وللحج حضور جزء عرفة ساعة ليلة النحر
الشروح عليها
(وَلِلْحَجِّ) خَاصَّةً (حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ) أَيْ الِاسْتِقْرَارُ بِقَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، سَوَاءٌ كَانَ وَاقِفًا، أَوْ جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ رَاكِبًا عَلِمَ أَنَّهَا عَرَفَةُ أَمْ لَا (سَاعَةً) أَيْ لَحْظَةً (لَيْلَةَ النَّحْرِ) وَتَدْخُلُ بِالْغُرُوبِ
وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ وَيَكْفِي فِيهِ أَيُّ جُزْءٍ مِنْهُ، هَذَا إذَا اسْتَقَرَّ بِعَرَفَةَ، بَلْ
(قَوْلُهُ: بِقَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ أَيْ الِاسْتِقْرَارُ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ بَعْدَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ مَرَّ وَقَوْلُهُ: بَعْدَ هَذَا إذَا اسْتَقَرَّ بِعَرَفَةَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ فِيهِ " بِقَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ ".
(قَوْلُهُ: فِي أَيِّ جُزْءٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْوُقُوفُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلَ وَذَلِكَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْعِظَامِ الْمَفْرُوشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي وَسَطَ -. أَرْضِ عَرَفَةَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ رَاكِبًا) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْوُقُوفُ رَاكِبًا أَفْضَلَ.
(قَوْلُهُ: وَتَدْخُلُ) أَيْ لَيْلَةُ النَّحْرِ بِالْغُرُوبِ فَمَتَى اسْتَقَرَّ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِعَرَفَةَ لَحْظَةً أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ دَفَعَ مِنْهُ بِدَفْعِ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَهُ،
وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَدْفَعَ بِدَفْعِهِ وَلَوْ نَفَرَ شَخْصٌ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ عَلَيْهِ أَجْزَأَ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِعَدَمِ الطُّمَأْنِينَةِ فِيهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ إذْ هِيَ وَاجِبَةٌ فَالِاسْتِقْرَارُ فِي عَرَفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ رُكْنٌ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَاجِبَةٌ كَالْوُقُوفِ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ الزَّوَالِ اهـ تَقْرِيرُ شَيْخِنَا الْعَدَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ) أَيْ تَرْكُهُ عَمْدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ
لَا إنْ كَانَ التَّرْكُ لِعُذْرٍ كَمَا لَوْ كَانَ مُرَاهَقًا فَلَا دَمَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْوُقُوفَ نَهَارًا وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ
بِخِلَافِ الْوُقُوفِ سَاعَةً بَعْدَ الْغُرُوبِ فَرُكْنٌ لَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَمَنَ الْوُقُوفِ مُوَسَّعٌ وَآخِرَهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْدَئِهِ فَالْجُمْهُورُ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَمَالِكٌ يَقُولُ مِنْ الْغُرُوبِ وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اُنْظُرْ ح.
(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ) أَيْ وَقْتُ الْوُقُوفِ الْوَاجِبِ.
(قَوْلُهُ: وَيَكْفِي فِيهِ) أَيْ فِي تَحْصِيلِ الْوُقُوفِ الْوُقُوفِ الْوَاجِبِ، وَقَوْلُهُ: أَيُّ جُزْءٍ مِنْهُ أَيْ الْوُقُوفُ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
(قَوْلُهُ: هَذَا إذَا اسْتَقَرَّ بِعَرَفَةَ) بِقَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ.
ص (وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةَ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إنْ نَوَاهُ) ش: هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ الْحَجُّ، وَهُوَ الْوُقُوفُ وَإِضَافَةُ الْحُضُورِ لِجُزْءِ عَرَفَةَ عَلَى مَعْنَى فِي وَسَاعَةَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَهِيَ مُضَافَةٌ لِلَيْلَةِ النَّحْرِ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: جُزْءِ عَرَفَةَ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى الْهِضَابِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ
قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ثُمَّ اسْتَنَدَ إلَى الْهِضَابِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ، وَحَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، ثُمَّ قَالَ: فَفِيهَا عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ، وَلَكِنْ مَعَ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ إذَا وَقَفَ مَعَ النَّاسِ،
وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ فَوَقَفَ دُونَهُمْ أَجْزَأَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا ارْتَفَعَ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ ثُمَّ قَالَ فِيهَا أَيْضًا: قَالَ أَشْهَبُ: وَأَحَبُّ مَوْقِفِ عَرَفَةَ إلَيَّ مَا قَرُبَ مِنْ عَرَفَةَ،
وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ مَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مَا قَرُبَ مِنْ عَرَفَةَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا قَرُبَ مِنْهَا إلَى مَوْضِعِ وُقُوفِ النَّاسِ فَمِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ عَرَفَةَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَعْنَى الَّذِي فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يَقُولُ: إنَّ الِاسْتِنَادَ إلَى الْهِضَبِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ، وَحَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ وَقَوْلُهُ: حَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ، كَذَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ بِالْوَاوِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَلَفْظُهُ: إذَا انْقَضَتْ الصَّلَاةُ فَخُذْ فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَامْضِ إلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ فَاسْتَنِدْ إلَى الْهِضَابِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ حَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أُفَضِّلُ ذَلِكَ، وَحَيْثُ مَا وَقَفْتَ مِنْ عَرَفَةَ أَجْزَأَك انْتَهَى.
وَكَانَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَقِفُ هُنَاكَ،
وَأَمَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَقِفُ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ آخِرِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَتَحَصَّلَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ النَّوَادِرِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ إذَا وَقَفَ حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ، وَأَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى جَبَلِ عَرَفَةَ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْ مَحَلِّ وُقُوفِ النَّاسِ، وَنَحْوُهُ مَا حَكَاهُ أَشْهَبُ هَذَا الَّذِي تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ،
وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ وَالِاخْتِيَارُ الْوُقُوفُ مَعَ النَّاسِ
وَيُكْرَهُ الْوُقُوفُ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ مُتَدَافِعٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: لَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ أَيْ: مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُوَافِقًا لِمَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَيَزُولُ عَنْهُ التَّدَافُعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ ابْنُ مُعَلَّى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْجَلَّابِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اسْتَحَبُّوا الْوُقُوفَ حَيْثُ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَهَذَا الْمَوْقِفُ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَفْرُوشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي تَوَسَّطَ أَرْضَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ هُنَاكَ عَلَى مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ نَصَّ حُذَّاقُ الْمَذْهَبِ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوُقُوفِ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ وَالِاهْتِمَامُ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ تَبَرُّكًا بِآثَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
، وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الْوُقُوفَ بِمَوْضِعِ وُقُوفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحٍ قَوْلُهُ: حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقُصْوَى إلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ، فِيهِ إنَّ السُّنَّةَ الْوُقُوفُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَاسْتَحَبُّوا هَذَا الْمَوْضِعَ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةَ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ تَعْرِيفٌ بِتَوْسِعَةِ الْأَمْرِ عَلَى أُمَّتِهِ وَبَيَانٌ لَهُمْ وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الْوُقُوفَ بِمَوْضِعِ وُقُوفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَى مَا قَالَهُ فِي الْإِكْمَالِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْهُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مُعَلَّى هُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ خِلَافُهُ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَأَفْضَلُ الْمَوَاقِفِ فِي قَوْلِ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَفْرُوشَةِ فِي طُرُقِ الرَّوَابِي الصِّغَارِ الَّتِي عِنْدَ ذَيْلِ الْجَبَلِ الَّذِي بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ، وَهُوَ الْجَبَلُ الْمُسَمَّى بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ ثُمَّ قَالَ: وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ لَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْوُقُوفُ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ وَيَقِفُ مَعَ عَامَّةِ النَّاسِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ،
وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ لَيْسَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ أَيْ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي فَضْلَ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ الْقُرْبِ مِنْ مَحِلِّ وُقُوفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَرُّكًا بِهِ فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ مَكْرُوهٌ،
وَمِثْلُهُ الْبَعْدُ عَنْ مَحِلِّ وُقُوفِ النَّاسِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي مَحَلِّ وُقُوفِ النَّاسِ، وَالْقُرْبُ مِنْ الْهِضَابِ حَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ، وَالْهِضَابُ بِكَسْرِ الْهَاءِ جَمْعُ هَضْبَةٍ عَلَى وَزْنٍ تَمْرَةٍ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالْهَضْبَةُ الْجَبَلُ الْمُنْبَسِطُ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ جَبَلٌ خُلِقَ مِنْ صَخْرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ الْجَبَلُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَنِعُ الْمُنْفَرِدُ، وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي حِجْرِ الْجَبَلِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فِي كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ،
فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصَّخَرَاتِ الْمَفْرُوشَةِ عِنْدَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَيُقَالُ: لِجَبَلِ الرَّحْمَةِ إلَالٌ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ،
وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ وَالِدِي - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - فِي تَعْيِينِ مَوْقِفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، فَقَالَ: إنَّهُ الْفَجْوَةُ الْمُسْتَعْلِيَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الْمَوْقِفِ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْمَوْقِفِ صَاعِدَةٌ فِي الرَّابِيَةِ، وَهِيَ الَّتِي عَنْ يَمِينِهَا وَوَرَاءَهَا صَخْرٌ نَاتِئٌ مُتَّصِلٌ بِصَخْرِ الْجَبَلِ الْمُسَمَّى بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهَذِهِ الْفَجْوَةُ بَيْنَ الْجَبَلِ الْمَذْكُورِ وَالْبِنَاءِ الْمُرَبَّعِ عَنْ يَسَارِهِ، وَهِيَ إلَى الْجَبَلِ أَقْرَبُ بِقَلِيلٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الْجَبَلُ قُبَالَةَ الْوَاقِفِ بِيَمِينٍ إذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَيَكُونُ طَرَفُ الْجَبَلِ قُبَالَةَ وَجْهِهِ، وَالْبِنَاءُ الْمُرَبَّعُ عَنْ يَسَارِهِ بِقَلِيلٍ وَرَاءَ،
وَقَالَ: إنَّهُ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ مُحَدِّثِي مَكَّةَ وَعُلَمَائِهَا حَتَّى حَصَلَ الظَّنُّ بِتَعْيِينِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: عَنْ يَسَارِهِ أَيْ: يَسَارِ الْجَبَلِ، وَقَوْلُهُ: بِيَمِينٍ أَيْ: فِي جِهَةِ يَمِينِ الْوَاقِفِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ يَسَارِهِ بِقَلِيلٍ وَرَاءَ أَيْ: عَنْ يَسَارِهِ إلَى جِهَةِ وَرَاءَ، وَالْبِنَاءُ الْمُرَبَّعُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: بَيْتُ آدَمَ قَالَ الْفَاسِيُّ، وَكَانَ سِقَايَةً لِلْحَاجِّ أَمَرَتْ بِعَمَلِهَا وَالِدَةُ الْمُقْتَدِرِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَالْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَقِفُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنَّمَا يَقِفُونَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ فِي الْجَبَلِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَكَأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَرَاهُمْ النَّاسُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) نَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ حَدَّ عَرَفَةَ مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى بَطْنِ عُرَنَةَ بِالنُّونِ إلَى جِبَالِ عَرَفَةَ إلَى وَصِيقٍ إلَى مُلْتَقَى وَصِيقٍ وَوَادِي عَرَفَةَ بِالْفَاءِ وَوَصِيقٍ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ: وَعَرَفَةُ كُلُّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ أَقْبَلَ عَلَى الْمَوْقِفِ فِيمَا بَيْنَ التَّلْعَةِ إلَى أَنْ تَقْضِيَ إلَى طَرِيقِ نَعْمَانَ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ كَبْكَبٍ مِنْ عَرَفَةَ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ شَعْبَانَ، وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الزَّاهِي، وَيَقِفُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَشِمَالِهِ وَأَمَامِهِ وَخَلْفِهِ وَعَرَفَةَ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ وَعُرَنَةُ كُلُّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ أَقْبَلَ عَلَى الْمَوْقِفِ فِيمَا بَيْنَ التَّلْعَةِ الَّتِي تُفْضِي إلَى طَرِيقِ نَعْمَانَ، وَاَلَّتِي تُفْضِي إلَى طَرِيقِ حِضْنٍ، مَا أَقْبَلَ مِنْ كَبْكَبٍ مِنْ عَرَفَاتٍ انْتَهَى.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ، وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ كَلَامًا طَوِيلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَبَلَ الرَّحْمَةِ فِي وَسَطِ عَرَفَةَ، وَالنَّاسُ يَنْزِلُونَ حَوْلَهُ فِي قِطْعَةٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَةَ، وَهِيَ مُتَّسِعَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَات، وَالْمُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حُدُودِهَا مَا يَلِي الْحَرَمَ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَلِئَلَّا يُجَاوِزَهُ الْحَاجُّ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَقَدْ صَارَ بِذَلِكَ مَعْرُوفًا بِالْأَعْلَامِ الَّتِي بُنِيَتْ، وَكَانَتْ ثَلَاثَةً فَسَقَطَ مِنْهَا وَاحِدٌ، وَبَقِيَ اثْنَانِ مَكْتُوبٌ فِي أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِحَاجِّ بَيْتِ اللَّهِ أَنْ يُجَاوِزَ هَذِهِ الْأَعْلَامَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ اُشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ تَرْجِيحُ الْوُقُوفِ عَلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَيَخْتَلِفُونَ بِذَلِكَ قَبْلَ وَقْتِ الْوُقُوفِ، وَيُوقِدُونَ الشَّمْعَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَيَهْتَمُّونَ بِاسْتِصْحَابِهَا مِنْ بِلَادِهِمْ، وَيَخْتَلِطُ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ فِي الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ، وَذَلِكَ خَطَأٌ وَجَهَالَةٌ، وَابْتِدَاعٌ قَبِيحٌ حَدَثَ بَعْدَ انْقِرَاضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ نَسْأَلُ اللَّهَ إزَالَتَهُ وَسَائِرَ الْبِدَعِ، وَشَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ فَاسْتَحَبَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ، وَسَمَّاهُ جَبَلَ الدُّعَاءِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ أَصْلٌ انْتَهَى.
