وَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى طُلُوعِ ذُكَاءَ وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِهِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءٍ الزَّوَالِ
الشروح عليها
(وَقْتُ) صَلَاةِ (الْفَجْرِ) قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي طَرَفَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّاهُ آدَم وَأَوَّلُ الْخَمْسِ وُجُوبًا، وَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُهَا ظُهُورًا وَبَيَانًا، وَلَا يَخْفَى تَوَقُّفُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى الْعِلْمِ بِالْكَيْفِيَّةِ فَلِذَا لَمْ يَقْضِ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَجْرَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، ثُمَّ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ أَحَدٍ؟ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا لَا، بَلْ كَانَ يَعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْكَشْفِ الصَّادِقِ مِنْ شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ. وَصَحَّ تَعَبُّدُهُ فِي حِرَاءٍ بَحْرٌ (مِنْ) أَوَّلِ (طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُنْتَشِرُ الْمُسْتَطِيرُ لَا الْمُسْتَطِيلُ (إلَى) قُبَيْلِ (طُلُوعِ ذُكَاءَ) بِالضَّمِّ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ اسْمُ الشَّمْسِ. (وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِهِ) أَيْ مَيْلِ ذُكَاءَ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ (إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ)
وَعَنْهُ مِثْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ: وَبِهِ نَأْخُذُ.
وَفِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ: وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ.
وَفِي الْبُرْهَانِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. لِبَيَانِ جِبْرِيلَ. وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ.
وَفِي الْفَيْضِ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَبِهِ يُفْتَى (سِوَى فَيْءٍ) يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ قُبَيْلَ (الزَّوَالِ) وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ،
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُغْرَزُ اعْتَبَرَ بِقَامَتِهِ وَهِيَ سِتَّةُ أَقْدَامٍ بِقَدَمِهِ مِنْ طَرَفِ إبْهَامِهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي طَرَفَيْهِ)
أَيْ الطَّرَفَيْنِ الْآتِيَيْنِ: قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: نَعَمْ فِي كَوْنِ الْعِبْرَةِ بِأَوَّلِ طُلُوعِهِ أَوْ اسْتِطَارَتِهِ أَوْ انْتِشَارِهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ.
وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى عَنْ شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ عَلَى الْكَافِي وَذُكِرَ فِيهَا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْوَطُ وَالثَّانِيَ أَوْسَعُ. اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ الْأَخِيرُ لِتَعْرِيفِهِمْ الْفَجْرَ الصَّادِقَ بِهِ كَمَا يَأْتِي. وَرَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلَ، لِمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْبَابِ «ثُمَّ صَلَّى بِي الْفَجْرَ» يَعْنِي فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ «حِينَ بَرَقَ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ» وَبَرَقَ: بِمَعْنَى بَزَغَ، وَهُوَ أَوَّلُ طُلُوعِهِ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ. وَزَادَ: وَلَا يُنَافِيهِ التَّعْرِيفُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ الِانْتِشَارَ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِشَارِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُضِيِّ جَانِبٍ مِنْهُ بِدَلِيلِ لَفْظِ الْحَدِيثِ. قَالَ ح: وَأَظُنُّ أَنَّ الِاسْتِطَارَةَ وَالِانْتِشَارَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي فَهُمَا قَوْلَانِ لَا ثَلَاثَةٌ. اهـ.
وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ أَصْلُ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُرَادِ مِنْ الطُّلُوعِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْخِلَافِ فِي آخِرِهِ فَلَمَّا صَرَّحَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، مِنْ أَنَّهُ إذَا أَسْفَرَ الْفَجْرُ يَخْرُجُ الْوَقْتُ وَتَصِيرُ الصَّلَاةُ بَعْدَهُ إلَى الطُّلُوعِ قَضَاءً. اهـ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْقُهُسْتَانِيِّ: إنَّ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي الطَّرَفَيْنِ مِنْ عَدَمِ التَّتَبُّعِ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّاهُ آدَم) أَيْ حِينَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ وَجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ قَبْلُ فَخَافَ، فَلَمَّا انْشَقَّ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلِذَا قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ عِنَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ الْخَمْسِ وُجُوبًا) قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَوَّلَهَا وُجُوبًا الْعِشَاءُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ لَيْلًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَوَّلُهَا ظُهُورًا) أَيْ أَوَّلُ الْخَمْسِ،
بِنَاءً عَلَى أَنَّ إمَامَةَ جِبْرِيلَ إنَّمَا كَانَتْ فِي الظُّهْرِ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ: وَأَنَّ إمَامَتَهُ لَهُ فِي الصُّبْحِ كَانَتْ فِي غَيْرِ صَبِيحَتِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا الْبُدَاءَةُ بِالظُّهْرِ كَمَا فِي أَبِي السُّعُودِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ. حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّبْحَ إذَا كَانَ أَوَّلُ الْخَمْسِ وُجُوبًا فَكَيْفَ تَرَكَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ لَيْلًا.
