وَجَلَسَ بِهِ بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ ومطر ونحوه
الشروح عليها
(وَجَلَسَ) نَدْبًا (بِهِ) أَيْ بِالْمَسْجِدِ أَيْ بِرِحَابِهِ لِيَصِلَ إلَيْهِ الْكَافِرُ وَالْحَائِضُ وَجُلُوسُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ يَكُونُ (بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ وَ) غَيْرِ وَقْتِ نُزُولِ (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ تَرْوِيَةٍ وَعَرَفَةَ وَلَيْلٍ. أَيْ فَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إلَّا لِضَرُورَةٍ اقْتَضَتْ جُلُوسَهُ فِيهَا كَمَا فِي مِصْرَ يَوْمَ خُرُوجِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ فَإِنَّ الْجَمَّالِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ هَرَبُوا، أَوْ أَنْكَرُوا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَجَلَسَ بِهِ) أَيْ لِسَمَاعِ الدَّعَاوَى وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِرِحَابِهِ) أَيْ لَا فِيهِ فَيُكْرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ طَرِيقَتَيْنِ الْأُولَى لِمَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ: اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ فِي الرِّحَابِ وَكَرَاهَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِيَةُ: اسْتِحْبَابُ جُلُوسِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَالْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} . وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْوَاضِحَةِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْمُرُورُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ صَرَفَهُ الشَّارِحُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ مَارًّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَرَّرَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: لِيَصِلَ إلَيْهِ الْكَافِرُ إلَخْ) أَيْ وَلِخَبَرِ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» .
(قَوْلُهُ: وَغَيْرِ وَقْتِ نُزُولِ مَطَرٍ) أَيْ كَثِيرٍ قَوْلُهُ: أَيْ فَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ) أَيْ لِلْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ يَعْنِي يَوْمَ الْعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَجُلُوسٍ بِهِ) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ فِي زَمَانِنَا الْيَوْمَ الْكَرَاهَةُ وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: الرِّحَابُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَنْ الْخُصُومَاتِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: الْمُسْتَحَبُّ الرِّحَابُ الْخَارِجَةُ عَنْ الْمَسْجِدِ
ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ، ثُمَّ قَالَ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: يُسْتَحَبُّ جُلُوسُهُ فِي الرِّحَابِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ فَوَافَقَ الْبَاجِيَّ وَاللَّخْمِيَّ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَكَلَامُ الْبَاجِيِّ وَابْنَ رُشْدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَالُوهُ وَيَعْضُدُهُ قَوْلُهُ كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُهُ مِنْ الْقُضَاةِ لَا يَجْلِسُونَ إلَّا فِي الرِّحَابِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ عِنْدَهُ مُقَدَّمٌ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي جُلُوسِهِ] (فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي جُلُوسِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِنَحْوِ الْوَرَقَتَيْنِ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَضَاحَكَ مَعَ النَّاسِ، انْتَهَى. ص (بِغَيْرِ عِيدٍ إلَى آخِرِهِ) ش عَدَمُ جُلُوسِهِ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى،
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: لَا يَنْبَغِي وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ شُهُودِ الْمِهْرَجَانِ وَحُدُوثِ مَا يَعُمُّ مِنْ سُرُورٍ أَوْ ضَرَرٍ
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَ النَّظَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَجُلُوسٌ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْقَضَاءُ بِالْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ يَرْضَى فِيهِ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَتَصِلُ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالضَّعِيفُ.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: يَجْلِسُ بِرِحَابِ الْمَسْجِدِ وَهَذَا أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» (بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ) اللَّخْمِيِّ: يَلْتَزِمُ وَقْتًا مِنْ النَّهَارِ لِيَعْلَمَهُ أَهْلُ الْخُصُومَاتِ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ أَضَرَّ بِالنَّاسِ وَلَا يَجْلِسُ أَيَّامَ الْأَعْيَادِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَا قَبْلَهَا كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حَجٍّ وَلَا يَوْمَ خُرُوجِ الْحَاجِّ بِمِصْرَ لِكَثْرَةِ مَنْ يَشْتَغِلُ يَوْمَئِذٍ بِمَنْ يُسَافِرُ.
