وَكَفَّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَوْ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ بِمَا يَسْتُرُ عَامَّةَ الْبَدَنِ
الشروح عليها
(وَكَفَّارَتُهُ) هَذِهِ إضَافَةٌ لِلشَّرْطِ لِأَنَّ السَّبَبَ عِنْدَنَا الْحِنْثُ (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَوْ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) كَمَا مَرَّ فِي الظِّهَارِ (أَوْ كِسْوَتُهُمْ بِمَا) يَصْلُحُ لِلْأَوْسَاطِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَ (يَسْتُرُ عَامَّةَ الْبَدَنِ) فَلَمْ يَجُزْ السَّرَاوِيلُ إلَّا بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ الْإِطْعَامِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَكَفَّارَتُهُ) أَيْ الْيَمِينِ بِمَعْنَى الْحَلِفِ أَوْ الْقَسَمِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّهَا مُؤَنَّثٌ سَمَاعًا نَهْرٌ
(قَوْلُهُ هَذِهِ إضَافَةٌ لِلشَّرْطِ) لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي إضَافَةِ الْأَحْكَامِ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ كَحَدِّ الزِّنَا أَوْ الشُّرْبِ أَوْ السَّرِقَةِ، وَالْيَمِينُ لَيْسَ سَبَبًا عِنْدَنَا لِلْكَفَّارَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ السَّبَبُ عِنْدَنَا هُوَ الْحِنْثُ كَمَا يَأْتِي بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ الْأَصْلِ وَأَنَّهُ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى الشَّرْطِ مَجَازًا، وَهِيَ جَائِزَةٌ وَثَابِتَةٌ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْإِحْرَامِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَكَوْنُ الْيَمِينِ شَرْطًا لَا سَبَبًا مُبَيَّنٌ بِأَدِلَّتِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. مَطْلَبُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ
(قَوْلُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) لَمْ يَقُلْ عِتْقُ رَقَبَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَنَوَى عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَجُزْ نَهْرٌ
(قَوْلُهُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، حَتَّى لَوْ أَعْطَى مِسْكَيْنَا وَاحِدًا فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ يَجُوزُ،
وَلَوْ أَعْطَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِدَفَعَاتٍ فِي عَشْرِ سَاعَاتٍ، قِيلَ يُجْزِئُ،
وَقِيلَ لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ إعْطَاؤُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ مِسْكِينٍ آخَرَ لِتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ مِنْ حَاشِيَةِ السَّيِّدِ أَبِي السُّعُودِ. وَفِيهَا: يَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَ مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي عَشْرِ سَاعَاتٍ مِنْ يَوْمٍ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ أَوْ ثَوْبًا وَاحِدًا، بِأَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِأَنَّ لِتَبَدُّلِ الْوَصْفِ تَأْثِيرًا فِي تَبَدُّلِ الْعَيْنِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْكَشْفِ، وَقَوْلُهُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ يَحْتَمِلُ تَعَلُّقَهُ بِالثَّانِيَةِ فَقَطْ أَوْ بِهَا وَبِالْأَوْلَى أَيْضًا وَهُوَ الظَّاهِرُ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
اهـ.
قُلْت: وَمُرَادُهُ بِالثَّانِيَةِ قَوْلُهُ أَوْ ثَوْبًا وَاحِدًا.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ: وَإِذَا أَطْعَمَهُمْ بِلَا إدَامٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي خُبْزِ الْحِنْطَةِ وَإِذَا غَدَّى مِسْكِينًا وَعَشَّى غَيْرَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ فَرَّقَ طَعَامَ الْعَشَرَةِ عَلَى عِشْرِينَ، كَمَا إذَا فَرَّقَ حِصَّةَ الْمِسْكِينِ عَلَى مِسْكِينَيْنِ،
وَلَوْ غَدَّى مِسْكِينًا وَأَعْطَاهُ قِيمَةَ الْعِشَاءِ أَجْزَأَهُ،
وَكَذَا إذَا فَعَلَهُ فِي عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؛
وَلَوْ عَشَّاهُمْ فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَجْزَأَهُ اهـ لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا غَدَّاهُمْ فِي يَوْمٍ وَعَشَّاهُمْ فِي يَوْمٍ آخَرَ فَعَنْ الثَّانِي فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ شَرَطَ وُجُودَهُمَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ،
وَفِي رِوَايَةِ الْمُعَلَّى لَمْ يَشْتَرِطْ.
وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ: وَإِنْ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينِ كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا عَنْ يَمِينَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ إحْدَاهُمَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُجْزِيه عَنْهُمَا
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ فِي الظِّهَارِ) أَيْ كَالتَّحْرِيرِ وَالْإِطْعَامِ الْمَارَّيْنِ فِي الظِّهَارِ مِنْ كَوْنِ الرَّقَبَةِ غَيْرَ فَائِتَةٍ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ وَلَا مُسْتَحَقَّةً لِلْحُرِّيَّةِ بِجِهَةٍ.
وَفِي الِاطِّعَامِ، إمَّا التَّمْلِيكُ، أَوْ الْإِبَاحَةُ، فَيُعَشِّيهِمْ وَيُغَدِّيهِمْ؛
وَلَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً وَكَسَا خَمْسَةً أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ الْإِطْعَامِ إنْ كَانَ أَرْخَصَ مِنْ الْكِسْوَةِ.
وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَجُوزُ، هَذَا فِي إطْعَامِ الْإِبَاحَةِ؛
أَمَّا إذَا مَلَكَهُ فَيَجُوزُ وَيُقَامُ مَقَامَ الْكِسْوَةِ؛
وَلَوْ أَعْطَى عَشَرَةً كُلَّ وَاحِدٍ أَلْفَ مَنٍّ مِنْ الْحِنْطَةِ عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي،
وَكَذَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ نَهْرٌ.
قُلْت: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ حِيلَةَ الدُّرَرِ لَا تَنْفَعُ هُنَا بِخِلَافِهَا فِي إسْقَاطِ الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ بِمَا يَصْلُحُ لِلْأَوْسَاطِ) وَقِيلَ يُعْتَبَرُ فِي الثَّوْبِ حَالُ الْقَابِضِ، إنْ كَانَ يَصْلُحُ لَهُ يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ بَزَّازِيَّةٌ
(قَوْلُهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ نِصْفِ مُدَّةِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ جَدِيدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَدِيدًا رَقِيقًا لَا يَبْقَى هَذِهِ الْمُدَّةَ لَا يُجْزِئُ
(قَوْلُهُ وَيَسْتُرُ عَامَّةَ الْبَدَنِ) أَيْ أَكْثَرَهُ كَالْمُلَاءَةِ أَوْ الْجُبَّةِ أَوْ الْقَمِيصِ أَوْ الْقَبَاءِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَهَذَا بَيَانٌ لِأَدْنَاهُ عِنْدَهُمَا. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَعَلَيْهِ فَيُجْزِيه دَفْعُ السَّرَاوِيلِ عِنْدَهُ لِلرَّجُلِ لَا لِلْمَرْأَةِ
(قَوْلُهُ فَلَمْ يَجُزْ السَّرَاوِيلُ) هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ لَابِسَهُ يُسَمَّى عُرْيَانًا عُرْفًا فَلَا بُدَّ عَلَى هَذَا أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصًا أَوْ جُبَّةً أَوْ رِدَاءً أَوْ قَبَاءً أَوْ إزَارًا سَابِلًا بِحَيْثُ يَتَوَشَّحُ بِهِ عِنْدَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ كَالسَّرَاوِيلِ، وَلَا تُجْزِئُ الْعِمَامَةُ إلَّا إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا ثَوْبٌ مُجْزِئٌ.
وَأَمَّا الْقَلَنْسُوَةُ فَلَا تُجْزِئُ بِحَالٍ، وَلَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ خِمَارٍ مَعَ الثَّوْبِ لِأَنَّ صَلَاتَهَا لَا تَصِحُّ بِدُونِهِ، وَهَذَا: أَيْ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ يُشَابِهُ الْمَرْوِيَّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي السَّرَاوِيلِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِلْمَرْأَةِ. وَظَاهِرُ الْجَوَابِ مَا يَثْبُتُ بِهِ اسْمُ الْمُكْتَسِي وَيَنْتَفِي عَنْهُ اسْمُ الْعُرْيَانِ لَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَعَدَمُهَا، وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ لَابِسَةً قَمِيصًا سَابِلًا وَخِمَارًا غَطَّى رَأْسَهَا وَأُذُنَيْهَا دُونَ عُنُقِهَا لَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ اسْمِ أَنَّهَا مُكْتَسِيَةٌ لَا عُرْيَانَةُ وَمَعَ هَذَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْفَتْحِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الثَّوْبِ مِنْ الْخِمَارِ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْخِمَارُ مِمَّا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ. وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ عَلَى صَدْرِ عِبَارَةِ الْفَتْحِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْخِمَارُ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ. الشُّرُنْبُلَالِيَّةُ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا يُغَطِّي رَأْسَ الرَّجُلِ. اهـ.
قُلْت: إنْ كَانَ تَوَقُّفُهُ فِي إجْزَائِهِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِهِ،
وَإِنْ كَانَ فِي اشْتِرَاطِهِ مَعَ الثَّوْبِ فَظَاهِرُ مَا مَرَّ عَدَمُهُ.
وَفِي الْكَافِي: الْكِسْوَةُ ثَوْبٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ إزَارٌ وَرِدَاءٌ أَوْ قَمِيصٌ أَوْ قَبَاءٌ أَوْ كِسَاءٌ اهـ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَسْتُرُ أَكْثَرَ الْبَدَنِ
(قَوْلُهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ الْإِطْعَامِ)
وَمِثْلُهُ لَوْ أَعْطَى نِصْفَ ثَوْبٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَجْزَأَهُ عَنْ إطْعَامِ فَقِيرٍ،
وَكَذَا لَوْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا كَبِيرًا لَا يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ حِصَّتُهُ مِنْهُ لِلْكِسْوَةِ وَتَبْلُغُ حِصَّةُ كُلٍّ مِنْهُمْ قِيمَةَ مَا ذَكَرْنَا أَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِالْإِطْعَامِ. ثُمَّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْإِجْزَاءِ عَنْ الْإِطْعَامِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ عَنْ الْإِطْعَامِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُشْتَرَطُ فَتْحٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.