وَبَيَانُ الْجَوَابِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْكَيْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ يُفِيدُ الِابْتِلَاءَ بِاعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بَعْدَ الْبَيَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُوبِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، وَنَظِيرُهُ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْمَعْذُورِ بِلَا وُجُوبِ أَدَاءً.
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ نَائِمًا وَلَا وُجُوبَ عَلَى النَّائِمِ، فَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمَعْذُورَ بِنَوْمٍ وَنَحْوِهِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ. اهـ.
[فَرْعٌ] لَا يَجِبُ انْتِبَاهُ النَّائِمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ،
وَيَجِبُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، نَقَلَهُ الْبِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ،
وَقَالَ: وَلَمْ نَرَهُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ فَاغْتَنِمْهُ اهـ.
قُلْت: لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى النَّائِمِ اتِّفَاقًا فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِبَاهُ: رَوَى مُسْلِمٌ فِي قِصَّةِ التَّعْرِيسِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ أَنْ تُؤَخَّرَ صَلَاةٌ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى»" وَأَصْلُ النُّسْخَةِ التَّنْبِيهُ بَدَلَ الِانْتِبَاهِ، وَسَنَذْكُرُ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَخَّرَ صَلَاةً عَنْ وَقْتِهَا وَقَدْ نَامَ فَقَضَاهَا، قِيلَ لَا يَحْنَثُ وَاسْتَظْهَرَهُ الْبَاقَانِيُّ، لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَامَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَانْتَبَهَ بَعْدَهُ لَا يَحْنَثُ،
وَإِنْ كَانَ نَامَ بَعْدَ دُخُولِهِ حَنِثَ اهـ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ بِنَوْمِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا يَكُونُ مُؤَخِّرًا وَعَلَيْهِ فَلَا يَأْثَمُ وَإِذَا لَمْ يَأْثَمْ لَا يَجِبُ انْتِبَاهُهُ إذْ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ مُؤَخِّرًا لَهَا وَآثِمًا،
بِخِلَافِ مَا إذَا نَامَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الْبِيرِيِّ عَلَيْهِ. مَطْلَبٌ فِي تَعَبُّدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ.
(قَوْلُهُ: مُتَعَبِّدًا) بِكَسْرِ الْبَاءِ. فِي الْقَامُوسِ: تَعَبَّدَ تَنَسَّكَ. اهـ. ح. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ أَيْ مُكَلَّفًا أَنَّهُ بِالْفَتْحِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ يَقْتَضِي الْأَمْرَ، وَالْكَلَامُ فِيمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا لَا) نَسَبَهُ فِي التَّقْرِيرِ الْأَكْمَلِيِّ إلَى مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا قَالَ: لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبْلَ الرِّسَالَةِ فِي مَقَامِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أُمَّةِ نَبِيٍّ قَطُّ إلَخْ، وَعَزَاهُ فِي النَّهْرِ أَيْضًا إلَى الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ يَعْنِي لَا عَلَى الْخُصُوصِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَقَدَّمْنَا تَمَامَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ تَعَبُّدُهُ فِي حِرَاءٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ يُصْرَفُ وَيُمْنَعُ مِنْ الصَّرْفِ، وَحُكِيَ فِيهِ الْفَتْحُ وَالْقَصْرُ
وَكَذَلِكَ حُكْمُ قُبَاءَ وَنَظَمَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
حِرَا وَقُبَا ذَكِّرْ وَأَنِّثْهُمَا مَعًا ... وَمُدَّ أَوْ اقْصِرْ وَاصْرِفَنَّ وَامْنَعْ الصَّرْفَا . وَهُوَ جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ.
قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَخْرُجُ إلَى حِرَاءٍ فِي كُلِّ عَامٍ شَهْرًا يَتَنَسَّكُ فِيهِ " قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّعَبُّدَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الِانْعِزَالِ عَنْ النَّاسِ وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ وَالْأَفْكَارِ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: كَانَتْ عِبَادَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حِرَاءٍ التَّفْكِيرَ، اهـ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَوَّلِ طُلُوعِ إلَخْ) زَادَ لَفْظَ أَوَّلِ اخْتِيَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ إلَخْ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَاللَّفْظُ لَهُ «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ وَلَكِنْ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ» " فَالْمُعْتَبَرُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ وَهُوَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ: أَيْ الَّذِي يَنْتَشِرُ ضَوْءُهُ فِي أَطْرَافِ السَّمَاءِ لَا الْكَاذِبُ وَهُوَ الْمُسْتَطِيلُ الَّذِي يَبْدُو طَوِيلًا فِي السَّمَاءِ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ أَيْ الذِّئْبِ ثُمَّ يَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ.