وَكَذَا فِي الطِّينِ وَالْوَحْلِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً مِمَّنْ يَنْزِلُ بِهِ أَمْرٌ.
(ص) وَجَلَسَ بِهِ بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَالْأَمْرِ الْقَدِيمِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْجُلُوسَ لِلْقَضَاءِ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ لِيَصِلَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالْحَائِضُ وَالضَّعِيفُ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ الْعَدْلِ كَوْنُ مَنْزِلِ الْقَاضِي فِي وَسَطِ مِصْرِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ الْقَاضِي أَيَّامَ النَّحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ سَفَرِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَفِي كَثْرَةِ الْوَحْلِ وَالْمَطَرِ؛
لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالنَّاسِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فَقَوْلُهُ وَمَطَرٍ أَيْ وَكَثْرَةِ مَطَرٍ فَقَوْلُهُ بِغَيْرِ عِيدٍ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِجَلَسَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ بِهِ أَيْ أَنَّ جُلُوسَهُ فِي الْعِيدِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مَكْرُوهٌ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَمْصَارِ،
وَأَمَّا مِصْرُ وَنَحْوُهَا فَيَنْبَغِي الْجُلُوسُ أَيَّامَ خُرُوجِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَسَفَرِ الْقَوَافِلِ لِلشَّامِ وَغَيْرِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْأَكْرِيَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ هَرَبُوا
(قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ) هُوَ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ إلَخْ) أَيْ فَالْجُلُوسُ بِالْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَنِّبُوا إلَخْ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْوُجُوبُ فَإِنْ قُلْت كَوْنُهُ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ يَقْضِي بِأَنَّ مَالِكًا خَرَجَ عَنْ رَأْيِ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الصَّحْبِ وَالتَّابِعِينَ وَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَسْرَعُ امْتِثَالًا لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنَّ الصَّحْبَ وَالتَّابِعِينَ يُخَالِفُونَ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قُلْت يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ فِي سَابِقِ الزَّمَنِ لَمْ تَحْصُلْ خُصُومَاتٌ تُحْوِجُ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى الرِّحَابِ فَلَمَّا جَاءَ زَمَنُ مَالِكٍ حَصَلَ فِي الْخُصُومَاتِ مَا يُحْوِجُ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ وَالْجُلُوسِ فِي الرِّحَابِ فَاسْتُحِبَّ الْجُلُوسُ فِي الرِّحَابِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَنِّبُوا نَاظِرًا فِيهِ لِمُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ.
(أَقُولُ) وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْكَثِيرَةِ الشَّرِّ يَجِبُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ قَوْلَيْنِ فَلِمَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ الْمَطْلُوبُ الْجُلُوسُ فِي الرِّحَابِ وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} وَبِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَكَمَ فِيهِ وَلَكِنْ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْجُلُوسُ بِرِحَابِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ الْقَاضِي أَيَّامَ النَّحْرِ إلَخْ) أَيْ لَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ عَدَمُ الْجُلُوسِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا .
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَجَلَسَ) الْقَاضِي (بِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ يُرْضَى فَلَهُ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَتَصِلُ إلَيْهِ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالضَّعِيفُ،
وَإِنْ احْتَجَبَ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ النَّاسُ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ يَجْلِسُ بِرِحَابِ الْمَسْجِدِ خَارِجَةً عَنْهُ. اللَّخْمِيُّ هَذَا أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ بِغَيْرِ عِيدٍ، وَقُدُومِ حَاجٍّ، وَخُرُوجِهِ، وَمَطَرٍ وَنَحْوَهُ وَاِتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ [منح الجليل] أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» . ابْنُ عَرَفَةَ فِي اسْتِحْبَابِ جُلُوسِهِ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِرِحَابِهِ خَارِجَةً عَنْهُ. ثَالِثُهَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي مَنْزِلِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ لَهَا وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ قَائِلًا كَانَ مَنْ مَضَى يَجْلِسُ
إمَّا عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ. مَرْوَانُ وَمَا كَانَتْ تُسَمَّى إلَّا رَحْبَةَ الْقَضَاءِ وَلِأَشْهَبَ. اللَّخْمِيُّ وَالثَّانِي أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِاللِّعَانِ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ يُرَادُ بِهَا التَّرْهِيبُ.
ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ الْعَدْلِ كَوْنُ مَنْزِلِ الْقَاضِي بِوَسَطِ مِصْرِهِ لِأَنَّهُ بِطَرَفِ الْمِصْرِ يَضُرُّ بِغَالِبِ النَّاسِ، وَهَذَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ، وَذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ خَفِيفٌ وَنُدِبَ اسْتِقْبَالُهُ الْقِبْلَةَ.
وَفِي النَّوَادِرِ يُجْعَلُ لِلذِّمِّيِّينَ يَوْمًا أَوْ وَقْتًا يَجْلِسُ لَهُمْ فِيهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجْلِسُ (بِغَيْرِ) يَوْمِ (عِيدِ) فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى
وَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ فِي يَوْمِ عِيدٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ وَمُصَافَاةٍ لَا يَوْمُ مُخَاصَمَةٍ (وَ) بِغَيْرِ يَوْمِ (قُدُومِ) رَكْبِ (حَاجٍّ) لِاشْتِغَالِ النَّاسِ فِيهِ بِتَهْنِئَةِ الْقَادِمِينَ (وَخُرُوجِهِ) أَيْ رَكْبِ الْحَاجِّ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ فِيهِ بِتَشْيِيعِ الْمُسَافِرِينَ. تت يَنْبَغِي لَهُ الْجُلُوسُ أَيَّامَ خُرُوجِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَسَفَرِ الْقَوَافِلِ لِلشَّامِ وَغَيْرِهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَكْرِيَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ هَرَبُوا (وَ) بِغَيْرِ يَوْمِ (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ كَسْرِ النِّيلِ بِمِصْرَ وَيَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقُدُومِ السُّلْطَانِ مِنْ غَزْوٍ.
اللَّخْمِيُّ يَلْتَزِمُ وَقْتًا مِنْ النَّهَارِ لِيَعْلَمَهُ أَهْلُ الْخُصُومَاتِ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ وَقْتُ جُلُوسِهِ أَضَرَّ بِالنَّاسِ، وَلَا يَجْلِسُ أَيَّامَ الْأَعْيَادِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَا قَبْلَهَا كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ، يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حَجٍّ وَلَا يَوْمِ خُرُوجِ الْحَاجِّ مِنْ مِصْرٍ لِكَثْرَةِ مَنْ يَشْتَغِلُ يَوْمَئِذٍ بِمَنْ يُسَافِرُ،
وَكَذَا فِي الطِّينِ وَالْوَحْلِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ بِمَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ، وَلَا يَجْلِسُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ وَقْتُ عِبَادَةٍ وَلَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ وَقْتُ عَشَاءٍ.
وجلس به، يعني أن القاضي يستحب له أن يجلس للقضاء في المسجد.
قال التتائي: وفي المدونة: هو من الحق والأمر القديم. قال المص: والأقرب في زماننا الكراهة لكثرة التساهل ورفع الأصوات فيه. اللخمي عن ابن شعبان: من العدل كون منزل القاضي بوسط مصره.
وفي الواضحة: كان من مضى من القضاة يجلسون في رحاب المسجد.
قال في الذخيرة: وفي النوادر: ويجعل للنّصارى يوما أو وقتا يجلس لهم في غير المسجد. انتهى.
وقال عبد الباقي: وجلس ندبا به أي برحابه خشية امتهانه وليَصِلَ إليه الكافر والحائض والضعيف، ولخبر: (جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم) . انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: برحابه، أي الخارجة عن المسجد، وكون جلوسه برحابه هو المستحبُّ عند اللخمي والباجي وصاحب المقدمات.
وقال ابن عبد السلام: الأقرب في زماننا اليوم الكراهة، فالحكم في المسجد مؤد إلى دخول الحائض والجنب فيه إلى ما ينضم إلى ذلك من رفع أصوات الخصوم بكلام الباطل. انتهى.
فرع: قال الحطاب: يستحب للقاضي أن يستقبل القبلة في جلوسه، وينبغي له أن لا يتضاحك مع الناس.
