمِنَا بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ إلَى الْآنَ مُعْتَمَدِينَ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنْ جَزَمُوا بِأَنْ قَالُوا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ قَطْعًا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (فِي عِلْمِهِمْ) بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ فَبِالنَّظَرِ إلَى إفَادَةِ الْحُكْمِ عَنْهُمْ لَا حِكَايَةٍ لِقَوْلِهِمْ وَإِلَّا فَهُمْ يَقُولُونَ فِي عِلْمِنَا فَإِنْ أَطْلَقُوا فَفِيهِ خِلَافٌ
(قَوْلُهُ وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ) أَيْ وَصِحَّةُ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ بِالْمِلْكِ أَنْ تَعْتَمِدَ فِي شَهَادَتِهَا بِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ وَحَوْزٍ طَالَ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى
(قَوْلُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ) أَيْ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ عَدَمِ الْمُنَازِعِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِنَا) هَذَا مَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَفِيهَا مِنْ تَمَامِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا مَا عَلِمْنَاهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَفِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْهَا وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ الدَّارَ لَهُ وَلَمْ يَقُولُوا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَقَضَى لَهُ اهـ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ فَقَطْ وَحَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ وَأَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجُ مَا فِي الشَّهَادَاتِ عَلَى هَذَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ وَكَانَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ يَحْمِلَانِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَتَّابٍ فِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ سَهْلِ ابْنِ نَاجِيٍّ وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ إنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِمَيِّتٍ وَشَرْطُ كَمَالٍ إنْ كَانَتْ لِحَيٍّ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ) أَيْ أَنَّهُمْ إذَا صَرَّحُوا بِالْقَطْعِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ وَلَكِنْ جَزَمُوا بِشَهَادَتِهِمْ فَهِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ أَطْلَقُوا فَفِيهِ الْخِلَافُ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الصِّحَّةُ كَمَا فِي المج وَاَلَّذِي فِي بْن تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَعَدَمِ مُنَازِعٍ وَحَوْزٍ) ش: أَيْ وَشَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ رَأَى الْمَشْهُودَ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ.
ص (وَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الْكَمَالِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ
وَيُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ الْمِلْكِ بِالْأَمْسِ مَثَلًا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ بِالْأَمْسِ
تَنْبِيهٌ بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَشَدّ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ هَذَا فِي أَقْرَبِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ مَعَ بُعْدِ خُرُوجِ الْمِلْكِ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْقَرِيبِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي أَبْعَدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِيهَا مِنْ تَمَامِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا مَا عَلِمْنَاهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ كَانَتْ زُورًا وَبِهَذَا الظَّاهِرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ
قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَقُولُوا مَا عَلِمُوهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ فَشَهَادَتُهُمْ بَاطِلَةٌ وَظَاهِرُ مَا فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
قَالَ: وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ الدَّارَ لَهُ لَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ وَيُقْضَى لَهُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّيُوخُ هَلْ كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُتَنَاقِضٌ أَمْ لَا وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْبَتِّ مَعَ إطْلَاقِهَا عَلَيْهَا بِالزُّورِ أَوْ يُفَصَّلُ فِيهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا تُقْبَلُ أَوْ يَكُونُوا مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ فَتُقْبَلُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو عِمْرَانَ وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ: إنَّ مَا فِي الشَّهَادَةِ شَرْطُ كَمَالٍ.
أَبُو الْحَسَنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَذَلِكَ شَرْطُ صِحَّةٍ وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ كَانَتْ زُورًا أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ مَا يَلْزَمُ شُهُودَ الزُّورِ.
