ولو حيوانا ورقيقا:
الشروح عليها
(وَلَوْ) كَانَ الْمَمْلُوكُ (حَيَوَانًا وَرَقِيقًا) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ أَيْ فَيَصِحُّ وَقْفُهُ
وَيَلْزَمُ وَكَذَا الثِّيَابُ عَلَى الْمَذْهَبِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ حَيَوَانًا) رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ مِنْ مَنْعِ وَقْفِ الْحَيَوَانِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْمُعَقَّبِ، أَوْ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ،
وَأَمَّا تَحْبِيسُ ذَلِكَ لِيُوضَعَ بِعَيْنِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِتُصْرَفَ غَلَّتُهُ فِي إصْلَاحِ الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَنَافِعِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ لِتُفَرَّقَ غَلَّتُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الثِّيَابُ) أَيْ وَالْكُتُبُ يَصِحُّ وَقْفُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ فَهِيَ مِمَّا فِيهِ الْخِلَافُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ عِنْدَنَا جَارٍ فِي كُلِّ مَنْقُولٍ،
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ صِحَّةَ وَقْفِهِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ وَقْفَهُ كَالْمَرْجُوحِ عِنْدَنَا.
[فَرْعٌ تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضَ] ص (وَلَوْ حَيَوَانًا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الثِّيَابُ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الثِّيَابِ طَرِيقَانِ اللَّخْمِيُّ فِي جَوَازِهَا وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِنَقْلِ ابْنِ الْعَطَّارِ مَعَ الْقَاضِي الْبَاجِيِّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا وَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ فَعَلَى جَوَازِهِ يَلْزَمُ لِمُوَافَقَتِهِ الشَّرْعَ وَكَوْنِهِ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَعَلَى كَرَاهَتِهِ فَفِي جَوَازِهِ وَلُزُومِهِ رِوَايَتَانِ (قُلْت) يُرِيدُ بِالْجَوَازِ عَدَمَ اللُّزُومِ لَا أَحَدَ أَحْكَامِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ قَسِيمِ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ وَهُوَ مُحَالٌ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ الْأَصْلُ فِي تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ فِي مِيزَانِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ شَنِيعٌ فِي فَهْمِهِ إنْ ضَبَطَ بَاءَ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ وَفِي رِوَايَتِهِ إنْ ضَبَطَهَا بِالتَّشْدِيدِ وَفِي مِثْلِ هَذَا كَانَ بَعْضُ مَنْ لَاقَيْنَاهُ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اسْتِدْلَالَاتُ بَعْضِ شُيُوخِ مَذْهَبِنَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهَا خَوْفَ اعْتِقَادِ سَامِعِهَا وَلَا سِيَّمَا مَنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، إنَّ حَالَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ جُلِّهِمْ مِثْلُ هَذَا الْمُسْتَدِلِّ.
قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ مُتَكَلِّمِي الْمُتَقَدِّمِينَ رَدًّا عَلَى الْمُنَجِّمِينَ وَدِدْت أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ لِسَخَافَتِهِ وَرَأَيْت لِلْآمِدِيِّ رَدًّا عَلَيْهِمْ لَيْسَ مُنْصِفًا وَقَفَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(قُلْت) كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الرِّوَايَةِ فِي الْبُخَارِيِّ حَبَسَ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ عَلَى وَزْنِ نَصَرَ وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَكَانَ شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» انْتَهَى.
فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ احْتَبَسَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ
وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَوْقَفَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ الْجَامِعِ فِي قَوْلِهِ
وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّهُ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ أَيْ أَوْقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ أَحْبَسَ. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَيُقَال حَبَسَ مُخَفَّفًا وَحَبَّسَ مُشَدَّدًا انْتَهَى.
فَدَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى حَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْوَقْفُ فَصَحَّ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ هَذَا إذَا كَانَا نَقَلَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ حَبَسَ وَإِنْ كَانَا نَقَلَاهُ بِلَفْظِ احْتَبَسَ كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَحَرَّفَهُ النُّسَّاخُ فَمَعْنَى احْتَبَسَ أَوْقَفَ كَمَا تَقَدَّمَ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَصَحَّ مَا قَالَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَصْلٌ فِي تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضَ
وَكَذَا حَدِيثُ خَالِدٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ حَبَسَ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَبَسَ رَقِيقًا أَوْ دَوَابَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اُسْتُعْمِلُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُبَاعُوا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ الثِّيَابَ وَالسُّرُوجَ وَالدَّوَابَّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى لَا تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْغَزْوِ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْخَيْلِ فَتُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَلْيُعِنْ بِذَلِكَ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: وَكَذَلِكَ الْغَرْسُ يَكْلَبُ وَيَخْبُثُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُحَبَّسَةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا ثِيَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ تَصَدَّقَ بِهِ فِي السَّبِيلِ.