[فَائِدَةٌ] ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الْكَامِلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى رِسَالَةِ الأسطرلاب لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةِ الْمُحَقِّقِ عَلِيٍّ أَفَنْدِي الدَّاغِسْتَانِيِّ أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ
وَكَذَا بَيْنَ الشَّفَقَيْنِ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ إنَّمَا هُوَ بِثَلَاثِ دُرَجٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَى قُبَيْلِ) كَذَا أَقْحَمَهُ فِي النَّهْرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى دُخُولِ الْغَايَةِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ عَدَمُهُ لِكَوْنِهَا غَايَةَ مَدٍّ كَمَا سَبَقَ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ. اهـ. إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: بِالضَّمِّ) أَيْ وَبِالْمَدِّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ح.
(قَوْلُهُ مِنْ زَوَالِهِ) الْأَوْلَى مِنْ زَوَالِهَا ط.
(قَوْلُهُ: عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ) أَيْ وَسَطِهَا بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا ط.
(قَوْلُهُ: إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ) هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ نِهَايَةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بَدَائِعُ وَمُحِيطٌ وَيَنَابِيعُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ غِيَاثِيَّةٌ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ وَعَوَّلَ عَلَيْهِ النَّسَفِيُّ وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ تَصْحِيحَ قَاسِمٍ وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ، وَارْتَضَاهُ الشَّارِحُونَ، فَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَبِقَوْلِهِمَا نَأْخُذُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَمَا فِي الْفَيْضِ مِنْ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ مُسَلَّمٌ فِي الْعِشَاءِ فَقَطْ عَلَى مَا فِيهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ ح.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ بِالْمِثْلِ يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ إلَّا بِالْمِثْلَيْنِ ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهَا فَمَا بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْمِثْلَيْنِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ.
(قَوْلُهُ: مِثْلَهُ) مَنْصُوبٌ بِبُلُوغِ الْمُقَدَّرِ وَالتَّقْدِيرُ وَعَنْ الْإِمَامِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَهُ ح.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ) فِيهِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ تَكَافَأَتْ وَلَمْ يَظْهَرْ ضَعْفُ دَلِيلِ الْإِمَامِ، بَلْ أَدِلَّتُهُ قَوِيَّةٌ أَيْضًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْمُطَوَّلَاتِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَقَدْ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا يُعْدَلُ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا أَوْ قَوْلِ أَحَدِهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ مِنْ ضَعْفِ دَلِيلٍ أَوْ تَعَامُلٍ، بِخِلَافِهِ كَالْمُزَارَعَةِ وَإِنْ صَرَّحَ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ) أَيْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ، وَالْأَحْسَنُ مَا فِي السِّرَاجِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى الْمِثْلِ،
وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِثْلَيْنِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَانْظُرْ هَلْ إذَا لَزِمَ مِنْ تَأْخِيرِهِ الْعَصْرَ إلَى الْمِثْلَيْنِ فَوْتُ الْجَمَاعَةِ يَكُونُ الْأَوْلَى التَّأْخِيرَ أَمْ لَا، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ بَلْ يَلْزَمُ لِمَنْ اعْتَقَدَ رُجْحَانَ قَوْلِ الْإِمَامِ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ نَاقِلًا عَنْ بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامُ مَحَلَّتِهِ يُصَلِّي الْعِشَاءَ قَبْلَ غِيَابِ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَحْدَهُ بَعْدَ الْبَيَاضِ.
(قَوْلُهُ: سِوَى فَيْءٍ) بِوَزْنِ شَيْءٍ: وَهُوَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ، سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ أَيْ رَجَعَ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ، وَمَا قَبْلَ الزَّوَالِ إنَّمَا يُسَمَّى ظِلًّا، وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ مَا بَعْدَهُ أَيْضًا وَلَا يُسَمَّى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيْئًا أَصْلًا سِرَاجٌ وَنَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ قُبَيْلَ الزَّوَالِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ إضَافَةَ الْفَيْءِ إلَى الزَّوَالِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِحُصُولِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَلَا تُعَدُّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ تَسَامُحًا دُرَرٌ، أَيْ خِلَافًا لِشَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّهَا تَسَامُحٌ، وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّ التَّسَامُحَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لَا لِعَلَاقَةٍ، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ مَجَازٌ فِي الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ إنَّمَا يُسْنَدُ حَقِيقَةً لِلْأَشْيَاءِ كَالشَّاخِصِ وَنَحْوِهِ لَا لِلزَّوَالِ.