(قُلْت:) ذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْقُرْبَى اسْتِحْبَابَ طُلُوعِهِ، وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْحُضُورِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُقُوفِ الْكَوْنُ بِعَرَفَةَ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ ذَلِكَ بِقِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ مَا عَدَا الْمُرُورَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ سَنَدٌ،
وَلَا يَشْتَرِطُ أَحَدٌ فِي الْوُقُوفِ قِيَامًا، وَإِنَّمَا هُوَ الْكَوْنُ بِعَرَفَةَ فَكَيْفَ مَا كَانَ أَجْزَأَهُ قَائِمًا كَانَ أَوْ جَالِسًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، وَكَيْفَ مَا تَصَوَّرَ،
وَقَالَ بَعْدَهُ: الْوَاجِبُ مِنْ الْوُقُوفِ الْكَوْنُ بِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ قَائِمًا إنْ كَانَ مَاشِيًا أَوْ يَرْكَبَ نَاقَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الْوَقُورِ حَقِيقَتَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ الطُّمَأْنِينَةُ بِعَرَفَةَ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا وَاقِفًا أَوْ جَالِسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مَا عَدَا الْمُرُورَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ فَهُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْوُقُوفَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَالرُّكُوبُ لَا يَتَأَتَّى فِي حَقِّ الْأَكْثَرِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُرَادُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الطُّمَأْنِينَةُ،
وَلَوْ جَالِسًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوُقُوفِ الْقِيَامَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فَالرَّاكِبُ بِغَيْرِهِ يُسَمَّى وَاقِفًا بَلْ الْمُرَادُ الطُّمَأْنِينَةُ بِعَرَفَةَ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا وَاقِفًا أَوْ جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا مَا عَدَا الْمُرُورَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ فَهُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ مَرَّ إنْ نَوَاهُ أَشَارَ بِهِ إلَى الْخِلَافِ فِي إجْزَاءِ الْمُرُورِ بِعَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ يُجْزِئُ إذَا نَوَى بِهِ الْوُقُوفَ، وَيُرِيدُ إذَا عَرَّفَهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بَعْدَ هَذَا إلَّا لِجَاهِلٍ، مَا ذَكَرَهُ مِنْ إجْزَاءِ الْمُرُورِ إذَا نَوَى بِهِ الْوُقُوفَ هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلِابْنِ مُحْرِزٍ، وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَنَدٍ أَنَّهُ شَهَرَ إجْزَاءَ الْمُرُورِ،
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَلَمْ يَنْوِ الْوُقُوفَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ،
وَقِيلَ: يُجْزِئُ مُرُورُهُ إذَا عَرَفَهَا،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْوُقُوفَ، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الْمُرُورَ إذَا عَرَفَهَا وَنَوَى الْوُقُوفَ، وَذَكَرَ اللَّهَ،
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ عَرَفَةَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ،
وَإِذَا قِيلَ: إنَّ الْمُرُورَ يُجْزِئُ فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ (الثَّانِي:) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، وَلَمْ يَقِفْ لَيْلًا لَمْ يُجْزِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ: وَهِيَ قَوْلُهُ: عِنْدَنَا فِي الْمَذْهَبِ،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ لَيْلًا يُجْزِيهِ،
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ زَمَنَ الْوُجُوبِ مُوَسَّعٌ، وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْدَئِهِ، فَالْجُمْهُورُ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَمَالِكٌ يَقُولُ: مِنْ الْغُرُوبِ وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِنَا اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ وَاسْتَقْرَأَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ مَسَائِلَ، وَلَيْسَ اسْتِقْرَاؤُهُ بِالْبَيِّنِ فَلِذَلِكَ لَمْ نَنْقُلْهُ هُنَا نِعْمَ الْحَقُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَبِمَا وَرَدَ مِنْهَا، وَبِمَا هُوَ مِنْهَا مَعْمُولٌ بِهِ، وَجَرَى بِهِ عَمَلُ السَّلَفِ وَفَتَاوِيهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ بِالنَّاسِ الْإِمَامُ الْمَالِكِيُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ الْمَالِكِيِّ يُفْسِدُ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ حَجَّهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِرُ قَبْلَ الْغُرُوبِ،