[فَرْعٌ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَقَضَى لَهُ بِهِ ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً
بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى]
(فَرْعٌ) مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَقُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً
بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى فَإِنَّهُ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَيُنْظَرُ فِي أَعْدَلِهِمَا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ شَخْصٌ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَقُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةَ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمَا.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي الَّذِي يَدَّعِي الشَّيْءَ فَيُقِيمُ بَيِّنَةً فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ ثُمَّ يَدَّعِيه آخَرُ فَيُقِيمُ بَيِّنَةً عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْأَوَّلِ إعَادَةُ بَيِّنَةٍ وَلَا يُرَدُّ الشَّيْءُ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَلَكِنْ يُقْضَى بِهِ لِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ فِي التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا قَبْلَهَا.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ نَحْوُ ذَلِكَ فَانْظُرْهُ. وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْهُ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ نَحْوَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ إذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْقَاضِي بِقَطْعِ جَرْيِ الْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ لَا مَدْفَعَ فِيهَا بَطَلَ حَقُّ أَصْحَابِ الْجَنَّاتِ إلَّا أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى قَطْعِ ضَرَرِ الطَّرِيقِ أَوْ يَثْبُتُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِضَرَرٍ عَلَى الطَّرِيقِ بِبَيِّنَةٍ أَعْدِلَ مِنْ الْأُولَى أَوْ تَجْرِيحِ شُهُودِ الْعَقْدِ الَّذِينَ حَكَمَ بِهِمْ الْحَاكِمُ فَهُمْ حِينَئِذٍ أَحَقُّ بِالْمَاءِ انْتَهَى.
وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْوَصَايَا مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِرُشْدِ شَخْصٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِتَرْشِيدِهِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَعْدَلُ مِنْهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِلَ السَّفَهِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِسَفَهِهِ، وَذُكِرَ فِيهَا
فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مِنْ يَوْمِ حُكْمِ الْقَاضِي بِتَرْشِيدِهِ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ بِتَسْفِيهِهِ جَائِزَةٌ مَاضِيَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَعَدَمِ مُنَازِعٍ) سَحْنُونَ: الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ أَنْ تَطُولَ الْحِيَازَةُ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ لَا مُنَازِعَ لَهُ،
وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْحِيَازَةُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ (وَحَوْزٌ طَالَ كَعَشْرِ سِنِينَ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَازَ عَلَى حَاضِرٍ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا فَذَلِكَ كَالْحِيَازَةِ فِي الرَّبْعِ إنْ كَانَتْ الثِّيَابُ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ وَالدَّوَابُّ تُرْكَبُ وَتُكْرَى وَالْأَمَةُ تُوطَأُ، وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ فِي الرِّبَاعِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى أَنَّ هَذَا حَازَهَا دُونَ الْآخَرِ فِيمَا يَبْنِي وَيَهْدِمُ وَيُكْرِي وَيَسْكُنُ.
قَالَ رَبِيعَةُ: حَوْزُ عَشْرِ سِنِينَ يَقْطَعُ دَعْوَى الْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ إنَّمَا أَكْرَى وَأَسْكَنَ وَأَعَارَ وَنَحْوَهُ وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» . ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِذَلِكَ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَقَالَ: هَذَا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ،
وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ ثِيَابٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَبْدٍ فَذَلِكَ أَقْصَرُ مُدَّةٍ وَكُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَقَدْرِهِ، فَالثِّيَابُ السَّنَةُ وَالسَّنَتَانِ فِيهَا حِيَازَةٌ إذَا لُبِسَتْ. رَاجِعْ تَرْجَمَةَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. (وَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: سَمِعْتُ مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يَدَّعِي عَلَى الْعَبْدِ أَوْ الثَّوْبِ وَيُقِيمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ شَيْؤُهُ لَا يَعْلَمُهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ،
فَإِذَا شَهِدُوا بِهَذَا اسْتَوْجَبَ مَا ادَّعَاهُ
(ص) وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَعَدَمِ مُنَازِعٍ وَحَوْزٍ طَالَ كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ (ش) يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ بِمِلْكِ شَخْصٍ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَنْ يَعْتَمِدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا الْأَمْرَ الْأَخِيرَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: التَّصَرُّفُ التَّامُّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ الثَّانِي: عَدَمُ الْمُنَازِعِ لَهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْحِيَازَةُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ حِيَازَةً طَوِيلَةً كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ الْأَمْرُ الرَّابِعُ: أَنْ تَذْكُرَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَى الْآنَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ قَطْعًا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ فَإِنْ أَطْلَقُوا فَفِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَقُولُوا: مَا عَلِمُوهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ فَشَهَادَتُهُمْ بَاطِلَةٌ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ شَرْطُ صِحَّةٍ
وَقِيلَ: شَرْطُ كَمَالٍ كَمَا فِي عَارِيَّةِ الْمُدَوَّنَةِ،
وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَ. وَلَا وَهَبَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَتَمَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ)
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي الْأَخِيرَةِ أَيْ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَبِعِبَارَةٍ: وَصِحَّةُ الْمِلْكِ أَيْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ شَهَادَةِ الْمِلْكِ إذَا شَهِدُوا عَلَى الْبَتِّ أَنْ يَعْتَمِدَ الشَّاهِدُ فِي بَتِّهِ عَلَى مُشَاهَدَةِ التَّصَرُّفِ وَعَدَمِ مُنَازِعٍ إلَخْ وَيَذْكُرُوا ذَلِكَ لِلْقَاضِي إنْ سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَإِلَّا كَفَى اعْتِمَادُهُمْ عَلَيْهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِلَّا فَالْعِبَارَةُ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَصِحُّ بِدُونِ التَّصَرُّفِ، وَشَهَادَةُ السَّمَاعِ تَقَدَّمَتْ، وَقَوْلُهُ:(لَا بِالِاشْتِرَاءِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالتَّصَرُّفِ أَيْ: وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَعَدَمِ مُنَازِعٍ وَحَوْزٍ طَالَ لَا بِمُجَرَّدِ الِاشْتِرَاءِ وَبِعِبَارَةِ لَا بِالِاشْتِرَاءِ أَيْ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمُشْتَرَى مِنْهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَبِنَقْلٍ عَلَى مُسْتَصْحِبَةٍ فَقَدْ عَيَّنَتْ الْمُشْتَرَى مِنْهُ فَلَا تَكْرَارَ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَعْتَمِدُوا إلَخْ) أَيْ فَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الِاعْتِمَادُ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ تَعْتَمِدُ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِالْمِلْكِ عَلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَقَوْلُهُ: أَنْ تَذْكُرَ الْبَيِّنَةُ أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ الذِّكْرِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَطْلَقُوا) أَيْ لَمْ يَقُولُوا قَطْعًا، وَلَمْ يَقُولُوا فِي عِلْمِنَا أَيْ بَلْ قَالُوا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ وَسَكَتُوا فَإِنْ قَالُوا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ ظَنًّا أَيْ نَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وَلَا نَقْطَعُ فَلَا يَضُرُّ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا تَارَةً تُصَرِّحُ بِقَوْلِهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ أَنْ تَقُولَ أَوْ تَقُولَ فِي عِلْمِنَا،
وَمِثْلُهُ إذَا قَالَتْ: فِي ظَنِّنَا،
