فَلَوْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرُ الْحَصَى أَوْ حَجَرٍ رمى بِهِ مَرَّةً لَمْ يُجْزِئْهُ وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن رَمَى بذَهَبٍ، أو فِضَّةٍ، أو غيرِ الحَصَى، أو) رَمَى (بحَجَرٍ رُمِىَ به مَرَّةً، لم يُجْزِئْه) يُجْزِئُ الرَّمْىُ بكلِّ ما يُسَمَّى حَصًى، وهى الحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَواءٌ كان أسودَ، أو أبيضَ، أو أحمرَ، مِن المَرْمَرِ، أو البرام ، أو المَرْوِ، وهو الصَّوَّانُ، أو الرُّخَام، أو الكَذَّانِ ، أو حَجَرِ المِسَنِّ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال القاضى: لا يُجْزِئُ الرُّخامُ، والبرامُ، والكَذّانُ. ومُقْتَضَى قولِه، أن لا يُجْزِئُ المَرْوُ ولا حَجَرُ المِسَنِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ بالطِّينِ والمَدَرِ ، وما كان من جنْسِ الأرْضِ. ونَحْوُه قولُ الثَّوْرِىِّ. ورُوِىَ عن سُكَيْنَةَ بنتِ الحُسَيْنِ، أنَّها رَمَتِ الجَمْرَةَ ورجلٌ يُناوِلُها الحَصَى، وسَقَطَتْ حَصَاةٌ، فرَمَتْ بخاتَمِها. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى بالحَصَى، وأمَرَ بالرَّمْى بمثلِ حَصَى الخَذْفِ. فلا يَتَناوَلُ غيرَ الحَصَى، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أنْواعِه، فلا يَجُوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دَلِيلٍ، ولا إلحاقُ غيرِه به، والذَّهَبُ والفِضَّةُ لا يَتَناوَلُه اسمُ الحَصَى.
فصل: وإن رَمَى بحَجَرٍ أُخِذَ من المَرْمِىِّ لم يُجْزِئْه.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه حَصًا، فيَدْخُلُ في العُمُومِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَذَه مِن غيرِ المَرْمِىِّ. وقال:«خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ». ولأنَّه لو جازَ الرَّمْىُ بما رُمِىَ به، لما احْتاجَ أحَدٌ إلى أخْذِ الحَصَى مِن غيرِ مَكانِه، ولا تَكْسِيرِه، ولأنَّ ابنَ عباسٍ، قال: ما تُقُبِّلَ منه رُفِعَ.
وإن رَمَى بخاتَمِ فِضَّةٍ [فيه] حَجَرٌ، لم يُجْزِئْه، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه تَبَعٌ، والرَّمْىُ بالمَتْبُوعِ لا بالتَّابعِ. ١٣٠٢ - مسألة: (ويَرْمِى بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فإن رَمَى بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أجْزَأَه) وجُمْلته أنَّ لرَمْى هذه الجَمْرَةِ وَقْتَيْن؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووَقْتُ إجْزَاءٍ،
فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ فعندَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ علماءُ المسلِمين على أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما رَمَاهَا ضُحَى ذلك اليومِ.
وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يومِ النَحْرِ وَحْدَه. أخْرَجَه مسلمٌ . وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ .
وأمَّا وَقْتُ الجَوازِ، فأوَّلُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ. وبذلك قال عَطاءٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشافعىُّ. وعن أحمدَ أنَّه يُجْزِئُ بعدَ الفَجْرِ، قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال مُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ: لا يَرْمِيها إلَّا بعدَ طُلُوعِ الشمسِ؛ لحَدِيثِ ابنِ عباسٍ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ ، عن عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فرَمَتْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ، فأفَاضَتْ. ورُوِىَ أنَّه أمَرَها أن تُعَجِّلَ الإِفاضَةَ، وتُوَافِىَ مَكَّةَ معِ صلاةِ الصُّبْحِ. احْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّه وَقْتٌ للدَّفْعِ مِن المُزْدَلِفَةِ، فكان وَقْتًا للرَّمْىِ، كبعدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والأخْبارُ المَذْكُورَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ.