وَإِنْ كَانَ مَالِكِيًّا لَمْ يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ (قُلْت:) هَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى طَلَبِ الْوُقُوفِ فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ (الثَّالِثُ:) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُكْمَ الْوُقُوفِ نَهَارًا، وَهُوَ وَاجِبٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَمَحِلُّهُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ،
وَلَوْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَدَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ
ثُمَّ ذَكَرَ فَرَجَعَ وَوَقَفَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ،
وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ قَالَ سَنَدٌ: وَمَنْ دَفَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَدْفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ (الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مَغْلُوبًا فَهَلْ يُجْزِيهِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ: نَفْيُ الْإِجْزَاءِ أَصْلُ الْمَذْهَبِ، وَثُبُوتُهُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيّ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَالْقَوْلُ بِالْإِجْزَاءِ لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ فِي أَهْلِ الْمَوْسِمِ يَنْزِلُ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ سَنَةَ الْغُلُوِّ مِنْ هُرُوبِهِمْ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يُتِمُّوا الْوُقُوفَ أَنَّهُ يُجْزِيهِمْ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ سَنَدٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِنِيَّتِهِ الِانْصِرَافُ قَبْلَ الْغُرُوبِ (قُلْت:) فَعَلَى هَذَا مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ لِأَجْلِ الزَّحْمَةِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلسِّعَةِ وَيَقِفَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) إذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا
قَالَ فِي الزَّاهِي: فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ دَفَعَ الْإِمَامُ، وَدَفَعَ النَّاسُ فَلْيَتَّقِ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا،
وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا فَلْيَمْشِ الْعَنَقَ،
فَإِنْ وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ وَالنَّصُّ فَوْقُ الْعَنَقِ انْتَهَى.
(وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ) . عِيَاضٌ: مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. ابْنُ شَاسٍ: وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحُضُورِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عَرَفَةَ سِوَى بَطْنِ عُرَنَةَ (سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) . ابْنُ شَاسٍ: مُتَعَلِّقُ الْإِجْزَاءِ لَيْلَةَ النَّحْرِ لَا بُدَّ مِنْ الْوُقُوفِ فِيهَا وَلَوْ لَحْظَةً.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ (ش) أَيْ: وَالرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُخْتَصُّ بِالْحَجِّ خَاصَّةً دُونَ الْعُمْرَةِ وُقُوفٌ بِعَرَفَةَ،
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ مِنْ الْوُقُوفِ مَعْنَاهُ لُغَةً، بَلْ مُطْلَقُ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْكَوْنُ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ وَاقِفًا أَوْ جَالِسًا، أَوْ مُضْطَجِعًا وَكَيْفَمَا تَصَوَّرَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:" حُضُورُ "، وَإِنَّمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْوُقُوفَ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ،
