وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ وَالْإِغْمَاءِ التَّعَدِّي وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (وهل تَبْطُلُ بالردة، وحُرِّيَّةِ العبدِ؟ على وَجْهَين) يَصِحُّ تَوْكِيلُ المُسْلِمِ كافِرًا فيما يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، سَواء كان ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمَنًا، أو حَرْبِيًّا، أو مُرْتَدًّا؛ لأنَّ العَدالةَ لا تُشْتَرطُ في صِحَّة الوَكالةِ، فكذلك الدّينُ، كالبَيعِ.
فإن وَكَّلَ مُسْلِمًا فارْتَدَّ، لم تَبْطُلْ وكالتُه، في أحَدِ الوَجْهَين، سواء لَحِق بدارِ الحَرْبِ أو أقام.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ إذا لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ؛ لأنَّه صار منهم. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه لنَفْسِه، فلم تَبْطُلْ وَكالته، كما لو لم يَلْحَقْ بدارِ الحَرْبِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لا تَمْنَعُ ابتداءَ الوَكالةِ، فلا تَمْنَعُ اسْتِدامَتَها، كسائِر الكُفْرِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ بالردَّةِ إذا قُلْنا: إن المُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلاكُه وتَبْطُلُ تَصَرُّفاتُه. والوَكالةُ تَصَرُّفٌ.
وإنِ ارتَدَّ المُوَكِّلُ، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ فيما له التَّصَرُّفُ فيه،
فأمّا الوَكِيلُ في مالِه فيَنْبَنِي على تَصَرُّفِه نَفْسِه،
فإن قلنا: يَصِحُّ تَصرُّفُه. لم يَبْطُلْ تَوْكِيلُه.
وإن قُلْنا: هو مَوْقُوفٌ. فوَكالته مَوْقُوفَةٌ.
وإن قُلْنا: يَبْطُلُ تَصرُّفُه. بَطَل تَوْكِيلُه.
وإن وكَّلَ في حالِ رِدَّتِه، ففيه الوُجُوهُ الثلاثةُ.
فصل: وإن وَكَّلَ عَبْدَه، ثم أعْتَقَه أو باعَه، لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّ زَوالَ مِلْكِه لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَها. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ؛ لأنَّ توْكِيلَ عَبْدِه ليس بتَوكِيلٍ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هو اسْتِخْدامٌ بحَقِّ المِلْكِ، فيَبْطُلُ بزوالِ المِلْكِ وهكذا الوَجْهَانِ فيما إذا وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه ثم باعَه السَّيِّدُ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأن سَيِّدَ العَبْدِ أذِنَ له في بَيعِ مالِه، والعِتْقُ لا يُبْطِلُ الإذْنَ،
وكذلك البَيعُ، إلَّا أنَّ المُشْتَرِيَ إن رَضِيَ ببقائِه على الوَكالةِ وإلَّا بَطَلَتْ.
فإن وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه فأعْتَقَه، فقال شيخُنا : لا تَبْطُلُ الوَكالةُ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ هذا تَوكِيلٌ حَقِيقَةً، والعِتْقُ غيرُ مُنافٍ له .
وإنِ اشْتَرَاهُ المُوَكِّلُ منه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ مِلْكَه إيّاه لا ينافِي إذْنَه له في البَيعِ والشِّراءِ.
وإن وَكَّلَ امْرَأتَه، ثم طَلَّقَها، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ زوال النِّكاحِ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلم يَمْنَع اسْتِدامَتَها.
فصل: وإن تَلِفَتِ العَينُ التي وَكَّلَ في التَّصرُّفِ فيها، بَطَلَتِ الوَكالةُ؛ لأن مَحَلَّها ذَهَب، فذَهَبَتِ الوَكالةُ، كما لو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ فمات. و لو دَفَع إليه دِينارًا، ووَكَّلَه في الشِّراءِ [به فهَلَكَ الدِّينارُ أو ضاع، أو تَصَرَّفَ فيه الوَكيلُ، بَطَلَتِ الوَكالةُ، سَواءٌ وَكَّلَه في الشِّراءِ] بِعَينه أو مُطْلَقًا؛ لأنَّه إن وَكُّلَه في الشِّراءِ بعَينه، فقد اسْتَحال الشِّراءُ به بعدَ تَلَفِه، فبَطَلَتِ الوَكالةُ،
وإن وَكَّلَه في الشِّراءِ مُطْلَقًا. ونَقَد الدِّينارَ، بَطَلَتْ أيضًا؛ لأنَّه إنَّما وَكَّلَه في الشِّراء به، ومَعْناه أن يَنْقُدَه ثَمَنَ ذلك المَبِيعِ،
إمّا قبلَ الشِّراءِ أو بعدَه، وقد تَعَذَّرَ ذلك بِتَلَفِه، ولأنَّه لو صَحَّ شِراؤُه، للَزِمَ المُوَكِّلَ ثَمَن لم يَلْتَزِمْه، ولا رَضِيَ بلُزُومِه.
