وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْحَرْبِيِّ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ
الشروح عليها
مسألة: (ويَحْرُمُ الرِّبَا بينَ المسْلِمِ والحَرْبِيِّ، وبينَ المُسْلِمِينَ في دارِ الحَرْبِ، كما يَحْرُمُ بينَ المُسْلِمِينَ في دارِ الإِسْلامِ). وبذلك قال مالِك، والأوْزَاعِيّ، وأبو يُوسُفَ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجْرِي الرِّبَا بَينَ مُسْلِم وحَرْبِي في دارِ الحَرْبِ.
وعنه في مُسْلِمَينِ أسْلَما في دارِ الحَرْبِ، لا رِبًا بَينَهُما؛ لِما رَوَى مَكْحُولٌ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لا رِبًا بَينَ المُسْلِمِينَ وأهلِ الحَرْبِ في دارِ الحَرْبِ» . ولأنَّ أمْوالهم مُباحَةٌ، وإنَّما حَظرها الأمانُ في دار الإِسْلامِ، فما لم يَكُنْ كذلك كان مُبَاحًا. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تَعالى:{وَحَرَّمَ الرِّبَا} وقوْلُه تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. وقَوْلُه تَعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}.
وعُمُومُ الأخبارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفاضُلِ. وقولُه:«مَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى». عَامٌّ. ولأنَّ ما كانَ مُحَرَّمًا في دارِ الإِسْلَامِ كان مُحَرَّمًا في دارِ الحَرْبِ، كالرِّبَا بينَ المُسْلِمِينَ. وخَبَرُهُم مُرْسَل لا تُعْرَفُ صِحَّتُه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ النَّهْيَ عن ذلك،
ولا يَجُوزُ تَرْكُ ما وَرَدَ بتَحْرِيمِه القُرْآنُ، وتَظَاهَرَتْ به السنةُ بخَبَرٍ مَجْهُول، لم يُرْوَ في صَحِيحٍ ولا مُسْنَدٍ ولا كِتابٍ مَوْثوقٍ به، وما ذَكَرُوه من الإِباحَةِ مُنْتقِضٌ بالحَرْبِيِّ إذا دَخَلَ دارَ الإِسْلام،
فإنّ ماله مُباحٌ، إلَّا ما حَظره الأمان.
(وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْحَرْبِيِّ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى» . وَهُوَ عَامٌّ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَدَارِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمَا،
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": الْبَاغِي مَعَ الْعَادِلِ كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَضْمَنُ مَالَ صَاحِبِهِ بِالْإِتْلَافِ فَهِيَ كَدَارِ حَرْبٍ وَرَدَّهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إِلَّا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ بَيْنَهُمَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "،
وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُوجَزِ " وَأَقَرَّهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى ظَاهِرِهَا لِمَا رَوَى مَكْحُول مَرْفُوعًا: «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ» ، وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَبِأَنَّهُ خَبَرٌ مَجْهُولٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ بِهِ تَحْرِيمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَقِيقِهِ،
وَلَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمَّ ولَدٍ مُطْلَقًا، أَوْ مُكَاتَبًا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ.
[
ويَحْرُمُ الرِّبا بينَ المُسْلِمِ والحَرْبِيِّ، وبينَ المُسْلِمِين في دارِ الحَرْبِ، كما يَحْرُمُ بينَ المُسْلِمِين في دارِ الإِسْلامِ. يَحْرُمُ الرِّبا بينَ المُسْلِمِين في دارِ الحَرْبِ، الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَينَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الإسْلَامِ.
ودارِ الإِسْلام، بلا نِزاعٍ. والصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الربا مُحَرَّم بينَ الحَرْبِي والمُسلم مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهما، ونصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ.
