وَضَمِنَ ما سرى:
الشروح عليها
(وَضَمِنَ) فِي الشَّكِّ (مَا سَرَى) عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ جُرْحٍ أَيْ ضَمِنَ دِيَةَ مَا سَرَى لَكِنْ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا لَوْ ظَنَّ عَدَمَ السَّلَامَةِ وَأَوْلَى إنْ جَزَمَ فَالْقَوَدُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ ظَنَّ السَّلَامَةَ فَخَابَ ظَنُّهُ فَهَدَرٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ،
وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهَا فَالْقِصَاصُ، وَإِنْ شَكَّ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَسَوَاءٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ شَهِدَ الْعُرْفُ بِالتَّلَفِ مِنْهُ أَمْ لَا هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَيُعْلَمُ الظَّنُّ وَالشَّكُّ مِنْ إقْرَارِهِ وَمِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَعْضِ أَشْيَاءَ تُوجِبُ الضَّمَانَ فَقَالَ
(قَوْلُهُ: إنَّهُ إنْ ظَنَّ السَّلَامَةَ) أَيْ ابْتِدَاءً وَقَوْلُهُ فَخَابَ ظَنُّهُ أَيْ بِأَنْ مَاتَ وَقَوْلُهُ وَإِذَا ظَنَّ عَدَمَهَا أَيْ ابْتِدَاءً وَأَوْلَى إنْ جَزَمَ بِعَدَمِهَا ابْتِدَاءً
(قَوْلُهُ: شَهِدَ الْعُرْفُ بِالتَّلَفِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: إنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّلَفُ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ ظَنِّ الْإِمَامِ السَّلَامَةَ مَعَ قَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ إنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ تَلَفٌ أَوْ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخِيبُ ظَنُّهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَضَمِنَ مَا سَرَى) ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ سَرَى ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْمُعَزَّرِ بِخِلَافِ الْحَدِّ انْتَهَى.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَضَمِنَ مَا سَرَى كَطَبِيبٍ جَهِلَ أَوْ قَصَّرَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ أَنَّ مِثْلَ الطَّبِيبِ الْخَاتِنُ وَالْبَيْطَارُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ مَاتَ مِنْ سَقْيِ طَبِيبٍ أَوْ خَتْنِ الْحَجَّامِ أَوْ تَقْلِيعِهِ ضِرْسًا لَمْ يَضْمَنْهُ إنْ لَمْ يَخْطَآ فِي فِعْلِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْهَاهُمَا الْحَاكِمُ عَنْ الْقُدُومِ عَلَى ذِي غَرَرٍ إلَّا بِإِذْنِهِ،
فَمَنْ خَالَفَهُ ضَمِنَ فِي مَالِهِ. هَذَا ظَاهِرُ السَّمَاعِ. وَمَا كَانَ يَخْطَأُ فِي فِعْلِهِ كَسَقْيِهِ مَا لَا يُوَافِقُ الْمَرَضَ أَوْ تَزَلْ يَدُ الْخَاتِنِ أَوْ يَقْلَعُ غَيْرَ الضِّرْسِ الْمَأْمُورِ بِهَا،
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يُغَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ خَطَأٌ تَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا.
وَإِنْ غُرَّ مِنْ نَفْسِهِ عُوقِبَ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ،
وَفِي كَوْنِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ إلَى الْخَطَأِ أَوْ فِي مَالِهِ قَوْلَانِ
(وَ) إلَّا (ضَمِنَ) الْإِمَامُ (مَا سَرَى) أَيْ تَرَتَّبَ عَلَى تَعْزِيرِهِ،
فَإِنْ مَاتَ ضَمِنَ دِيَتَهُ وَإِنْ تَلِفَتْ لَهُ مَنْفَعَةٌ ضَمِنَ دِيَتَهَا. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مُعَلِّمُ الْكِتَابِ وَالصَّنْعَةِ إنْ ضَرَبَ صَبِيًّا مَا يَعْلَمُ الْأَمْنَ مِنْهُ لِأَدَبِهِ فَمَاتَ فَلَا يَضْمَنُ،
وَإِنْ جَاوَزَ بِهِ الْأَدَبَ ضَمِنَ مَا أَصَابَهُ.
عج الْمَسَائِلُ ثَلَاثَةٌ: الْأُولَى أَنْ يَفْعَلَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ وَيَنْشَأُ عَنْهُ هَلَاكٌ أَوْ نَقْصٌ،
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَمَانِهِ فَقِيلَ لَا يَضْمَنُ سَوَاءٌ قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ يَنْشَأُ عَنْ فِعْلِهِ هَلَاكٌ أَوْ عَيْبٌ أَوْ لَا، وَهَذَا يُفِيدُهُ مَا فِي النَّوَادِرِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَعَزَاهُ الْمُوَضِّحُ لِلْجُمْهُورِ.