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِمَوْضِعٍ مِنْهَا فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ إذَا وَقَفَ مَعَ النَّاسِ عَبَّرَ بِمَا يَشْمَلُ جَمِيعَهَا فَقَالَ:" جُزْءِ " عَرَفَةَ الدَّالِّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْحُضُورِ فِي أَيٍّ كَانَ مِنْهَا، وَإِضَافَةُ " حُضُورُ " إلَى " جُزْءِ " عَلَى مَعْنَى فِي، وَإِضَافَةُ " جُزْءِ إلَى عَرَفَةَ عَلَى مَعْنَى مِنْ أَيْ: الْكَوْنُ فِي جُزْءٍ مِنْ عَرَفَةَ أَيِّ جُزْءٍ مِنْ عَرَفَةَ أَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَقِفَ مَعَ النَّاسِ
وَيُكْرَهُ الْبُعْدُ عَنْهُمْ وَأَنْ يَقِفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ؛ وَالْقُرْبُ مِنْ الْهِضَابِ حَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ، وَالْهِضَابُ جَمْعُ هَضْبَةٍ بِوَزْنِ تَمْرَةٍ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ هُوَ الْجَبَلُ الْمُنْبَسِطُ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ جَبَلٌ خُلِقَ مِنْ صَخْرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ الْجَبَلُ الطَّوِيلُ الْمُتَمَنِّعُ الْمُنْفَرِدُ قَالَ ابْنُ مُعَلَّى: وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الْوُقُوفَ حَيْثُ وَقَفَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَفْرُوشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَةَ،
ثُمَّ إنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: " وَلِلْحَجِّ " لِلِاسْتِئْنَافِ، وَلِلْحَجِّ مُتَعَلِّقُ الْخَبَرِ أَيْ: وَحُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ. (ص) سَاعَةَ لَيْلَةِ النَّحْرِ (ش) الْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ الزَّمَانِيَّةُ أَيْ: لَحْظَةٌ مِنْ الزَّمَانِ لَا السَّاعَةُ الْفَلَكِيَّةُ، ثُمَّ يَصِحُّ فِي سَاعَةٍ التَّنْوِينُ وَالْإِضَافَةُ وَهِيَ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ أَيْ: سَاعَةٌ مَنْسُوبَةٌ لِلَيْلَةِ النَّحْرِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِجْزَاءِ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ، أَوْ قَبْلَهُ لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَدْفَعَ بَعْدَ دَفْعِهِ،
وَلَوْ نَفَرَ شَخْصٌ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَابَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ لَيْلَةَ النَّحْرِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ لَمْ يُجْزِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى،
أَمَّا وُقُوفُهُ نَهَارًا مَعَ الْإِمَامِ فَوَاجِبٌ، يُجْبَرُ بِالدَّمِ إذَا تَرَكَهُ وَفِي عِبَارَةٍ لِبَعْضِهِمْ: وَالْوُقُوفُ نَهَارًا أَيَّ جُزْءٍ مِنْهُ كَالْوُقُوفِ لَيْلًا، وَهُوَ وَاجِبٌ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ أَيْ: حَيْثُ تَرَكَهُ عَمْدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَوَقْتُهُ مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ
(قَوْلُهُ: أَيْ: وَالرُّكْنُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَهِيَ وَرُكْنُهُمَا الْإِحْرَامُ، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْوُقُوفَ)
أَيْ: وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ مُطْلَقُ الْكَوْنِيَّةِ
(قَوْلُهُ: فُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ: مُقْتَضٍ لِوُجُوبِ الْمُكْثِ فِيهِ
(قَوْلُهُ: أَيٍّ) أَيْ: أَيُّ جُزْءٌ مِنْهَا
(قَوْلُهُ وَإِضَافَةُ حُضُورِ إلَى جُزْءٍ إلَخْ) وَلَوْلَا جَعْلُهَا بِمَعْنَى " فِي " لَوَرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَاقِفَ فِي الْهَوَاءِ فِي عَرَفَةَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْأَرْضِ، أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا، أَوْ شَاهَدَ عَرَفَةَ وَهُوَ فِي الْحَرَمِ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْحُضُورَ ضِدُّ الْغَيْبَةِ فَمَعْنَاهُ الْمُشَاهَدَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَعْنَى مَنْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا بِمَعْنَى اللَّامِ لَا بِمَعْنَى مَنْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ كَيَدِ زَيْدٍ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْبُعْدُ عَنْهُمْ) ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ الْمُنْفَرِدَةَ أَكِيلَةُ السَّبْعِ
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَقِفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَقِفَ مَعَ النَّاسِ أَيْ: يَقِفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ لَا فِي أَرْضِهَا