وإنِ اسْتَقْرضَه الوَكِيلُ، وعَزَل دِينارًا عِوَضَه واشْتَرَى به، فهو كالشِّراءِ له مِن غيرِ إذْنٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ بَطَلَتْ، والدِّينارُ الذي عَزَلَه عِوَضًا لا يَصِيرُ للمُوَكِّلِ حتى يَقْبِضَه،
فإذا اشْتَرَى للمُوَكِّلِ به شيئًا، وَقَف على إجازَةِ المُوَكِّلِ،
فإن أجازَه، صَحَّ، ولَزِمَه الثَّمَنُ، وإلَّا لَزِم الوَكِيلَ.
وعنه، يَلْزَمُ الوَكِيلَ بكلِّ حالٍ.
وقال القاضي: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ بعَينِ مالِه ما يَمْلِكُه غيرُه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه، صَحَّ الشِّراءُ للوَكِيلِ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يُؤْذَنْ له فيه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ في الذِّمَّةِ.
فصل: نَقَل الأثْرَمُ عن أحمدَ، في رجلٍ كان له على آخَرَ دَراهِمُ، فقال له: إذا أمْكَنَك قَضاؤُها فادْفَعْها إلى فُلانٍ. وغاب صاحِبُ الحَقِّ، ولم يُوصِ إلى هذا الذي أَذِنَ له في القَبْضِ، لكنْ جَعَلَه وَكِيلًا، وتَمَكَّنَ مَن عليه الدَّيْنُ مِن القَضاءِ، فخاف إن دَفَعَها إلى الوَكِيلِ أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات، ويَخافُ التَّبِعَةَ مِن الوَرَثةِ، فقال: لا يُعْجِبُنِي أَن يَدْفَعَ إليه، لَعَلَّه قد مات، لكنْ يَجْمَعُ بينَ الوَكِيلِ والوَرِثَةِ، ويَبْرَأُ إليهما مِن ذلك.
هذا ذَكَره أحمدُ على طَرِيقِ النَّظَرِ للغَرِيمِ، خوْفًا مِن التَّبِعَةِ مِن الوَرَثَةِ إن كان مَوْرُوثُهم قد مات فانْعَزَلَ وَكِيلُه وصار الحَقُّ لهم، فَيرْجِعُون على الدّافِع إلى الوَكِيلِ.
فأمّا مِن طَريقِ الحُكْمِ، فللوكِيلِ المطالبَةُ، وللآخَرِ الدَّفْعُ إليه،
فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في رِوايةِ حَرْبٍ: إذا وَكّلَه [في الحَدِّ] وغاب، اسْتَوفاه الوَكِيلُ. وهو أبْلَغُ مِن هذا؛ لكَوْنِه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، لكنَّ هذا احْتِياط حَسَن، وتَبْرِئَة للغَرِيمِ ظاهِرًا وباطنًا، وإزالةُ التَّبِعَةِ عنه.
وفي هذه الرِّوايَةِ دَلِيلٌ على أنَّ الوَكِيلَ انْعَزَلَ بمَوْتِ المُوَكِّلِ وإن لم يَعْلَمْ بمَوْتِه؛ لأنه اخْتارَ أن لا يَدْفَعَ إلى الوَكِيلِ خَوْفًا مِن أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات فانْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ.