الثَّانِيَةُ، أَنْ يَفْعَلَ مَعَ ظَنِّهِ عَدَمَ سَلَامَتِهِ وَيَنْشَأُ عَنْهُ هَلَاكٌ أَوْ عَيْبٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ سَوَاءٌ قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ يَنْشَأُ هَلَاكٌ أَوْ عَيْبٌ أَوْ لَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَفْعَلَ مَعَ شَكِّهِ فِي سَلَامَتِهِ وَعَدَمِهَا، وَيَنْشَأُ عَنْهُ هَلَاكٌ أَوْ عَيْبٌ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
طفي قَوْلُهُ أَوْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ. تت مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ، ثُمَّ قَالَ وَإِلَّا ضَمِنَ زَادَ فِي كَبِيرِهِ وَعَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ لَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَ قَوْلِهِ أَوْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي هَذَا صُعُوبَةٌ إذْ الْوُلَاةُ مَأْمُورُونَ بِالتَّأْدِيبِ وَالتَّعْزِيرِ فَتَضْمِينُهُمْ مَا سَرَى إلَيْهِ التَّعْزِيرُ مَعَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
[منح الجليل] أَمْرِهِمْ بِهِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ،
وَأَشَدُّ مِنْهُ الْإِقَادَةُ مِنْهُمْ وَعَلَى إشْكَالِهِ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ ... إيَّاكَ إيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ وَتَقْرِيرُهُ الَّذِي زَعَمَ دَفْعَ الْمُنَاقَضَةِ بِهِ وَالْإِشْكَالَ أَصْلُهُ لِشَيْخِهِ دَاوُد، وَهُوَ خِلَافُ إطْلَاقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَخِلَافُ كَلَامِهِ فِي تَوْضِيحِهِ،
قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يَنْتَهِي لِلْقَتْلِ، أَيْ لَا يُؤَدِّبُهُ بِقَتْلِهِ وَيُحْتَمَلُ لَا يَنْتَهِي فِي تَأْدِيبِهِ بِالضَّرْبِ إلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ قَتْلُهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ يَضْرِبُهُ وَإِنْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ، وَرُوِيَ مِنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِ شَخْصٍ وُجِدَ مَعَ صَبِيٍّ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ قَدْ جَرَّدَهُ وَضَمَّهُ إلَى صَدْرِهِ أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ فَانْتَفَخَ وَمَاتَ وَلَمْ يَسْتَعْظِمْ ذَلِكَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ".
اهـ. فَقَدْ اسْتَظْهَرَ جَوَازَ التَّأْدِيبِ مَعَ عَدَمِ ظَنِّ السَّلَامَةِ.
وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ وَإِنْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَوْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ وتت مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ، فَكَيْفَ يُقَيِّدُهُ بِظَنِّ سَلَامَتِهِ
وَقَالَ فِي تَوْضِيحِهِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ،
فَإِنْ سَرَى فَعَلَى الْعَاقِلَةِ مَا نَصُّهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ غَالِبًا فِي الذِّهْنِ،
وَفِي هَذَا الشَّرْطِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ وَلِظَاهِرِ الْحِكَايَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ إذَا جَازَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ وَتَضْمِينُهُمْ مَعَ أَمْرِهِمْ بِهِ كَتَكْلِيفٍ بِمَا لَا يُطَاقُ،
وَفِي الْإِكْمَالِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَاتَ مِنْ التَّعْزِيرِ فَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَقْلُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ،
وَقِيلَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ كَلَامُ التَّوْضِيحِ. فَأَنْتَ تَرَاهُ اعْتَرَضَ تَقْيِيدَ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَذْكُورَ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ، وَلِذَا حَادَ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَتَقْرِيرُهُ قَوْلُهُ وَإِلَّا ضَمِنَ مَا سَرَى خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ فِي تَرْتِيبِهِمْ الضَّمَانَ عَلَى فِعْلِهِ مَا يَجُوزُ لَهُ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ نَفْسُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَالْمُصَنِّفِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ عِنْدَهُ الْجَوَازَ مُطْلَقًا وَإِنْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] الضَّمَانَ، وَلِكَوْنِهِ مُرَتَّبًا عَلَى فِعْلِ الْجَائِزِ أَتَى اسْتِشْكَالُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ سَلَّمَهُ الشَّارِحُ وَابْنُ غَازِيٍّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَلَا سَلَفَ لتت فِيمَا قَالَهُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ سِوَى اخْتِيَارَاتٍ لِبَعْضِ الشَّارِحِينَ لَا مُسَاعِدَ لَهَا مِنْ النَّقْلِ فَالصَّوَابُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَتَرْتِيبُ الضَّمَانِ عَلَى ذَلِكَ الظَّاهِرِ وَسَلَفُ الْمُصَنِّفِ فِي ذَلِكَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ فِي تَنْبِيهَاتِهِ اخْتَلَفَ مُتَأَخِّرُو شُيُوخِنَا الْأَنْدَلُسِيُّونَ فِيمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ أَوْ فَعَلَ مَا يُبَاحُ لَهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُبِيحَ كَالْحَاكِمِ وَضَارِبِ الْحَدِّ وَالْمُؤَدِّبِ وَالزَّوْجِ وَالْخَاتِنِ وَالطَّبِيبِ، فَقِيلَ ذَلِكَ كَالْخَطَأِ وَيَدْخُلُهَا الِاخْتِلَافُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْبَاجِيَّ.