(قَوْلُهُ وَالْقُرْبُ إلَخْ) هَذَا يَكُونُ مُسْتَحَبًّا ثَالِثًا
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْقَامُوسِ هُوَ) أَيْ: الْهَضْبَةُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ، أَوْ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ، وَانْظُرْ مَا الْوَاقِعُ هُنَا وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّهَا كُلُّهَا فِي مَكَّةَ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ غَيْرُ الْهَضَبَاتِ فَيَتَعَارَضُ الْحَالُ حَيْثُ إنَّهُ أَوَّلًا جَعَلَ الْقُرْبَ مِنْ الْهَضَبَاتِ أَفْضَلَ، وَهُنَا جَعَلَ الْمُسْتَحَبَّ الْقُرْبَ مِنْ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ؛ لِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ الرَّسُولُ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي وَقَفَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ
(قَوْلُهُ: سَاعَةَ لَيْلَةِ النَّحْرِ) الْقُرْطُبِيُّ فِي سُورَةِ الْفَجْرِ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ يَوْمٍ لَيْلَةً قَبْلَهُ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ لَيْلَةً قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ لَهُ لَيْلَتَانِ: لَيْلَةٌ قَبْلَهُ، وَلَيْلَةٌ بَعْدَهُ فَمَنْ أَدْرَكَ الْمَوْقِفَ لَيْلَةً بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ لِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ
(قَوْلُهُ: التَّنْوِينُ) فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِتَمَامِهَا فَلَا يَكْفِي بَعْضُهَا
(قَوْلُهُ لَكِنَّ السُّنَّةَ) أَيْ: الطَّرِيقَةَ
(قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُ) أَيْ: إذَا عَرَّفَهَا وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِعَدَمِ الطُّمَأْنِينَةِ
(قَوْلُهُ: كَالْوُقُوفِ لَيْلًا) أَيْ: فِي الطَّلَبِ الْمُحَتَّمِ
(قَوْلُهُ: لِغَيْرِ عُذْرٍ) أَيْ: لَا لِعُذْرٍ كَمُرَاهِقٍ
(لِلْحَجِّ) وَحْدَهُ (حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ) أَيْ الْكَوْنُ فِيهَا مُطْمَئِنًّا سَوَاءٌ وَقَفَ أَوْ جَلَسَ أَوْ اضْطَجَعَ أَوْ رَكِبَ عَلِمَ أَنَّهَا عَرَفَةُ أَمْ لَا، وَلِذَا عَدَلَ عَنْ وُقُوفِ الْمَشْهُورِ إلَى حُضُورٍ وَإِضَافَةِ حُضُورٍ إلَى جُزْءٍ بِمَعْنَى فِي فَلَا يُقَالُ مَعْنَى الْحُضُورِ الْمُشَاهَدُ فَتَصْدُقُ الْعِبَارَةُ بِمَنْ شَاهَدَهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا. وَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَإِضَافَةُ جُزْءِ عَرَفَةَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: فِي جُزْءٍ مَنْسُوبٍ لِعَرَفَةَ نِسْبَةَ الْجُزْءِ لِكُلِّهِ لَا بِمَعْنَى مِنْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ عَنْ الْمُضَافِ كَيَدِ زَيْدٍ لِخَبَرِ «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»«وَارْتَفَعُوا عَنْ بَطْنِ عَرَفَةَ» .
وَالْأَفْضَلُ الْوُقُوفُ فِي مَوْقِفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَطْرُوحَةِ قُرْبَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ فِي وَسَطِ عَرَفَةَ.
وَوَقْتُ الْحُضُورِ قَوْلُهُ (سَاعَةً) أَيْ: جُزْءٌ مِنْ الزَّمَانِ (مِنْ) سَاعَاتِ (لَيْلَةِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) أَيْ: عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ وَتَدْخُلُ بِغُرُوبِ التَّاسِعِ وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ،
وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا مِنْ زَوَالِ تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْوُقُوفِ الرُّكْنَ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَمَانَ الْوُقُوفِ مُوسِعٌ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْدَئِهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْغُرُوبِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ الزَّوَالِ، وَوَافَقَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْجُمْهُورَ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَيَكْفِي الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ إذَا اسْتَقَرَّ وَاطْمَأَنَّ بَلْ
حضور جزء عرفة؛ يعني أن الركن المختص به الحج عن العمرة هو أن يحضر الحاج جزءا من جبال عرفة، والمراد بحضوره مطلق الطمأنينة، والكون بها سواء كان واقفا أو جالسا أو مضطجعا، وكيف ما تصور ذلك أجزأ، فلذلك عبر المصنف بالحضور، وإنما كثر استعمالهم الوقوف لأنه الأفضل في حق أكثر الناس،