وَأَمَّا إنْ سَكَتَتْ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ عَلِمْت حُكْمَ ذَلِكَ وَتَارَةً لَمْ تُصَرِّحْ بِقَوْلِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَقُولُوا إلَخْ) الْمُرَادُ أَبَوْا أَنْ يَقُولُوا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ أَيْ أَبَوْا عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ، الْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ الْمُتَقَدِّمَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا بَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا أَوْ يَقُولُوا فِي عِلْمِنَا أَوْ يَسْكُتُوا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَوْا مَعْنَاهُ أَبَوْا عَنْ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِأَوْجُهِهِ الثَّلَاثَةِ فَالْمَقَامُ مُخْتَلِفٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا) الْمُنَاسِبُ الْإِتْيَانُ بِالْفَاءِ تَفْرِيعًا عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ قَوْلُهُ: إذَا شَهِدُوا عَلَى الْبَتِّ) احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ بَيِّنَةِ السَّمَاعِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَقُولُ: لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَتِّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْقَطْعِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُشَارُ لَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: وَشَهَادَةُ السَّمَاعِ تَقَدَّمَتْ وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ لَا بُدَّ مِنْ طُولِ الْحِيَازَةِ كَعِشْرِينَ سَنَةً فَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِشَهَادَةِ الْبَتِّ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْعِبَارَةُ مُشْكِلَةٌ) أَيْ: وَإِلَّا تُحْمَلُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّحَّةِ الِاعْتِمَادُ فَلَا يَصِحُّ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ،
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَصَرُّفٌ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ مَتَى اشْتَرَى شَيْئًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَقَبِلَ ذَلِكَ مَلَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالتَّصَرُّفِ) حَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ بِالْمِلْكِ تَعْتَمِدُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَيْ: وَلَا تَعْتَمِدُ عَلَى مُجَرَّدِ الشِّرَاءِ أَيْ:
وَلَوْ كَانَتْ تَعْرِفُ الْمُشْتَرَى مِنْهُ فَلَيْسَ هُنَاكَ تَصْرِيحٌ بِالشِّرَاءِ إنَّمَا ذَلِكَ مُجَرَّدُ اعْتِمَادٍ، وَقَوْلُهُ: وَبِعِبَارَةِ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ بَيِّنَةً شَهِدَتْ لِزَيْدٍ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ السُّوقِ، وَلَمْ تُعَيِّنْ الْمُشْتَرَى مِنْهُ وَشَهِدَتْ أُخْرَى لِعَمْرٍو بِأَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ فَتُقَدَّمُ الثَّانِيَةُ فَهَذَا تَصْوِيرُهُ، وَعَلَى هَذَا الْحَلِّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَا بِالِاشْتِرَاءِ عَطْفًا عَلَى التَّصَرُّفِ بَلْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ بِسَبَبِ مِلْكٍ أَيْ: وَالْأَرْجَحُ بِسَبَبِ مِلْكٍ لَا بِمُجَرَّدِ الِاشْتِرَاءِ الْمُطْلَقِ أَيْ أَنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الشِّرَاءِ الْمُطْلَقِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُشْتَرَى مِنْهُ صَادِقٌ بِأَنْ يَكُونَ شَخْصًا آخَرَ غَيْرَ الشَّخْصِ الْمُنَازِعِ لَهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا وَمُفَادُهُ أَنَّهُ تَرْجِيحٌ.
(وَصِحَّةُ) الشَّهَادَةِ بِ (الْمِلْكِ) أَيْ اسْتِحْقَاقِ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ شَرْعًا فِعْلًا أَوْ قُوَّةً أَصَالَةً، فَيَدْخُلُ مِلْكُ الْمَحْجُورِ، وَيَخْرُجُ اسْتِحْقَاقُ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ (بِ) مُعَايَنَةِ (التَّصَرُّفِ) فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِمِلْكِهِ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ (وَعَدَمِ مُنَازِعٍ) لَهُ فِيهِ (وَ) بِمُعَايَنَةِ (حَوْزٍ) أَيْ اسْتِيلَاءٍ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ مَعَ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ (طَالَ) زَمَانُهُ (كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ) أَبُو الْحَسَنِ
وَأَمَّا الشَّاهِدُ بِمَعْرِفَةِ الْمِلْكِ فَإِنْ عَرَفَ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا،
فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ يَعْرِفُهَا قُبِلَ مِنْهُ إطْلَاقُ مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُفَسِّرَ الْأَشْيَاءَ الْخَمْسَةَ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدُ كَوْنَ يَدِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ عَلَى مَا يَدَّعِي وَكَوْنَهُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ وَنِسْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَوْنَهُ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ وَطُولُ مُدَّةِ ذَلِكَ عَامًا فَأَكْثَرَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ طُولُ هَذَا الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ لَا غَيْرُ الْمَازِرِيُّ لَا يُبِيحُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ مُجَرَّدُ مُشَاهَدَتِهِ شَخْصًا ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُهَا غَاصِبٌ أَوْ مُودَعٌ أَوْ مُسْتَعِيرٌ أَوْ مُكْتَرٍ أَوْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمِلْكِ بِالْحَوْزِ وَوَضْعِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ مَعَ دَعْوَى الْمِلْكِ وَإِضَافَتَهُ لِنَفْسِهِ وَطُولِ الزَّمَنِ، وَلَا يَظْهَرُ مَنْ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ،
فَإِنْ شَهِدَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ،
فَإِنْ عَوَّلَ عَلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ،
وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُضِفْهَا إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَ عَارِفًا إلَى هَذَا، أَشَارَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا. اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ هِلَالٍ وَأَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي لَغْوِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ فِي دَارٍ أَنَّهَا مِلْكٌ لِفُلَانٍ حَتَّى يَقُولَ وَمَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ وَقَبُولُهَا مُطْلَقًا. ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الشُّهُودُ لَهُمْ نَبَاهَةٌ وَيَقَظَةٌ لِابْنِ سَلْمُونٍ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ قَائِلًا وَأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ، [منح الجليل] شَاهَدْت الْقَضَاءَ بِهِ،
وَالثَّانِي لِابْنِ مُطَرِّفٍ، وَالثَّالِثُ لِابْنِ عَاتٍ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ أَنْ تَكُونَ الْحِيَازَةُ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ، سَوَاءٌ حَضَرُوا ابْتِدَاءَ دُخُولِهَا فِي يَدِهِ أَمْ لَا،
وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْحِيَازَةُ فَلَا تُفِيدُ الْمِلْكَ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ غَنِمَهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَشَبَهِهِ. الْحَطّ أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَنْ تَكُونَ لِكَوْنِهِ رَأَى الْمَشْهُودَ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ. (وَ) بِذِكْرِهِمْ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَشْهُودَ بِمِلْكِهِ (لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ لَهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ كَبَيْعٍ وَتَبَرُّعٍ (فِي عِلْمِهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ. ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ عَنْهَا الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ ادَّعَى عَيْنًا قَائِمَةً مِنْ رَقِيقٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ نَاضٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى مِلْكِهِ،
فَمِنْ تَمَامِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا وَمَا عَلِمْنَاهُ بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي سَعِيدٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ سَمِعْت مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يَدَّعِي الْعَبْدَ أَوْ الثَّوْبَ، وَيُقِيمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ شَيْؤُهُ لَمْ يَعْلَمْهُ بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ،
وَإِذَا شَهِدُوا بِهَذَا مَا اسْتَوْجَبَ مِمَّا ادَّعَاهُ.
وصحة الملك بالتصرف يعني أن صحة شهادة البينة إذا شهدت بالملك لشخص، سواء كان حيا أو ميتا مشروطة بأن يعتمدوا في شهادتهم على هذه الأمور الأربعة،
وإن لم يصرحوا بها إلا الأمر الأخير فلا بد من التصريح به على ما سيأتي. الْأَمْرُ الْأَوّلُ: التصرف التام للمشهود له. الأمر الثاني: عدم المنازع له في ذلك الأمر، وإليه أشار بقوله: وعدم منازع له في التصرف كما في الخرشي، أو في الشيء المتصرف فيه كما في ابن مرزوق. الأمر الثالث: الحيازة له على ذلك المال حيازة طويلة، وإليه أشار بقوله: وحوز طال بأن يختص به دون مشارك له فيه مدة طويلة، ومثل للحيازة الطويلة بقوله: كعشرة أشهر.