وقال في «المستوعِبِ» في بابِ الجِهادِ، و «المُحَررِ»، و «المُنَور»، و «تَجريدِ العنايَةِ»، و «إدراكِ الغايَةِ»: يجوزُ الربا بينَ المسْلِمِ والحَرْبِيِّ الذي لا أمانَ بينَهما. ونقَلَه المَيمُونِيّ. وقدَّمه ابن عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِي في دارِ الحَربِ؛
حيثُ قال: ومَن دخَل إلى أرْضِ العَدُوَ بأَمانٍ، لم يَخنهم في مالهم، ولا يُعامِلهم بالربا. وأطلَقهما الزرْكَشِيُّ، ولمُ يَقيِّدْ هذه الرِّوايةَ في «التبصِرَةِ» وغيرِها بعَدَمِ الأَمان.
وفي «المُوجَزِ» رِوايَة، لا يَحْرُمُ الرِّبا في دارِ الحَربِ. وأقرَّها الشَيخ تَقِيّ الدِّينِ على ظاهِرِها.
قلتُ: يُمْكِنُ أنْ يُفرقَ بينَ الروايَةِ في «التبصِرَةِ» وغيرِها، وبينَ الروايَةِ في «المُوجَزِ»، وحَمْلِها على ظاهِرِها؛ بأنَّ الروايةَ التي في «التبصرَةِ» وغيرَها لم يُقَيِّدْها بعَدَمِ الأمانِ، فيَدْخُلُ فيها لو كانُوا بدارِنا أو دارِهم، بأَمانٍ أو غيرِه. والروايَةُ التي في «المُوجَزِ»، وحَمْلُها على ظاهِرِها، أنَّه لا يَحْرم الربا في دارِ الحَرْبِ سواءٌ كان بأمانٍ أو غيرِه. فرِوايَةُ «التبصرَةِ» أعَم؛ لشُمُولِها دارَ الحَرْبِ ودارَ الإِسْلامِ، بأمانٍ أو غيرِه. ورِوايَةُ «المُوجَزِ» أخَصُّ؛ لقُصُورِها على دارِ الحَرْبِ، وحَمْلِها على ظاهِرِها، سواءٌ كان بينَهم أمانٌ أوْ لا، ولا يتَوهَّمُ مُتَوَهِّم أنَّ ظاهِرَها يشْمَلُ المُسْلِمَ،
فإنَّ هذا لا نِزاعَ فيه، ومعاذَ اللهِ أنْ يُرِيدَ ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِمامُ أحمدُ. وقال في «الانْتِصارِ»: مالُ كافِرٍ مُصالحٍ مُباحٌ بطِيبِ نَفْسِه، والحَربِي مُباحٌ أخْذُه على أي وَجْهٍ كان.
فائدة: لا رِبا بينَ عَبْدٍ أو مُدَبرِ أو أمِّ وَلَدٍ ونحوهم، وبينَ سيِّدِهم. هذا المذهبُ، وقطَع به الأصحابُ، ونصَّ عليه. والْتزَمَ المَجْدُ -في مَوْضِعٍ- جَرَيانَ الرِّبا بينَه وبينَ سيِّدهِ، إذا قُلْنا: يَمْلِكُ. قاله في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، تَحْريمُ الرِّبا بينَ السَّيِّدِ ومُكاتَبِه، كالأجْنَبِي. وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وعنه، لا رِبا بينَه وبينَ مُكاتَبِه، كعَبْدِه. اخْتارَه أبو بَكْرِ، وابنُ أبي مُوسى. ويُسْتَثْنَى مِن ذلك مَالُ الكِتابَةِ؛ فإنَّه لا يَجْرِى الرِّبا فيه. قاله في «الوَجيزِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم هناك. فعلى المذهبِ، لو زادَ الأجَلُ والدَّينُ، جازَ في احْتِمالٍ. ويأتي ذلك في أولِ الكِتابَةِ، في أوَّلِ الفَصْلِ الثَّاني.
قال: (ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين في دار الحرب كما يحرم بين المسلمين في دار الإسلام) .
أما كون الربا يحرم بين المسلم والحربي؛ فلأن الربا إنما حرم لعلة التفاضل المنهي عنه شرعاً وذلك موجود بين المسلم والحربي كما هو بين المسلم والمسلم.
وأما كونه يحرم بين المسلمين في دار الحرب فلعموم قوله سبحانه:{وحرم الربا}، وقوله:{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}، وقوله عليه السلام:«من زاد أو ازداد فقد أربا». [
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.