ولما لم يكن لموضع من عرفة فضل إذا وقف مع الناس -كما قال إمامنا مالك- عبر المصنف بما يشمل جميعها، فقال: "جزء عرفة" ، وإضافة الحضور للجزء على معنى: في. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: بمعنى اللام، فالمراد بالحضور الكون في جزء أي جزء من عرفة، لخبر: (عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة (١) )، والأفضل (محل وقوفه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح (٢) )؛ وهو عند الصخرات الكبار المفروشة في أسفل جبل الرحمة؛ وهو وسط عرفة، قال الشبراخيتي: لولا جعل الإضافة على معنى في لَوَرَدَ على المصنف إشكال وهو أن الحضور ضد الغيبة فمعناه المشاهدة، وهذا لا يصح شموله لما إذا كان واقفا في الهواء غير ملاصق للأرض أو ما اتصل بها أو شاهد عرفة وهو في الحرم وذلك لا يجزئ،
وفي الشبراخيتي قال حجة الإسلام: يقال إن الله تعالى إذا غفر ذنبا لعبد في الموقف، غفر ذلك الذنب لكل من أصابه في ذلك الموقف وأخرج زروق في تجريد الصحاح عنه صلى الله عليه وسلم: (أفضل الأيام يوم عرفة،
فإن وافق يوم الجمعة فهو أفضل من سبعين في غير يوم الجمعة (٣) )،
وفي قوت القلوب لأبي طالب عن بعض السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف، ويوم الجمعة أفضل أيام الدنيا. (وصح أنه صلى الله عليه وسلم وقف به عام حجة الوداع (٤) ). فالحاصل أن لوقفة الجمعة مزية على غيرها بخمسة أوجه: من تفضيل الحج فيه بسبعين حجة في غيره، والمغفرة فيه لكل أهل الموقف خصوصا، ولأنه أفضل أيام الأسبوع، وللساعة التي فيه وموافقة حجة المصطفى صلى الله عليه وسلم،
قال ابن جماعة: ومن حيث سقوط الفرض لا مزية. وسميت عرفة لأن آدم عرف حواء بها،
فإن الله سبحانه أهبط آدم بالهند وحواء بجُدة فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل عليه السلام عرَّف إبراهيم المناسك بها، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها. ساعةً ليلةَ النحر؛ الظرف الأول يتعلق "بحضور" ؛ يعني أن الحضور بجزء من عرفة إنما يقع ركنا إذا وقع ساعة ليلة النحر، والمراد بالساعة الساعة الزمانية أي لحظة من الزمان، ولفظ "ساعة" ، منصوب على الظرفية، وإضافته لليلة النحر على معنى اللام،
ويصح أن يكون لفظ ساعة منونا كما قاله الشبراخيتي، وساعة ليلة النحر التي هي لحظة تدخل وقت الغروب، فالوقوف بساعة بعد الغروب ركن لا ينجبر بالدم،
وأما الوقوف نهارا فواجب ينجبر بالدم بتركه عمدا لغير عذر، لا لعذر كمراهق، ويدخل وقته من الزوال، ويكفي أي جزء منه،
ويأتي فيه ما بالغ عليه من الركن بقوله: ولو مر؛ يعني أن الوقوف بعرفة بمعنى الكينونة في جزء منها يجزئ على وجه الركنية إذا وقع بعد الغروب، ولا فرق في ذلك بين من اطمأن فيها وبين من مر بها من غير طمأنينة، وظاهر المصنف أن المقابل يقول بعدم إجزاء المرور مطلقا، ونحوه قول ابن الحاجب ففي المار قولان، واعترضه في التوضيح بقوله: لم أر قولا بعدم الإجزاء مطلقا، ولذلك جعل سند محل الخلاف إذا لم يعرفها، فقال: من مر بعرفة وعرفها أجزأه،
وإن لم يعرفها فقال محمد. لا يجزئه، والأشهر الإجزاء. الحطاب: لم يصرح سند بأنه الأشهر وإنما قال بعد أن حكى عن مالك الإجزاء: وهو بين، ونقل ابن عرفة في الجاهل بها روايتين،
وفي العارف بها أربعة أقوال: الإجزاءُ مطلقا، والإجزاءُ إن نوى به الوقوف: ثالِثُهَا وَذَكَرَ الله تعالى فإن نوى ولم يذكر لم يجزه، وَرَابعُهَا الوقف. والدليل على أن الركن وقوف جزء من الليل، قوله عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة فمن أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج (١) )، وقوله: (من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه (٢) )، وقوله: (من وقف بعرفة بليل فقد أدرك ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج (٣) ).
وقد علمت أن المراد بعرفة الكون بها والاستقرار على أي حالة ما عدا المرور فإنه هو المختلف فيه. تنبيهات: الأول: كون الركن هو ساعة من الليل هو مذهبنا، وهو خلاف ما عليه الجمهور،
قال ابن عبد السلام: والحاصل أن زمن الوقوف موسع وآخره طلوع الفجر، واختلفوا في مبدئه فالجمهور أن مبدأه من صلاة الظهر، ومالك يقول: من الغروب، ووافق الجمهور اللخمي وابن العربي، ومال إليه ابن عبد البر. الثاني: قال ابن القاسم في المدونة: من دفع حين غربت الشمس قبل دفع الإمام أجزأه الوقوف؛ لأنه إنما دفع وقد حل الدفع،
وإن دفع بدفع الإمام كانت السنة وكان ذلك أفضل. الثالث فهم من المصنف أنه إذا دفع قبل الغروب فلم يخرج من عرفة حتى غابت الشمس أجزأه، وعليه هدي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.