ويَجُوزُ أن يكونَ اخْتارَ هذا لئلَّا يكونَ القاضي ممَّن يَرَى أنَّ الوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بالمَوْتِ، فيَحْكُمُ عليه بالغرامةِ، وفيها دَلِيلٌ على جَوازِ تَراخِي القَبُولِ عن الإِيجابِ؛ لأنَّه وَكَّلَه في قَبْضِ الحَقِّ ولم يَعْلَمْه، ولم يكنْ حاضِرًا فيَقْبَلَ. وفيها دَلِيلٌ على صِحَّةِ التَّوكيلِ بغيرِ لَفْظِ التَّوكيل. وقد نَقَل جَعْفرُ بنُ محمدٍ، في رَجلٍ قال لرجلٍ: بِعْ ثَوْبِي. ليس بشيءٍ حتى يقولَ: قد وَكَّلْتُكَ. وهذا سَهْوٌ مِن النّاقِلِ. وقد تَقَدّمَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ على جَوازِ التَّوْكيلِ بغيرِ لفظِه ، وهو الذي نَقَلَه الجمَاعَةُ.
١٩٩٩ - مسألة: (وهل يَنْعزِلُ الوَكِيلُ بالمَوْتِ والعَزْلِ قبلَ عِلْمِه؟ على رِوايَتَينِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكالةَ عَقْدٌ جائِز مِن الطَّرَفَينِ، وقد ذَكَرْنا ذلك، فللمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيله متى شاء، وللوَكِيلِ عَزْلُ نَفسِه [وقد ذَكَرْنَاه]. وتَبْطُلُ بموتِ أحَدِهما، وجُنُونِه المُطْبِقِ. ولا خِلافَ نَعْلَمُه في ذلك مع العِلْمِ بالحالِ. فمتى تَصَرَّفَ بعدَ فَسْخِ المُوَكِّلِ. أو مَوْتِه، فهو باطِلٌ إذا عَلِمَ ذلك.
وإن لم يَعْلَمْ بالعَزْلِ، ولا بمَوْتِ المُوَكِّلِ، ففيه رِوايَتان. وللشافِعيِّ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَنْعزِلُ. وهو ظاهِر كَلامِ الخِرَقِيِّ. فعلى هذا، متى تَصَرَّفَ فبان أنَّ تَصَرُّفَه بعدَ عَزْلِه أو مَوْتِ مُوَكِّلِه، فتَصَرُّفُه باطِل؛ لأنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتَقِرُ إلى رِضا صاحِبِه، فصَحَّ بغيرِ عِلْمِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ. والثانيةُ، لا يَنْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفرِ بن محمدٍ؛ لِما في ذلك مِن الضَّرَرِ؛ لأنَّه قد يتَصَرَّفُ تَصَرُّفات فتَقَعُ باطِلةً، ورُبَّما باع الجارِيَةَ فيَطَؤُها المُشْتَرِي، أو الطَّعامَ فيَأكُلُه، أو غيرَ ذلك، فيتَصَرَّفُ فيه المُشْتَرِي،
ويَجِبُ ضَمانُه، فيتَضَرَّرُ المُشْتَرِي والوَكِيلُ. [ولأنَّه] يتَصَرَّفُ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ في حَقِّ المأْمُورِ قبلَ عِلْمِه، كالفَسْخِ. فعلى هذه الرِّوايَةِ، متى تصَرَّفَ قبلَ العِلْمِ، صَحَّ تَصَرُّفُه. وهذا قولُ أبي حنيفةَ. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّ الوَكِيلَ إن عَزَل نَفْسَه، لم يَنْعَزِلْ إلَّا بحَضْرَةِ المُوَكِّلِ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَصِحُّ رَدُّ أمْرِه بغيرِ حَضْرَتِه، كالمُودَعِ في رَدِّ الوَدِيعَةِ. وَوَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْناه.
فأما الفَسْخُ ففيه وَجْهان كالرِّوايَتَينِ. ويُمْكِنُ الفَرْقُ بينَهما بأنَّ أمْرَ الشّارِعِ يَتَضَمَّنُ المَعْصِيَةَ بتَرْكِه، ولا يكونُ عاصِيًا مع عَدَمِ العِلمِ، وهذا يَتَضَمَّنُ العَزْلُ عنه إِبْطال التَّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ منه عَدَمُ العِلْمَ.