الأمر الرابع أن تذكر البينة أنه أي الشيء المشهود بملكه لم يخرج عن ملكه في علمهم، وإليه أشار بقوله: وأي،، وتقول البينة الشاهدة بالملك في أداء شهادتها أنه أي الشيء المشهود بملكه - لم يخرج عن ملكه؛ أي ملك المشهود له في علمهم أي علم الشهود؛ أي لابد أن تذكر البينة أنهم لم يعلموا أنه خرج عن ملكه بناقل شرعي، ببيع أو هبة أو وجه من الوجوه إلى الآن،
فإن قالوا: إنها لم تخرج عن ملكه قطعا بطلت شهادتهم،
فإن أطلقوا ففيه خلاف، فإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصرف فشهادتهم باطلة، هذا على أن قولهم ذلك شرط صحة
وقيل شرط كمال كما في عارية المدونة، وإليه أشار بقوله: وتؤولت المدونة على الكمال أي على أن هذا الأخير شرط كمال لا شرط صحة، كما
قال: في الأخير، وهو قوله، وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم وعلى أنه شرط كمال،
فإن لم تذكره البينة حلف المشهود له بتا وورثته على العلم أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق ولا خرج عن ملكه بناقل وتمت شهادتهم.
وقوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير" قال غير واحد: والمذهب الأول دون قوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير" ،
وقال ابن مرزوق: لما ذكر أن بينة الملك تقدم على بينة الحوز أراد أن يبين ما هو مستند الشهود في الشهادة بالملك، فإنه لا ينبغي لهم أن يشهدوا بالملك بمجرد رؤية الشيء بيد الحائز له أو رؤيتهم شراءه إياه؛ لأن اليد قد تكون بالعارية والغصب، والشراء يكون من غاصب، وجملة ما ذكر من الأمارات الدالة على صحة الملك أربع: الأولى التصرف في الشيء ولا يريد مطلق التصرف بل التصرف المعهود من المالكين في أملاكهم، فأل في التصرف للعهد وهو وإن لم يذكره إلا أنه اتكل على أنه لا يخفى هذا على من بلغ في هذا الْفَنِّ إلى هنا.
الثانية: عدم المنازع له فيما هو متصرف فيه. الثالثة: الحوز الطويل، ومعنى الحوز أن يختص بالشيء ويحوزه إلى نفسه ولا يكون شركة بينه وبين غيره، وحد الطول عشرة أشهر كما ذكر،
وقيل ستة وهما متقاربان. الرابعة: كون الشيء المتصرف فيه لم يخرج عن ملكه فيما يعلم الشاهد بالملك إلى حين الشهادة به، وإنما
قال في علمهم احترازا عما في نفس الأمر، فإنه يحتمل أن يكون مالكه باعه ولم يعلم الشهود بذلك، ولابد أن تكون الشهادة بالملك هكذا،
ولو شهدوا أنها لم تخرج عن ملكه على القطع لكانت الشهادة زورا وهذد الأمارة وقعت في المدونة، فمنهم من تأولها على أنها من شروط الكمال، وأنها إن لم تذكر في الشهادة لم تضر وهذا معنى قوله: "وتؤولت" أي المدونة: "على الكمال في الأخير" أي في القيد الأخير أو في الدليل الأخير من أدلة الملك إذا الأمارة دليل. اهـ.
وقال عبد الباقي: وصحة شهادة بينة الملك لشخص حي أو ميت ثابتة بالتصرف؛ أي أن يشهدوا بتصرفه فيه تصرفا تاما، والمراد بالصحة الاعتماد والباء بمعنى على؛ أي اعتمدت البينة بالملك على التصرف وعدم منازع، وحوز طال كعشرة أشهر الكاف استقصائية كما تفيده المدونة،
وقيل وزيادة شهرين، وما قدمناه من أنها تعتمد على ذلك في الشروط الثلاثة المتقدمة فلا يلزمها ذكره هو مفاد أبي الحسن وابن مرزوق وحلولو.
وفي النوادر ما ظاهره خلافه، ودرج عليه التتائي ولكن لا يعول عليه،
وأما قوله في الشرط الرابع: وأنها، فمعمول لمقدر أي تقول أو تؤدي أنها لم تخرج عن ملكه في علمهم ببيع أو هبة أو وجه من الوجوه إلى الآن،
فإن قالوا: إنها لم تخرج عن ملكه قطعا بطلت شهادتهم،
فإن أطلقوا ففيه خلاف، فإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب فشهادتهم باطلة بناء على أن قولهم ذلك شرط صحة، كما صدر به المص وهو المذهب دون قوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير" اهـ. المراد منه. تنبيهات الأول: قال البناني. عند قول المص: "وحوز طال كعشرة أشهر" ما نصه: ما نقله المواق هنا على هذا النص لا يطابقه إنما يطابق قول المص الآتي: "وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي ففي الدابة" الخ.