فصل: وإن أخَّرَ الرَّمْىَ إلى آخِرِ النَّهارِ، جازَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن رَماها يومَ النَّحْرِ قبلَ المَغِيبِ، فقد رَماهَا في وَقْتٍ لها،
وإن لم يَكُنْ ذلك مُسْتَحَبًّا. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسْألُ يومَ النَّحْرِ بِمنًى، قال رَجُلٌ: رَمَيْتُ بعدَ ما أمْسَيْتُ؟ قال:«لَا حَرَجَ». رَواه البخارىُّ .
فإنْ أخَّرَها إلى اللَّيْلِ، لم يَرْمِها حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ. وبه قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ.
وقال الشافعىُّ، ومحمدٌ، وأبو يُوسُفَ، وابنُ المُنْذِرِ: يَرْمِى لَيْلًا؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْم وَلَا حَرَجَ». ولَنا، أنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: مَن فاتَه الرَّمْىُ حتى تَغِيبَ الشمسُ، فلا يَرْمِ حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». إنَّما كان في النَّهارِ؛ لأنَّه سَأَلَه في يَوْمِ النَّحْرِ، ولا يَكُونُ اليَوْمُ إلَّا قبلَ مَغِيبِ الشمسِ.
وقال مالكٌ: يَرْمِى لَيْلًا، وعليه دَمٌ. ومَرَّةً قال: لَا دَمَ عليه.
وإذا رَمَى انْصَرَفَ ولم يَقِفْ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقِفْ عندَها.
١٣٠٣ -
(فَلَوْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرْمِ إِلَّا بِالْحَصَى، وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ،
وَعَنْهُ: بَلَى، فَإِنْ رَمَى بِخَاتَمٍ فَصُّهُ حَصَاةٌ، فَوَجْهَانِ (أَوْ غَيْرُ الْحَصَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَحْوَ الْكُحْلِ، وَالرُّخَامِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ شُرَطَهُ الْحَجَرِيَّةُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْجَوَاهِرُ الْمُنْطَبِعَةُ، وَالزَّبَرْدَجُ، وَالْيَاقُوتُ عَلَى الْمَشْهُورِ،
وَعَنْهُ: تُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُ مَعَ الْجَهْلِ لَا الْقَصْدِ، لَكِنَّ الرُّخَامَ وَالْكِدَانَ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْإِجْزَاءِ، فِيهِ فَدَلَّ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْأَحْجَارِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ الْكَبِيرَ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِوُجُودِ الْحَجَرِيَّةِ،
وَكَذَا الْقَوْلَانِ فِي الصَّغِيرِ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " (أَوْ حَجَرٍ رمى بِهِ مَرَّةً لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ ثَانِيًا كَمَاءِ الْوُضُوءِ، وَلِأَخْذِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمى، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَمَا احْتِيجَ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ، (وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ جَابِرٍ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُسَنُّ بَعْدَ الزَّوَالِ
ويَرْمِى بعدَ طُلوعِ الشَّمْسِ -بلا نِزاعٍ. وهو الوَقْتُ المُسْتَحَبُّ للرَّمى- فإنْ رمَى بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أجْزَأه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ مُطْلَقًا، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، لا يُجْزِئُ إلَّا بعدَ الفَجْرِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: نصُّه، للرُّعاةِ خاصَّةً الرَّمْىُ ليْلًا. نقَلَه ابنُ مَنْصُور. وذكَر جماعة مِنَ الأصحابِ، أنَّه يُسَنُّ رَمْيُها بعدَ الزَّوالِ.
قلتُ: وهذا ضعيفٌ مُخالِفٌ لفِعْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
فائدة: إذا لم يَرْمِ حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، لم يَرْمِ إلَّا مِنَ الغَدِ بعدَ الزَّوالِ، ولا يقِفُ. ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعَرِهِ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ، كَالْمَسْحِ.
قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس فإن رمى بعد نصف الليل أجزأه) .
أما استحباب رميه بعد طلوع الشمس فلما روى جابر رضي الله عنه قال:«رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ... مختصر» رواه مسلم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال لأغيلمة بني عبدالمطلب: أَبَنِيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» رواه ابن ماجة.
وأما إجزاؤه الرمي بعد نصف الليل فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل النحر ثم مضت فأفاضت» رواه أبو داود.
وفي لفظ قال لأم سلمة:«وافي الفجر بمكة» رواه حنبل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.