فصل: وإذا وقَعَتِ الوَكَالةُ مُطْلَقَةً، مَلَك التَّصَرُّفَ أبدًا، ما لم يَفْسَخ الوَكالةَ، ويَحْصُلُ بقَوْلِه: فَسَخْتُ الوَكالةَ. أو: أبْطَلْتُها. أو: نَقَضْتُها. أو: أزَلْتُك. أو: صَرَفْتُكَ. أو: عَزَلْتُكَ عنها. أو يَنْهاه عن فِعلِ ما أمَرَه به، وما أشْبَهَ ذلك مِن الألفاظِ المُقْتَضِيةِ عَزْلَه، والمُؤَدِّيةِ مَعْناه، أو يَعْزِلُ الوَكِيلُ نَفْسَه، أو يُوجَدُ ما يَقْتَضِي فَسْخَها حُكمًا، على ما ذَكَرْنا، أو يُوجَدُ ما يَدُلُّ على الرُّجُوعِ عن الوَكالةِ.
فإذا وَكَّلَه في طَلاقِ امْرَأتِه ثم وَطِئَها، انْفَسخَتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على رَغْبَتِه فيها واخْتِيارِ إمْساكِها،
وكذلك لو وَطِئَ الرَّجْعِيَّ كان ارْتجاعًا لها،
فإذا اقْتَضَى رَجعَتَها بعدَ طَلاقِها، فلأن يَقْتَضِيَ اسْتِبْقاءَها على نِكَاحِه ومَنْعَ [طَلاقِه أوْلَى].
وإن باشَرَها دُونَ الفَرْجِ، أو فَعَل ما يَحْرُمُ على غيرِ الزَّوْجِ، فهل تَنْفَسِخُ الوَكالةُ في الطَّلاقِ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، بناءًا على الخِلافِ في حُصُولِ الرَّجْعَةِ به.
وإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ ثم كاتبَه أَو دَبَّرَه، انْفَسَختِ الوَكالةُ؛ لأنَّه على إحْدَى الرِّوايَتَين، لا يَبْقَى مَحَلًّا للبَيعِ، وعلى الرِّوايةِ الأخْرَى، تَصَرُّفُه فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَد الرُّجُوعَ عن بَيعِه.
وإن باعَه بَيعًا فاسِدًا لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ. ذَكَرَه ابن المُنْذِرِ.
٢٠٠٠ -
(وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ،
فَإِنْ فَسَقَ بِهِ بَطَلَتْ فِيمَا يُنَافِيهِ كَالْإِيجَابِ فِي النِّكَاحِ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي الْقَبُولِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، وَلَا بِفِسْقِهِ فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ لِنَفْسِهِ فَجَازَ لِغَيْرِهِ كَالْعَدْلِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ وَكِيلًا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ كَوَكِيلِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَوَلِيِّ الْوَقْفِ انْعَزَلَ بِفِسْقِهِ وَفِسْقِ مُوَكِّلِهِ (وَالْإِغْمَاءِ) ، لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ،
وَكَذَا النَّوْمُ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَ (التَّعَدِّي) أَيْ: تَعَدِّي الْوَكِيلِ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتِ الْأَمَانَةَ وَالْإِذْنَ،
فَإِذَا زَالَتِ الْأُولَى بِالتَّعَدِّي بَقِيَ الْإِذْنُ بِحَالِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ، لِأَنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ فَبَطَلَتْ بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ،
فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ مُجَرَّدُ أَمَانَةٍ فَنَافَاهَا التَّعَدِّي
بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهَا إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ وَتَضَمَّنَتِ الْأَمَانَةَ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَصِيرُ ضَامِنًا،
فَإِذَا تَصَرَّفَ كَمَا قَالَ مُوَكِّلُهُ، صَحَّ وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ، وَيَصِيرُ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً،
فَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا وَظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُزِيلَ لِلضَّمَانِ زَالَ فَعَادَ مَا زَالَ بِهِ (وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ، فَكَذَا لَا تَمْنَعُ اسْتَدَامَتَهَا كَسَائِرِ الْكُفْرِ وَسَوَاءٌ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَا،
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ بِهَا إِذَا قُلْنَا يَزُولُ مِلْكُهُ
وَيَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ، وَالْوَكَالَةُ تَصَرُّفٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِنْ كَانَتْ مِنَ الْوَكِيلِ لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّ رِدَّتَهُ لَا تُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفِهِ، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي مَالِهِ،
وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ،
وَفِي " الشَّرْحِ " إِنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ
فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي مَالِهِ فَيَنْبَنِي عَلَى صِحَّةٍ تَصَرُّفِ نَفْسِهِ،
فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لَمْ تَبْطُلْ،
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْقُوفٌ فَهِيَ كَذَلِكَ،
وَإِنْ قُلْنَا: يَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ بَطَلَتْ،
