وَقِيلَ نَعَمْ يَصْلُحُ وَيُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ لَا مِنْ الْقَاضِي وَيُفْتِي الْقَاضِي مَنْ لَمْ يُخَاصِمْ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ثُمَّ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ بِقَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ
الشروح عليها
(وَقِيلَ نَعَمْ يَصْلُحُ) وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكَنْزِ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ حَذَارِ نِسْبَةِ الْخَطَأِ وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ إسْلَامِهِ وَعَقْلِهِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ تَيَقُّظَهُ لَا حُرِّيَّتَهُ وَذُكُورَتَهُ وَنُطْقَهُ فَيَصِحُّ إفْتَاءُ الْأَخْرَسِ لَا قَضَاؤُهُ (وَيُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ لَا مِنْ الْقَاضِي) لِلُزُومِ صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَحَكَمْتُ وَأَلْزَمْت بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ
وَأَمَّا الْأَطْرَشُ وَهُوَ مَنْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ الْقَوِيَّ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ
بِخِلَافِ الْأَصَمِّ. (وَيُفْتِي الْقَاضِي) وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ (مَنْ لَمْ يُخَاصِمْ إلَيْهِ) ظَهِيرِيَّةٌ وَسَيَتَّضِحُ (وَيَأْخُذُ) الْقَاضِي كَالْمُفْتِي (بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ثُمَّ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ بِقَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ) وَهُوَ الْأَصَحُّ مُنْيَةٌ وَسِرَاجِيَّةٌ وَعِبَارَةُ النَّهْرِ ثُمَّ بِقَوْلِ الْحَسَنِ فَتَنَبَّهْ وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي اعْتِبَارَ قُوَّةِ الْمُدْرِكِ وَالْأَوَّلُ أَضْبَطُ نَهْرٌ
(قَوْلُهُ: وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكَنْزِ) حَيْثُ قَالَ وَالْفَاسِقُ يَصْلُحُ مُفْتِيًا
وَقِيلَ لَا فَجَزَمَ بِالْأَوَّلِ وَنَسَبَ الثَّانِيَ إلَى قَائِلِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: لَا يَجْتَهِدُ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَظْهَرُ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْرِضُ عَنْ النَّصِّ الضَّرُورِيِّ قَصْدًا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ وَرُبَّمَا عُورِضَ بِالنَّصِّ فَيَدَّعِي فَسَادَ النَّصِّ ط.
(قَوْلُهُ: حَذَارِ نِسْبَةِ الْخَطَأِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ حَذَرٌ لِمَا فِي الْقَامُوسِ وَحَذَارِ حَذَارِ وَقَدْ يُنَوَّنُ الثَّانِي أَيْ احْذَرْ ط.
(قَوْلُهُ: وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ تَيَقُّظَهُ) احْتِرَازًا عَمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَالسَّهْوُ،
قُلْت: وَهَذَا شَرْطٌ لَازِمٌ فِي زَمَانِنَا،
فَإِنَّ الْعَادَةَ الْيَوْمَ أَنَّ مَنْ صَارَ بِيَدِهِ فَتْوَى الْمُفْتِي اسْتَطَالَ عَلَى خَصْمِهِ وَقَهَرَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَفْتَانِي الْمُفْتِي، بِأَنَّ الْحَقَّ مَعِي وَالْخَصْمُ جَاهِلٌ لَا يَدْرِي مَا فِي الْفَتْوَى، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مُتَيَقِّظًا يَعْلَمُ حِيَلَ النَّاسِ وَدَسَائِسَهُمْ،
فَإِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ يُقَرِّرُهُ مِنْ لِسَانِهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ إنْ كَانَ كَذَا فَالْحَقُّ مَعَك،
وَإِنْ كَانَ كَذَا فَالْحَقُّ مَعَ خَصْمِك؛ لِأَنَّهُ يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ مَا يَنْفَعُهُ، وَلَا يَعْجِزُ عَلَى إثْبَاتِهِ بِشَاهِدَيْ زُورٍ، بَلْ الْأَحْسَنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ مَعَ أَحَدِهِمَا كَتَبَ الْفَتْوَى لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ الْوُكَلَاءِ فِي الْخُصُومَاتِ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَرْضَى إلَّا بِإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ لِمُوَكِّلِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ وَلَهُمْ مَهَارَةٌ فِي الْحِيَلِ وَالتَّزْوِيرِ، وَقَلْبِ الْكَلَامِ وَتَصْوِيرِ الْبَاطِلِ بِصُورَةِ الْحَقِّ فَإِذَا أَخَذَ الْفَتْوَى قَهَرَ خَصْمَهُ وَوَصَلَ إلَى غَرَضِهِ الْفَاسِدِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ضَلَالِهِ وَقَدْ قَالُوا مَنْ جَهِلَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ، وَقَدْ يُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَتَدُلُّ الْقَرَائِنُ لِلْمُفْتِي الْمُتَيَقِّظِ أَنَّ مُرَادَهُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى غَرَضٍ فَاسِدٍ كَمَا شَهِدْنَاهُ كَثِيرًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَفْلَةَ الْمُفْتِي يَلْزَمُ مِنْهَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَعَانُ.