(ص) وَلَوْ حَيَوَانًا وَرَقِيقًا (ش) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْمَمْلُوكِ الَّذِي وَقْفُهُ يَصِحُّ
وَيَلْزَمُ أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ حَيَوَانًا نَاطِقًا أَوْ صَامِتًا وَعَطْفُ الرَّقِيقِ عَلَى حَيَوَانًا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَلِذَا عَطَفَهُ بِالْوَاوِ لَا بِأَوْ وَلَا بَأْسَ بِوَقْفِ الثِّيَابِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ حَيَوَانًا وَرَقِيقًا) رُدَّ بِهِ عَلَى مَنْ مَنَعَ وَقْفَهُمَا
(قَوْلُهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ) وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ بِالْمَنْعِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَوْ) كَانَ (حَيَوَانًا وَرَقِيقًا) فِيهَا مَنْ حَبَّسَ رَقِيقًا أَوْ دَوَابَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى اُسْتُعْمِلُوا فِي ذَلِكَ وَلَا يُبَاعُوا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُجَبِّسَ الرَّجُلُ الثِّيَابَ وَالسُّرُوجَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا قُوَّةُ عَمَلِ الْغَزْوِ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ مِثْلُهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ فِيهِ مِنْ الْخَيْلِ فَتُجْعَلَ فِي السَّبِيلِ. ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَلْيُعِنْ بِذَلِكَ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -
وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ يَكْلُبُ وَيَخْبُثُ. ابْنُ الْقَاسِمِ مَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُحَبَّسَةِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا ثِيَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا،
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي السَّبِيلِ.
وَشَبَّهَ فِي الصِّحَّةِ (كَ) وَقْفِ
ولو حيوانا أو رقيقا، مبالغة في المملوك، يعني أن المملوك يصح وقفه ولو كان حيوانا صامتا أو ناطقا،
وفي الحديث أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: (من حبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده كان شبعه وريه في ميزانه يوم القيامة (١) ). كما في البخاري، واستدل به اللخمي والمتيطي على تحبيس ما سوى الأرض. ابن عرفة: وهو وهمٌ شنيع في فهمه إن ضبطا حبس بالتخفيف وفي روايته إن ضبطاها بالتشديد. اهـ. واعترضه الحطاب بأنه يقتضي أن رواية البخاري حبس بالتخفيف وأن حبس بالتخفيف، ليس معناه وقف، وليس كذلك فيهما، بل روايته احتبس على وزن افتعل،
وكذا نقله عنه المنذري، وفي المشارق احتبس درعه أوقفها في سبيل الله، واللغة الفصيحة حَبَّس، ويقال مخففا ومشددا اهـ فدل على أن الألفاظ الثلاثة بمعنى الوقف، وصح ما قاله اللخمي والمتيطي. انظر الحطاب. ومقابل لو في المصنف قول بالمنع حكاه ابن القصار، وحكى الكراهة غير واحد، قال ابن رشد: ومحل الخلاف في المعقب أو على قوم بأعيانهم،
وأما تحبيس ذلك لينتفع بعينه في سبيل الله أو لتصرف غلته في إصلاح الطريق أو منافع المساجد أو ليفرق على المساكين وشبه ذلك فجائز اتفاقا إلا في الرقيق فيكره لرجاء العتق،
وإن وقع وفات مضى وما لم يفت استحب لربه صرفه لما هو أفضل. اهـ. ابن عرفة: يريد بفوته بالحوز لا بالموت. اهـ. قاله بناني.
وفي جواز وقف الثياب ومنعه قولان، والجواز لابن القاسم وأشهب. انظر الحطاب.
وقال المواق: من المدونة: من حبس رقيقا أو داوبّ في سبيل الله استُعْمِلوا في ذلك ولم يباعوا، ولا بأس أن يحبس الرجل الثياب والسروج. قال مالك: وما ضعف من الدواب المحبسة في سبيل الله حتى لا يكون فيها قوة على الغزو بيعت واشتري بثمنها ما ينتفع به من الخيل لخ، وكلام ابن رشد يفيد أنه على القول بالجواز والكراهة يمضي
ويلزم، وكلام الباجي يفيد اللزوم على القول بالجواز، وعلى القول بالكراهة فروايتان، اللزوم والجواز، والمراد بالجواز عدم اللزوم، وما ذكره من الروايتين باللزوم والجواز يمنع من حمل الكراهة على المنع. والله تعالى أعلم. واعلم أن من العلماء من قال: إن الخيل يجوز وقفها قولا واحدا، ومنهم من حكى فيها الخلاف. انظر الرهوني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.