فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ إِلَى الْبِرَازِ اسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن دَعا كافرٌ إلى البِرازِ، اسْتُحِبَّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإِذْنِ الأمِيرِ) المُبارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثلَاثَةَ أقْسامٍ؛ مُسْتَحَبَّةٌ، ومُباحَةٌ، ومَكْرُوهَةٌ، فالمُسْتَحَبَّةُ؛ إذا خَرَج كافِرٌ يَطْلُبُ البِرازَ، فيُسْتَحَبُّ لمَن يعْلَمُ مِن نفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأنَّ فيه رَدًّا عن المُسْلِمِين، وإظْهارًا لقُوَّتِهم. والمُباحَةُ؛ أن يَبْتَدِئَ الرَّجلُ الشُّجاعُ فيَطْلُبَها، فتُباحُ، ولا تُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليها، ولا يُؤْمَنُ أن يُغْلَبَ، فيَكْسِرَ قُلُوبَ المُسْلِمِين، إلَّا أنَّه لمّا كان شُجاعًا واثِقًا مِن نفْسِه، أُبِيحَتْ له؛
لأنَّه بحُكْمِ الظّاهِرِ غالِبٌ. والمَكْرُوهَةُ؛ أن يَبْرُزَ الضَّعِيفُ المُنَّةِ ، الذى لا يَثِقُ مِن نفْسِه، فتُكْرَهُ له المُبارَزَةُ؛ لِما فيه مِن كَسْرِ قُلُوبِ المُسْلِمِين بقَتْلِه ظاهِرًا. ١٤٢٥ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ) وَفِي " الْبُلْغَةِ " مُطْلَقًا (إِلَى الْبِرَازِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ: عِبَارَةٌ عَنْ مُخَاصَمَةِ الْعَدُوِّ، وَبِفَتْحِهَا: اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ. (اسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ) لِمُبَارَزَةِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ.
قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا فِي قَوْله تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةَ، وَعَلِيٍّ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الدَّارَةَ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَلِأَنَّ فِي الْإِجَابَةِ إِلَيْهَا إِظْهَارًا لِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَلَدِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ.
وَظَاهِرُهُ إِذَا لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ لِمَا فِيهِ مَنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ ظَاهِرًا،
وَلَوْ طَلَبَهَا الشُّجَاعُ ابْتِدَاءً، فَاحْتِمَالَانِ، فِي " الْفُصُولِ "
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ، وَالنُّصْحُ لَهُ، وَالصَّبْرُ مَعَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لأَحَدٍ أنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، وَلَا يُبَارِزَ، وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْمُعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا، إِلَّا بِإِذْنِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ إِلَى الْبِرَازِ، اسْتُحِبَّ، لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ اْلأَمِيرِ. فإنْ دَعا كافِرٌ إلى البِرَازِ، اسْتُحِبَّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ مُبارَزَتُه بإذْنِ الأمِيرِ. هذا المذهبُ. أعْنِى تحْريمَ المبارَزَةِ بغيرِ إذْنِه. وهو ظاهِرُ كلامِه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، بل هو كالصَّريحِ، ونصَّ عليه. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «النَّظْمِ». قال . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ناظِمُ «المُفْرَداتِ»:
بغيرِ إذْنٍ تَحْرُمُ المُبارَزَهْ ... فالسَّلَبُ المَشْهورُ ليْسَتْ جائِزَهْ
وعنه، يُكْرَهُ بغيرِ إذْنِه. حكَاها الخَطَّابىُّ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ فى «المُغْنِى»؛ فإنَّه قال: يَنْبَغِى أنْ يسْتَأْذِنَ الأمِيرَ فى المُبارزَةِ إذا أمْكَنَ.
وقال فى «الفُصُولِ»، فى اللِّباسِ: هل تُسْتَحَبُّ المُبارزَةُ لشُجاعٍ ابتِداءً، لمَا فيها مِن كَسْرِ قُلُوبِ المُشْرِكِين، أمْ تُكْرَهُ لئَلَّا ينْكَسرَ فيُضْعِفَ قُلوبَ المُسْلِمِين؟ فيه احْتِمالان.
وقال الشَّارِحُ: المُبارزةُ تنْقَسِمُ ثَلَاثةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، مُسْتَحَبَّةٌ. وهى مسْألَةُ المُصَنِّفِ. والثَّانيةُ، مُباحَةٌ. وهى أنْ يَبْتَدِئَ الشُّجاعُ فيَطْلُبَها، فتُباحُ ولا تُسْتَحَبُّ.
قلتُ: فى «البُلْغَةِ»، أنَّها تُسْتَحَبُّ أيضًا. الثَّالثةُ، مَكْرُوهَةٌ. وهى أنْ يَبْرُزَ الضَّعِيفُ الذى لا يَثِقُ مِن نفْسِه، فتُكْرَهُ له.
فَإنْ شَرَطَ الْكَافِرُ أَنْ لا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إِلَيْهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ،
فَإنِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ، أوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ، جَازَ الدَّفْعُ عَنْهُ،
قال: (فإن دعا كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، فإن شرط الكافر أن لا يقاتله (١) غير الخارج إليه فله شرطه.
فإن انهزم المسلم أو أُثخن بالجراح جاز الدفع عنه.
وإن قتله المسلم فله سلبه).
أما كون مبارزة من يعلم من نفسه ما ذُكر يستحب بإذن الأمير فـ «لأن حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم».
و«بارز ابنُ الأكوع مرحباً يوم خيبر ثم بارزه علي».
وقيل:«بارزه محمد بن مسلمة».
ولم يزل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبارزون في حروبهم. روي عن البراء بن مالك أنه قال:«قتلت تسعة وتسعين رئيساً من المشركين مبارزة».
وأما كون الكافر له شرطه إذا شرط أن لا يقاتله غير الخارج إليه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«المسلمون على شروطهم».
وأما كون الدفع عن المسلم يجوز إذا انهزم فلأن المسلم إذا صار إلى هذه الحالة فقد انقضى قتاله وربما أثخنه فقتله.
وأما كونه يجوز إذا أُثخن بالجراح فـ «لأن حمزة وعلياً أعانا عُبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين أُثخن عبيدة».
وأما كون المسلم له سلب الكافر إذا قتله فلأن القاتل يستحق سلب المقتول؛ لما سيأتي بعد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.