أَوْ الْإِنْكَارِ
الشروح عليها
(أَوْ) الصُّلْحُ عَلَى (الْإِنْكَارِ) أَيْ يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْحَالِ
وَأَمَّا فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ فَإِنْ كَانَ الصَّادِقُ الْمُنْكِرُ فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ حَرَامٌ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَإِلَّا فَحَلَالٌ
وَيُشْتَرَطُ لِلصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ أَوْ الْإِنْكَارِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِدَاءُ مِنْ يَمِينٍ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَشَارَ لِاثْنَيْنِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَحَلَالٌ) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ الصَّادِقُ فِي الْوَاقِعِ الْمُنْكِرَ بَلْ الْمُدَّعِيَ فَمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُنْكِرِ حَلَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ لِلصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ أَوْ الْإِنْكَارِ إلَخْ) هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا لِابْنِ مُحْرِزٍ مِنْ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى السُّكُوتِ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِدَاءُ مِنْ يَمِينٍ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالشَّرْطُ رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ وُقُوعُهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَقِبَهَا وَإِعَادَةُ الْجَارِ فِي قَوْلِهِ وَعَلَى الِافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَفْرَدَ الِافْتِدَاءَ مِنْ الْيَمِينِ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْإِنْكَارِ كَمَا قَالَ نَظَرًا إلَى أَنَّ الصُّلْحَ تَارَةً يُلَاحَظُ فِي نَظِيرِ أَصْلِ الدَّعْوَى وَتَارَةً يُلَاحَظُ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِمَا.
(قَوْلُهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ) وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الصُّلْحُ جَائِزًا عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي وَعَلَى دَعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ إنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ
وَأَمَّا فِي الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ فَالْمُشْتَرَطُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ جَوَازُهُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي كَمَا تَقَدَّمَ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(أَوْ الْإِنْكَارِ إنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ وَظَاهِرُ الْحُكْمِ) عِيَاضٌ: مَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: مَا يَجُوزُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي وَمَعَ إنْكَارِ الْمُنْكِرِ وَعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ إنْ انْعَقَدَ الصُّلْحُ عَلَى حَرَامٍ فِي حَقِّ أَحَدِ الْمُتَصَالِحَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ مِثْلُ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَيُنْكِرَهُ فِيهَا فَيُصَالِحُهُ عَنْهَا بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي عَشَرَةِ دَنَانِيرَ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَائِزٌ أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ يَمِينِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ بِدَعْوَاهُ عَلَى دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ، فَهَذَا أَمْضَاهُ أَصْبَغُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُتَصَالِحَيْنِ عَلَى وَجْهٍ ظَاهِرُهُ الْفَسَادُ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا عَلَى صَاحِبِهِ دَنَانِيرَ وَكِلَاهُمَا مُنْكِرٌ لِصَاحِبِهِ فَيَصْطَلِحَانِ أَنْ يُؤَخِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُهُ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُكَ، رَاعَى هَذَا مَالِكٌ فَمَنَعَ، وَلَمْ يُرَاعِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَأَجَازَ. وَانْظُرْ فِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ إذَا أَشْهَدَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالرُّجُوعِ عَنْ صُلْحٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الرُّجُوعُ؛
لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ. وَلَهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ لَا يُنْقَضُ. ابْنُ عَاتٍ: الصُّلْحُ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِبَيْعٍ بَلْ هُوَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُقَاسُ أَصْلٌ عَلَى أَصْلٍ وَإِنَّمَا تُقَاسُ الْأُصُولُ عَلَى الْفُرُوعِ.
[الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ]
(أَوْ) الصُّلْحُ عَلَى (الْإِنْكَارِ) مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَجُوزُ فِي الظَّاهِرِ.
وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَإِنْ كَانَ الصَّادِقُ الْمُنْكِرَ فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ حَرَامٌ وَإِلَّا فَحَلَالٌ،
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ بَاقِي مَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُسَامِحْهُ الْمُدَّعِي. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السُّكُوتَ غَيْرُ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ،
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ
وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ أَوْ الْإِنْكَارِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِدَاءُ مِنْ يَمِينٍ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ، أَشَارَ لِاثْنَيْنِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ
أو الإنكار يعني أنه يجوز الصلح على الإنكار وهذا باعتبار عقده في الظاهر،
وأما في باطن الأمر فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام كما يذكره وإلا فحلال،
ويشترط في جواز الصلح على الإنكار -ويدخل فيه الافتداء من يمين- ثلاثةُ شروط عند مالك وهو المذهب، أشار لاثنين منها بقوله: إن جاز على دعوى كل أي يشترط أن يكون جائزا على دعوى المدعي،
ويشترط أيضًا شرط ثان وهو أن يجوز على دعوى المدعى عليه، قال عبد الباقي: وإطلاق الدعوى عليه مجاز إذ معناه: قال ليس عندي ما ادعى به علي فهذان شرطان، وَمَحَلُّ كلامه إن أنكر المدعى عليه خصوص ما ادعى به وأجاب بغيره،
فإن لم يجب بشيء فالشرط أن يجوز على دعوى المدعي فقط. انتهى. وهو صريح في أن السكوت على أنه كالإنكار لا يعتبر فيه دعوى من جهة المدعى عليه؛ إذ لم يدع شيئًا وإنما يعتبر فيه دعوى المدعي فقط. والشرط الثالث جوازه على ظاهر الحكم، قال البناني: الظاهر أن المراد بالحكم ما يطرأ بينهما في المخاصمة ومجلس الفصل. انتهى. وليس المراد به حكم القاضي، وهذه الشروط الثلاثة اعتبرها مالك وهو المذهب كما عرفت، واعتبر ابن القاسم الشرطين الأولين فقط وأصبغ أمرا واحدا وهو أن لا تتفق دعواهما على فساد، مِثالُ المستوفي للشروط الثلاثة أن يدعيَ عليه بعشرة حالة فأنكرها أو سكت فيصالحه عنها بثمانية معجلة أو بعرض حال، وَمِثَالُ ما يجوز على دعواهما ويمتنع على ظاهر الحكم فقط أن يدعي بمائة درهم حالة فيصالحه على أن يؤخره بها إلى شهر أو على خمسين يدفعها له عند حلول الشهر، فالصلح صحيح على دعوى كل لأن المدعِيَ أخر صاحبه أو أسقط عنه بعض حقه وأخره، والمدعى عليه افتدى من اليمين بما التزم أداءه عند الأجل،
ولا يجوز على ظاهر الحكم لأنه سلف جر منفعة، فالسلف التأخير والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي بتقدير نكول المدعى عليه أو حلفه فيسقط جميع المال المدعى به، فهذا ممنوع عند الإمام وجائز عند ابن القاسم وأصبغ. وَمِثَالُ ما يمتنع على دعواهما أن يدعيَ عليه بدراهم وطعام من بيع فيعترف بالطعام وينكر الدراهم، فيصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه أو يعترف بالدراهم، ويصالحه على دنانير مؤجلة أو على دراهم أكثر من دراهمه، فحكى ابن رشد الاتفاق على فساده ويفسخ لما فيه من السلف بزيادة والصرف المؤخر، وَمِثَالُ ما يمتنع على دعوى المدعي وحده أن يدعيَ بعشرة دنانير فينكرها ثم يصالحه على مائة درهم إلى أجل، فهذا ممتنع على دعوى المدعي وحده إذ لا يجوز له أن يأخذ دراهم مؤجلة عن دنانير،
ويجوز ذلك على إنكار المدعى عليه لأنه إنما صالح على الافتداء من يمين وجبت عليه فهذا ممتنع عند مالك وابن القاسم وأجازه أصبغ إذ لم تتفق دعواهما على فساد. وَمِثالُ ما يمتنع على دعوى المدعى عليه وحده أن يدعي بعشرة أرادب قمحا من قرض،
وقال الآخر: إنما لك عليَّ خمسة من سلم وأراد أن يصالحه على دراهم ونحوها معجلة فهذا جائز على دعوى المدعي؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ويمتنع على دعوى المدعى عليه لأن طعام السلم لا يجوز بيعه قبل قبضه فهذا يمتنع عند مالك وابن القاسم. قاله عبد الباقي. أي
ويجوز عند أصبغ، ولمصطفى هنا كلام رده البناني، فظهر أن الصواب ما مثل به هنا عبد الباقي وغيره. واللَّه تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.