وَقِيلَ إذَا كَانَ إنَّمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجُوزُ وَحَيْثُ يَجُوزُ وَلَا يُعَدُّ غَلَطًا وَلَا قَصْدًا فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ اللَّعِبِ، وَيَدْخُلُهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةِ مُطَرِّفٍ، وَمَذْهَبُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ هَلْ هُوَ خَطَأٌ أَوْ عَمْدٌ أَوْ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ بِقَوْلِهِ التَّعْزِيرُ جَائِزٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَابْنُ شَاسٍ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، أَيْ جَائِزٌ وَلَا ضَمَانَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمَا بَقَاءُ التَّفْرِيعِ،
فَإِنْ سَرَى فَعَلَى الْعَاقِلَةِ اهـ. كَلَامُ طفي وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ وَاخْتَصَرَهُ.
قُلْت هَذِهِ هَفْوَةٌ مِنْ طفي عَظِيمَةٌ وَغَلْطَةٌ جَسِيمَةٌ صَيَّرَ فِيهَا الْحَقَّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلَ حَقًّا وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْظُرُ بِقَطْعِ السَّارِقِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ اعْتِدَالَ الْهَوَاءِ وَلَا يُفْعَلُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُخَافُ مِنْ فِعْلِهِ فِيهِ مَوْتُهُ وَأَنَّ الْمَرِيضَ إذَا وَجَبَ حَدُّهُ وَخِيفَ مَوْتُهُ مِنْ إقَامَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤَخَّرُ إلَى بُرْئِهِ وَأَنَّ مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ مُوَالَاةِ الْحَدِّ يُفَرَّقُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُطِقْهُ بِالْكُلِّيَّةِ يَسْقُطُ عَنْهُ وَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ الْحَدِّ فَكَيْفَ فِي التَّعْزِيرِ الَّذِي هُوَ دُونَهُ أَيُفْعَلُ مَعَ خَوْفِ الْمَوْتِ مِنْهُ.
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالُوا لَيْسَ لِلْإِمَامِ التَّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ فَكَيْفَ يُقَالُ يَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ،
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَسِيلَةَ تُعْطَى حُكْمَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِ التَّعْزِيرِ بِالْقَتْلِ امْتِنَاعُ كَطَبِيبٍ جَهِلَ، أَوْ قَصَّرَ، أَوْ بِلَا إذْنٍ مُعْتَبَرٍ،
وَلَوْ إذْنَ عَبْدٍ بِفَصْدٍ أَوْ حِجَامَةٍ، أَوْ خِتَانٍ؛ [منح الجليل] التَّعْزِيرِ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ عَلَى أَنَّ الضَّرْبَ الْمُنْتَهِي لِلْمَوْتِ قَتْلٌ، وَقَدْ قَالُوا لَا يَنْتَهِي الْإِمَامُ فِي التَّأْدِيبِ لِلْقَتْلِ، وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُعَلِّمُ الْكِتَابِ وَالصَّنْعَةِ إنْ ضَرَبَ صَبِيًّا مَا يَعْلَمُ الْأَمْنَ فِيهِ لِأَدَبِهِ فَمَاتَ فَلَا يَضْمَنُ،
وَإِنْ جَاوَزَ بِهِ الْأَدَبَ ضَمِنَ مَا أَصَابَهُ، وَهَذَا نَصٌّ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ السَّلَامَةِ فِي جَوَازِ الْقُدُومِ عَلَى التَّأْدِيبِ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا، وَهَذَا سَلَفُ دَاوُد وتت وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَجَوَابُهُمْ عَنْ اسْتِشْكَالِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ، وَمَا حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَحْمُولٌ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مَا يَعْلَمُ الْأَمْنَ فِيهِ، وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَإِنْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ أَيْ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَتَخَلَّفَ الظَّنُّ.