الثاني: قد مر قول عبد الباقي: فلا يلزم الشهود ذكره كما هو مفاد أبي الحسن، قال البناني: ظاهره أن أبا الحسن أطلق عدم لزوم ذكرها وليس كذلك، بل قيده بمن يعرف ما تصح به الشهادة بالملك وإلا لزمه ذكرها،
قال: فإن كان الشاهد يعرف ما تصح به الشهادة بالملك قُبلَ منه إطلاقُ معرفة الملك - وقليل ما هم - وإلا فلا حتى يفسر الخمسة أشياء: أن يعرف الشاهد لمدعي الملك كون يديه على ما يدعي، وأنه يعرف تصرفه تصرف المالك، وأنه ينسبه لنفسه، وأنه لا ينازعه فيه منازع،
وأن تطول مدة ذلك عاما فأكثر.
وفي المدونة: ما يقوم منه أن عشرة أشهر طول هذا الذي يشترط في الشهادة بالملك لا غير. اهـ.
وقال ابن هلال: قال المازري رحمه الله: لا نبيح للشاهد أن يشهد بالملك بمجرد شهادته شخصا باع سلعة من الآخر؛ لأنه قد يبيعها غاصب أو مودَع ومن لا يجوز له البيع، ولكن حقيقة الشهادة به يستدل عليها بالحوز ووضع اليد على الشيء والتصرف فيه تصرف المالك مع دعوى الملك وإضافته إلى نفسه وطول الزمن ولا يظهر من ينازعه في ذلك،
قال: فإذا شهد بأن هذه الدار لفلان وعوَّل على ما أطلق من الشهادة بالملك على معرفته بهذه الأمور قبلت شهادته،
وإن أطلق الشهادة ولم يضفها لهذه الأمور لم تقبل إلا إن كان عارفا. قال: وإلى هذا أشار سحنون وغيره من أصحابنا. اهـ.
الثالث: قال البناني: قال ابن عرفة: وفي لغو شهادة الشاهد في دار بأنها ملك فلان حتى يقول ومال من أمواله وقبولها مطلقا، ثالثها إن كان الشهود لهم نباهة ويقظة، الأول لابن سهل عن ابن مالك قائلا: شاهدت القضاء به،
والثاني لأبي المطرف، والثالث لابن عتاب. انتهى. الرابع: قال البناني عند قول المص: "وأنه لم يخرج عن ملكه في علمهم" : هذا ما في كتاب الشهادة من المدونة، ففيها: من تمام شهادتهم أن يقولوا: ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه، ثم لا يقضى له بذلك حتى يحلف على البت أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه،
وفي العارية منها: وإن شهدوا أن الدار له ولم يقولوا لا نعلم أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق حلف على ذلك وقضي له. انتهى. فظاهر هذا أنه شرط كمال فقط، وحمل أبو الحسن وأبو إبراهيم الأعرج ما في الشهادة على هذا، وإليه أشار المص بقوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير" ، وعزاه ابن عرفة لنص عارية المدونة ولظاهر قول ابن يونس وابن رشد،
وقال ابن العطار: هو شرط كمال في وثيقة الحي وشرط صحة في وثيقة الميت. انتهى. الخامس قد مر أنهم إذا قالوا لم تخرج عن ملكه قطعا بطلت شهادتهم، قال البناني: قال ابن رشد: قولا واحدا،
وإن لم يصرحوا به ولكن جزموا شهادتهم فهي محل الخلاف. السادس: قوله: "وعدم منازع" الواو بمعنى: مع، وقوله: "وعدم منازع" أي عند الحاكم، فالمنازعة عند غير الحاكم لا عبرة بها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.