(قَوْلُهُ: لَا حُرِّيَّتَهُ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ كَالرَّاوِي لَا كَالشَّاهِدِ وَالْقَاضِي وَلِذَا تَصِحُّ فَتْوَاهُ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ إفْتَاءُ الْأَخْرَسِ) أَيْ حَيْثُ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِإِشَارَةِ النَّاطِقِ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ وَأَفَادَهُ عُمُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ ط.
(قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ) لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ
وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْإِقْرَارُ فَيُضِيعُ حُقُوقَ النَّاسِ،
بِخِلَافِ الْأَصَمِّ وَهَكَذَا فَصَّلَ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الْمُفْتِي.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ الْمُفْتِيَ يَقْرَأُ صُورَةَ الِاسْتِفْتَاءِ، وَيَكْتُبُ جَوَابَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى السَّمَاعِ.
قُلْت: الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا فِي الْقَاضِي مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ جَوَابَ الْخَصْمَيْنِ، فَكَذَا فِي الْمُفْتِي وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ. فَيُحْتَاطُ فِيهِ
بِخِلَافِ الْإِفْتَاءِ فَإِنَّهُ إفَادَةُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِالْإِشَارَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ السَّمَاعُ اهـ مِنَحٌ مُلَخَّصًا.
قُلْت: لَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كَتَبَ لَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ جَازَ الْعَمَلُ بِفَتْوَاهُ
وَأَمَّا إذَا كَانَ مَنْصُوبًا لِلْفَتْوَى يَأْتِيهِ عَامَّةُ النَّاسِ وَيَسْأَلُونَهُ مِنْ نِسَاءٍ وَأَعْرَابٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ السَّمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كُلَّ سَائِلٍ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ سُؤَالَهُ، وَقَدْ يَحْضُرُ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ وَيَتَكَلَّمُ أَحَدُهُمَا بِمَا يَكُونُ فِيهِ الْحَقُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ وَالْمُفْتِي لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ فَيُفْتِيهِ عَلَى مَا سَمِعَ مِنْ بَعْضِ كَلَامِهِ فَيُضِيعُ حَقَّ خَصْمِهِ، وَهَذَا قَدْ شَاهَدْته كَثِيرًا فَلَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا عَامًّا يَنْتَظِرُ الْقَاضِي جَوَابَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ فَإِنَّ ضَرَرَ مِثْلِ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ نَفْعِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَطْلَبُ يُفْتَى بِقَوْلِ الْإِمَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ]
(قَوْلُهُ: وَيُفْتِي الْقَاضِي إلَخْ) فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ مَنْ لَمْ يُخَاصِمْ إلَيْهِ وَلَا يُفْتِي أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ فِيمَا خُوصِمَ إلَيْهِ اهـ بَحْرٌ وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْقَاضِي هَلْ يُفْتِي فِيهِ أَقَاوِيلُ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ فِي الدِّيَانَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ اهـ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُخَاصِمْ إلَيْهِ فَيُوَافِقُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمِنْ ثَمَّ عَوَّلْنَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ مِنَحٌ، وَقَدْ جَمَعَ الشَّارِحُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بِهَذَا الْحَمْلِ وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ وَأَكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْقَضَاءِ لِلْخُصُومِ كَرَاهَةَ أَنْ يَعْلَمَ خَصْمُهُ قَوْلَهُ فَيَتَحَرَّزَ مِنْهُ بِالْبَاطِلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَتَّضِحُ) لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَسْأَلَةَ التَّسْوِيَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْإِطْلَاقِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَحَدُ أَصْحَابِهِ أَوْ انْفَرَدَ لَكِنْ سَيَأْتِي قُبَيْلَ الْفَصْلِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ لِزِيَادَةِ تَجْرِبَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) مُقَابِلُهُ مَا يَأْتِي عَنْ الْحَاوِي وَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَعَهُ أَحَدُ صَاحِبِيهِ أَخَذَ
بِقَوْلِهِ: وَإِنْ خَالَفَاهُ قِيلَ كَذَلِكَ
وَقِيلَ يُخَيَّرُ إلَّا فِيمَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ كَالْحُكْمِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَفِيمَا أَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَيْهِ كَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فَيَخْتَارُ قَوْلَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ النَّهْرِ إلَخْ) أَيْ لِإِفَادَةِ أَنَّ رُتْبَةَ الْحَسَنِ بَعْدَ زُفَرَ،
بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّ عَطْفَهُ بِالْوَاوِ يُفِيدُ أَنَّهُمَا فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْكُتُبِ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي) أَيْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَهَذَا فِيمَا إذَا خَالَفَ الصَّاحِبَانِ الْإِمَامَ وَالْمُرَادُ بِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ قُوَّةُ الدَّلِيلِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُدْرِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ إدْرَاكِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُؤْخَذُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَضْبَطُ) لِأَنَّ مَا فِي الْحَاوِي خَاصٌّ فِيمَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَصَارَ لَهُ مَلَكَةُ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، وَذَلِكَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، أَوْ الْمُقَيَّدُ
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ لِمَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.