وَأَمَّا الْقُدُومُ فَشَرْطُهُ ظَنُّ السَّلَامَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ مِنْ التَّعْزِيرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَأَنَّ فَاعِلَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا تُوجِبُ الْحَدَّ لَا يَسْتَوْجِبُ الْحَدَّ فَضْلًا عَنْ الْقَتْلِ عَلَى أَنَّ اسْتِيجَابَ الْحَدِّ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِيجَابَ الْقَتْلِ، بَلْ مِنْهُ مَا يَسْقُطُ بِخَوْفِ الْقَتْلِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْفِرْيَةِ وَزِنَا الْبِكْرِ فَاسْتِشْكَالُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَنْظِيرُ الْمُوَضِّحِ فِي شَرْطِ عِلْمِ السَّلَامَةِ وَتَعَقُّبُ طفي كُلُّ ذَلِكَ قُصُورٌ وَغَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَ وَعَمَّا هُنَا، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَشَبَّهَ فِي ضَمَانِ مَا سَرَى فَقَالَ
وقال البناني: وضمن ما سرى يعني فإن سرى التعزير حتى أتى على النفس ضمن ذلك الإمام،
قال ابن عبد السلام: وفي هذا صعوبة إذ الولاة مأمورون بالتعزير فتضمينهم ما سرى إليه التعزير مع أمرهم به تكليف ما لا يطاق وأشد من ذلك الإقادة منهم. انتهى. وعلى إشكاله كان بعضهم ينشد: ألقاه في اليم مكتوفا فقال له … إياك إياك أن تبتل بالماء وأجاب عنه التتائي تبعا للشيخ داوود شيخه بما قرره به الزرقاني من حمل الضمان على عدم ظن السلامة وحمل الجواز على ظنها، وهو خلاف النقل المفيد جواز التعزير مع عدم ظن السلامة، كما استظهره في التوضيح معترضا تقييد ابن الحاجب تبعا لابن شأس الجواز بشرط السلامة، وأيضا حمل الضمان على عدم ظن السلامة خلاف ظاهر كلام المؤلف وخلاف كلام ابن الحاجب وابن رشد في ترتيبهم الضمان على فعل ما يجوز له، ولكونه مرتبا عندهم على فعل الجائز أتى إشكال ابن عبد السلام وسلمه الشارح وابن غازي وغير واحد، ولا مساعد من النقل لما قاله التتائي.
فالصواب ابقاء كلام المؤلف على ظاهره من غير تقييد وترتيب الضمان على ذلك الظاهر وسلف المؤلف في ذلك ابن شأس وابن الحاجب. قاله مصطفى. ثم قال: والظاهر أن مراد ابن الحاجب وابن شأس بقولهما: التعزير جائز بشرط السلامة أي جائز ولا ضمان بشرط السلامة، بدليل قولهما بفاء التفريع فإن سرى فعلى العاقلة. انتهى. قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: ثم قال والظاهر أن مراد ابن الحاجب الخ سلم كلام مصطفى،
وقال التاودي بعد أن ذكره ما نصه: وهو غير ظاهر أيضا وبحث ابن عبد السلام قائم كما هو بين، وأقرب منه أن يقال: التعزير جائز بالاجتهاد مطلقا وإن زاد على الحد أو أتى على النفس. وقوله: "وضمن ما سرى" فيما إذا تبين خطؤه كضربه أربعمائة فمات منها ثم تبين أنه لا يستحق ذلك فيضمن ديته، ولا ترد مسألة الإمام لأنه لم يتبين فيها خطأ كما أشار له ابن مرزوق. ويستروح من تقرير الطخيخي أيضا فتأمله.
واللَّه أعلم. انتهى منه بلفظه. قال الرهوني: قلت وهو الحق الذي لا محيد عنه إلى آخر ما مر في أول الحل،
ثم قال: قال ابن مرزوق: ولا يصح أن يقال معنى كلامه -يعني المصنف- أن الإمام إذا عزر باجتهاده ولم يظهر خطؤه، فتولد من تأديبه هلاك أن يضمن لأن هذا يناقض قوله: "أو أتى على النفس" . انتهى. وما نسباه لابن مرزوق هو كذلك فيه، وزاد بعد ذلك ما نصه: ولا يحمل كلام ابن الحاجب إلا على هذا المعنى وإلا كان مخالفا للنقل؛ لأن فعل الإمام إذا كان على الصواب فيما يجتهد فيه أو على الوجه الذي حد له فيما لا يجتهد فيه ثم نشأ عنه تلف فلا ضمان فيه كما ترى.