قُلْت: لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ الظِّلَّ لَا يُسَمَّى فَيْئًا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا عَلِمْت، وَبِهِ اعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِفَيْءِ الزَّوَالِ أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ عَنْ الظِّلِّ، وَإِسْنَادُهُ إلَى الزَّوَالِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ كَمَا عَلِمْت لَا لُغَوِيٌّ أَيْضًا. وَلَا تَسَامُحَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ كَلِمَةٍ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَ فِي الْكَلَامِ مَجَازَيْنِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) أَيْ طُولًا وَقِصَرًا وَانْعِدَامًا بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا أَوْضَحَهُ ح.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُغْرَزُ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ وَجَدَ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَنْتَظِرُ الظِّلَّ مَا دَامَ مُتَرَاجِعًا إلَى الْخَشَبَةِ فَإِذَا أَخَذَ فِي الزِّيَادَةِ حِفْظَ الظِّلِّ الَّذِي قَبْلَهَا فَهُوَ ظِلُّ الزَّوَالِ ح: وَعَنْ مُحَمَّدٍ: يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَمَا دَامَتْ الشَّمْسُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ فَالشَّمْسُ لَمْ تَزُلْ وَإِنْ صَارَتْ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ فَقَدْ زَالَتْ، وَعَزَاهُ فِي الْمِفْتَاحِ إلَى الْإِيضَاحِ قَائِلًا إنَّهُ أَيْسَرُ مِمَّا سَبَقَ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ غَرْزِ الْخَشَبَةِ إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: اعْتَبَرَ بِقَامَتِهِ) أَيْ بِأَنْ يَقِفَ مُعْتَدِلًا فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ حَاسِرًا عَنْ رَأْسِهِ خَالِعًا نَعْلَيْهِ مُسْتَقْبِلًا لِلشَّمْسِ أَوْ لِظِلِّهِ وَيَحْفَظُ ظِلَّ الزَّوَالِ كَمَا مَرَّ، ثُمَّ يَقِفُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَيَأْمُرُ مَنْ يُعَلِّمُ لَهُ عَلَى مُنْتَهَى ظِلِّهِ عَلَامَةً،
فَإِذَا بَلَغَ الظِّلُّ طُولَ الْقَامَةِ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ،
وَإِنْ لَمْ يُعَلِّمْ عَلَامَةً يَكِيلُ بَدَلَهَا سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفًا بِقَدَمِهِ وَقِيلَ سَبْعَةً.
(قَوْلُهُ: مِنْ طَرَفِ إبْهَامِهِ) حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ بِقَدَمِهِ، أَشَارَ بِهِ إلَى الْجَمِيعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّ قَامَةَ كُلِّ إنْسَانٍ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ بِقَدَمِهِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ: سَبْعَةُ أَقْدَامٍ: قَالَ الزَّاهِدِيُّ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُعْتَبَرَ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ مِنْ طَرَفِ سَمْتِ السَّاقِ وَسِتَّةٌ وَنِصْفٌ مِنْ طَرَفِ الْإِبْهَامِ، وَإلَيْهِ أَشَارَ الْبَقَّالِيُّ. اهـ.
حِلْيَةٌ:
أَقُولُ: بَيَانُهُ إذَا وَقَفَ الْوَاقِفُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ نَقَلَ الْيُمْنَى وَوَضَعَ عَقِبَهَا عِنْدَ طَرَفِ إبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ نَقَلَ الْيُسْرَى كَذَلِكَ وَهَكَذَا سِتَّ مَرَّاتٍ،
فَإِنْ بَدَأَ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ طَرَفِ سَمْتِ السَّاقِ، يَعْنِي مِنْ طَرَفِ عَقِبِ الْيُسْرَى الَّتِي كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهَا أَوَّلًا كَانَ سَبْعَةَ أَقْدَامٍ،
وَإِنْ بَدَأَ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ طَرَفِ إبْهَامِهَا كَانَ سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفَ قَدَمٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَخْذُ طُولِ ارْتِفَاعِ الْقَامَةِ، وَمَبْدَأُ ارْتِفَاعِهَا مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ نِصْفِ الْقَدَمِ وَمِنْ جِهَةِ الْقَفَا عِنْدَ طَرَفِ الْعَقِبِ،
فَمَنْ لَاحَظَ الْأَوَّلَ اعْتَبَرَ نِصْفَ الْقَدَمِ الَّتِي كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهَا وَقَدْرَ الْقَامَةِ بِسِتَّةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ وَمَنْ لَاحَظَ الثَّانِيَ اعْتَبَرَ الْقَدَمَ الْمَذْكُورَةَ بِتَمَامِهَا وَقَدَّرَ بِسَبْعَةٍ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ وَاحِدٌ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا رَأَيْته فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمِيقَاتِ.
وَحَاصِلُهُ إنْ حَسَبَ كُلَّ الْقَدَمِ الَّتِي كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهَا كَانَ سَبْعَةَ أَقْدَامٍ،
وَإِنْ حَسَبَ نِصْفَهَا كَانَ سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفًا فَافْهَمْ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.