وقال الشبراخيتي: وجلس القاضي به أي بالمسجد للقضاء أي برحابه خشية امتهانه،
وأما في داخله فهو مكروه لأن المساجد تنزه عن الخصومات كما يفيده كلام الحطاب خلافا لما في التبصرة، وهذا حيث لم يحصل امتهان المسجد بدخول من لا يجوز دخوله به كالحائض والجنب، وبفعل ما لا يجوز فعله به كالتعزير الشديد به وإقامة الحد به، فإنه يحرم الجلوس به. انتهى. ولابن عاصم رحمه الله تعالى: وحَيْثُ لاقَ لِلقَضاءِ يَقْعُدُ … وفي البلاد يُسْتَحَبُّ المسْجِدُ قال الشيخ ميارة: يعني أن القاضي يجلس للقضاء والفصل بين الخصوم حيث يليق ذلك وَيَصْلَحُ له، كان في بادية أو حاضرة، يعني فإن كان في بلد وحاضرة استحب جلوسه في المسجد، وهذا هو الذي روى ابن القاسم عن ملك رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قضاء القاضي في المسجد من الأمر القديم إذا جلس فيه رضي بالدون من المجلس ووصل إليه الضعيف والضعيفة،
وفي المدونة: قال ملك: القضاء في المسجد من الحق وهو من الأمر القديم لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس وتصل إليه المرأة والضعيف، وروى ابن حبيب يجلس برحاب المسجد: وهذا أحسن لقوله صلى الله عليه وسلم: (جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم) . والمستحسن لأهل العلم في كيفية جلوسه أن يكون جلوسه مستقبل القبلة،
وأن يكون متربعا أو محتبيا وعليه السكينة والوقار، وروى ابن المواز: لا بأس أن يقضي القاضي وهو متكئ، والذي ينبغي له أن يُجلِس الخصمين بين يديه كانا قويين أو ضعيفين، أو أحدهما قوي والآخر ضعيف،
ويستحب في القاضي أن تكون فيه عبوسة من غير غضب،
وأن يلزم التواضع والنسك في غير وهن ولا ضعف، ولا ترك شيء من الحق،
وفي المجموعة وكتاب ابن المواز عن ملك: لا بأس أن يقضي القاضي في منزله وحيث أحب.
وفي تنبيه الحكام لابن المناصف: ويكره الجلوس للحاكم في داره، وقد أنكره عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشري وأمر بإضرام داره عليه نارا، فدعا واستقال ولم يعد إلى ذلك،
فإن دعته ضرورة إلى ذلك فليفتح أبوابها ويجعل سبيلها سبيل المواضع المباحة لذلك من غير منع ولا حجاب، والأحسن أن يكون مجلس قضائه حيث الجماعة وفي المسجد الجامع، إلا أن يعلم ضرر ذلك بالنصارى وأهل المال والنساء الحيض، فيجلس في رحبة المسجد،
فإن دخل عليه ضرر بقعوده في المسجد لكثرة الناس حتى شغله ذلك عن النظر والفهم فليكن له موضع في المسجد يحول بينهم وبينه، وحيثما جلس القاضي المأمون فهو له جائز، وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى القاضي تميم بن عبد الرحمن ألَّا يقضيَ في المسجد، وبذلك أخذ الشافعي. ابن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا في قضاء القاضي بالمسجد بقوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}. يدل على أن الحكومة وقعت عنده في مسجده، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم (قضى في المسجد) .
ولا يتشاغل بالحديث في مجلس قضائه إن أراد بذلك إجمام نفسه،
وإذا وجد الفتور فليقم من مجلسه ويدخل بيته أو يدفع الناس عنه أو يدع في مجلس قضائه، ويجلس للحديث مع من أحب إن أراد إجمام نفسه،
وأَمّا وَهُوَ يقضي فلا ينبغي، وأجازه ابن عبد الحكم مع جلسائه وهو أحسن من القيام، ولا يكثر من القضاء جدا حتى يأخذه النعاس والعجز. انظر التبصرة.
وفي الرهوني عن التبصرة للخمي: واختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال، أحدها: قول ملك في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم،
وقال في كتاب ابن حبيب: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد.
وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب. انتهى. وما قاله المص هو المشهور لأنه مذهب المدونة وعليه الأكثر، وصرح غير واحد بأنه المشهور. والله أعلم. بغير عيد، متعلق بجلس مع قطع النظر عن قيده وهو به كما قاله الشبراخيتي، أي يجلس للقضاء ولو بغير مسجد بغير عيد، يعني أن القاضي لا يجلس للقضاء في هذه الأوقات التي يذكرها، أي يكره فيها منها العيد فطرا أو أضحى كما في الشبراخيتي وغيره. وقدوم حاج، يعني أن القاضي يجلس للقضاء في غير الوقت الذي يقدم فيه الحاج، فيكره له الجلوس للقضاء في وقت قدوم الحاج.
وخروجه، أي الحاج. ومطر، يعني أن القاضي يجلس للقضاء في غير وقت كثرة المطر لا فيه، فيكره كما يكره في وقت خروج الحاج وقدومه. ونحوه، كيوم التروية ويوم عرفة وكثرة الوحل المضر بالطريق. قاله محمد بن عبد الحكم. ويوم المِهرجان بكسر الميم رابع عشر من بونة وهو يوم ولادة يحيى. قاله الخرشي.
وقال مطرف وابن الماجشون: ولا بين المغرب والعشاء ولا بالأسحار إلا في الأمر الذي يحدث ويرفع إليه مما لا بد منه، فلا بأس أن ينهى ويأمر بالسجن ويرسل للأمير والشرَطِ. الخرشي: ولا بعد الصبح ولا بين الظهر والعصر، البساطي: وأيام كسر النيل، وأيام الاستسقاء، وقدوم السلطان من غزاة،
وقد يقال: أما بمصر ونحوها فينبغي له الجلوس يوم خروج الحاج وقدومه لا في ذلك من الفصل بين الأكرياء الذين يأكلون أموال الناس،
وإذا غفل عنهم هربوا. قاله التتائي.
وقال عبد الباقي: ونحوه كيوم تروية وعرفة وكثرة وحل بطريق، وبين مغرب وعشاء وسحرث فيكره بعيد وما عطف عليه ولو بغير رحابه إلا لاحتياج الناس له كالفصل بين الأكرياء الذين يأخذون أموال الناس،
وإذا غفل عنهم هربوا. انتهى. والصواب في جلوس القاضي أن يكون في أوقات معلومات ولا يستغرق الجلوس للحكم أوقاته كلها حتى يكون كالمستأجر. قال ابن أبي زمنين: قالوا: ينبغي للقاضي أن يجعل لجلوسه ساعات يعرفها الناس فيأتونه فيها،
وفي التبصرة: ولا بأس أن ينظر في أمور دنياه التي تصلحه، ولا بد له منها في كل الأيام في غير أوقات قضائه، ولا ينبغي أن يحكم في الطريق إلا في أمر استغيث به فيه، فلا بأس أن يأمر وينهى ويسجن. ابن عبد الحكم: ولا ينبغي له أن يجلس في العيدين وما قرب من ذلك، كيوم عرفة ويوم التروية ويوم سفر الحاج ويوم قدومه،
قال بعض المتأخرين: وكذلك يوم الجمعة، واستثنى من هذه الأيام والأوقات الأمور التي يخاف عليها الفوات، وما لا يسعه إلا تعجيل النظر فيه، وذكر ابن المواز عن أشهب عن ملك قال: ينبغي للقاضي أن يكون جلوسه في ساعة من النهار، لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه نهاره كله. ابن عبد الحكم: لا أحِبُّ أن يطيل الجلوس حتى يمل، ولكن يكون له وقت حسن في صدر النهار،
وإن احتعل أن يجلس بعد العصر جلس.
تنبيه: قال المتيطي: ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال قضاته وأمور حكامه وولاته، ويتطلع أحكامهم، ويتفقد قضاياهم، ويسأل عنهم أهل الصلاح والفضل،
فإن كانوا على ما يجب أقرهم، وقد عزل عُمَرُ سعدا بالشكية.
وقال: والله لا يسألني قوم عزل أميرهم ويشكونه إلا عزلته عنهم مع علمه رضي الله عنه ببراءة سعد. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.