وقد بان أن كلام ابن الحاجب مخالف لما نقلنا عن مالك من انتهاء التعزير إلى الموت في الحكاية المذكورة، ونظيرها في العتبية أيضا [في رجل] خلا بصبي وجرده من ثيابه. انتهى. يشير إلى ما في النوادر من كتاب ابن حبيب، قال مطرف: أتي هشام بن عبد اللَّه قاضي المدينة -وهو من صالحي قضاتها- برجل خبيث يعرف باتباع الصبيان لصق بغلام في زحام الناس الخ،
ثم قال: أما ضمان الإمام والطبيب في خطئهما على الجملة فقال في القطع في السرقة من المدونة: وما بلغ من خطإ الإمام ثلث الدية فأكثر فعلى عاقلته مثل خطإ الطبيب والمعلم والخاتن،
ثم قال: وأما أن خطأهما لا يكون إلا مع مخالفة وجه الصواب فيما شرع لهما فعله، فقال في آخر أحكام الدماء من النوادر: قال ابن حبيب قال أصبغ: وروى ابن وهب عن يحيى بن سعيد: كل حاكم بين المسلمين من أمير أو قاض أو صاحب شرطة، فما كان من عقوبتهم من موت عن جد أو أدب فهدر، وما كان من ظلم بين فالقود في عمده والعقل في خطئة، قال: قال أصبغ: وهو قولنا وجماعة علمائنا.
انتهى. وقال أبو الوليد بن رشد: والعقوبات على الجرائم عند مالك على قدر اجتهاد الوالي وعظم جرم الجاني وإن تجاوز الحد، وقد أمر مالك صاحب الشرطة في الذي وجد مع صبي في سطح وقد جرده وضمه إلى صدره وغلق على نفسه معه فلم يشكو في المكروه فأمره أن يضربه ضربا مبرحا ويسجنه طويا، حتى تظهر توبته وتتبين، فسجنه صاحب الشرطة أياما قبل أن يضربه فكان أبوه يختلف إلى مالك ويتردد إليه ويقول له: اتق اللَّه يا مالك فما خلقت النار باطلا، فيقول له مالك: أجل وإن الذي ألفي عليه ابنك لمن الباطل ثم ضربه صاحب الشرطة أربعمائة سوط فانتفخ فمات فما أكبر ذلك مالك ولا بالى به، فقيل له: يا أبا عبد اللَّه إن هذا من الأدب والعقوبة لكثير فقال: هذا بما أجرم، وما رأيت أنه مسه من العقوبة إلا بما اجترم.
انتهى. وفي الرهوني بعد جلب نقول ما نصه: وقد خفيت هذه النصوص القاطعة والحجج البينة الساطعة على مصطفى وبناني كما خفيت أيضا على جسوس، فنظر في كلام ابن عاشر ولا نظر فيه والكمال للَّه تعالى. ومما يشهد لما قاله ابن مرزوق ومن تبعه أيضا ما نص عليه غير واحد من أن تأديب الزوج زوجته على وجه يجوز له إذا نشأ عنه الموت لا ضمان فيه، وتأديب الحكام بهذا أولى لأنه آكد من تأديب الزوج لوجوبه على الحكام،
بخلاف الزوج واللَّه أعلم. انتهى.
والحاصل أن التحقيق عند الرهوني تبعا لابن مرزوق وابن عاشر والتاودي أن المعزر الذي له التعزير إن فعل ما أداه إليه اجتهاده ولم يتبين خطؤه لا ضمان عليه وإن أتى على النفس،
ويجوز له الإقدام على ما أداه إليه اجتهاده وإن ظن عدم السلامة،
فإن فعل ما أداه إليه اجتهاده ومات من ذلك أو تلف به عضو وتبين له خطؤه فإنه يضمن،
ولو فعل به الظلم البين بأن فعل به ما لا يستحق متعمدا ذلك فالقود. هذا هو تحرير المسألة عند هؤلاء. ورد كلام ابن شأس وابن الحاجب ومصطفى والتتائي وعبد الباقي ومن وافق أحدا منهم، وقد مر كلام الجميع متمما فراجعه إن شئت. واللَّه تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.