فَإِنْ كَانَتْ حَالَ رَدَّتِهِ فَالْأَوْجُهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا وَكَّلَ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ لَمْ تَبْطُلْ قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَصَحَّحَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ زَوَالَ مِلْكِهِ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ، فَلَا يَمْنَعُ اسْتَدَامَتَهَا وَكَإِبَاقِهِ،
وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّ تَوْكِيلَ عَبْدِهِ لَيْسَ بِتَوْكِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْدَامٌ بِحَقِّ الْمِلْكِ فَيَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ،
وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا بَاعَهُ، أَوْ وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَاعَهُ سَيِّدُهُ،
فَلَوِ اشْتَرَاهُ الْمُوَكِّلُ مِنْهُ لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّ مِلْكَهُ إِيَّاهُ لَا يُنَافِي إِذْنَهُ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ،
وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ،
وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْعِتْقُ غَيْرُ مُنَافٍ،
وَفِي جَحْدِهَا مِنْ أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: عَمْدًا - وَجْهَانِ، وَالْأَشْهَرُ فِيهِنَّ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.
تَنْبِيهٌ: تَبْطُلُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُوَكَّلِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، لِأَنَّ مَحَلَّهَا قَدْ ذَهَبَ،
فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ مُطْلَقًا وَنَفَدَ مَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ بَطَلَتْ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهِ،
وَإِنِ اسْتَقْرَضَهُ الْوَكِيلُ فَهُوَ كَتَلَفِهِ،
وَلَوْ عُزِلَ عَوَّضَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ. (وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) لَا خِلَافَ أَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا عَلِمَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ عَزْلِهِ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَاطِلٌ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ - وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ - أَنَّ تَصَرُّفَهُ غَيْرُ نَافِذٍ، لِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَصَحَّ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالطَّلَاقِ، وَالثَّانِيَةُ: وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ قَبْلَ الْعِلْمِ كَالْأَحْكَامِ الْمُبْتَدَأَةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا تَضْمِينُهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، وَذَكَرَ وَجْهًا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ لَا بِالْعَزْلِ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ، وَالْمُؤَلِّفَ وَجَمَاعَةً يَجْعَلُونَ الْخِلَافَ فِي نَفْسِ انْفِسَاخِ الْوَكَالَةِ قَبْلَ الْعِلْمِ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَ " الشَّرْحِ "، وَكَلَامِ الْمَجْدِ يَجْعَلُونَهُ فِي نُفُوذِ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ أَوْفَقُ لِمَنْصُوصِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي " الْمُغْنِي " وَلِهَذَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ لَفْظِيٌّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ، أَوْ تَصَرَّفَ فَادَّعَى أَنَّهُ عَزَلَهُ قَبْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ،
فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِبَلَدٍ آخَرَ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ،
فَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ قَبْلَ الْعِلْمِ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ،
وَلَوْ حَكَمَ قَبْلَ هَذَا الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ حَاكِمٌ لَا يَرَى عَزْلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ،
فَإِنْ كَانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ نُفِّذَ، وَالْحُكْمُ النَّاقِضُ لَهُ مَرْدُودٌ، وَإِلَّا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَالْحَاكِمُ الثَّانِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْعَزْلَ قَبْلَ الْعِلْمِ، أَوْ عَلِمَ، وَلَمْ يَرَهُ، أَوْ رَآهُ، وَلَمْ يَرَ نَقْضَ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فَحُكْمُهُ كَعَدَمِهِ.
فَرْعٌ: لَا يَنْعَزِلُ مُودَعٌ قَبْلَ عِلْمِهِ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فَمَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ.
وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ.
[حُكْمُ تَوْكِيلِ اثْنَيْنِ]
ولا تَبْطُلُ بالسُّكْرِ والإغْماءِ. أمَّا السُّكْرُ، فحيثُ قُلْنا: يَفْسُقُ به.
فإن الوَكالةَ تَبْطُلُ فيما يُنافِي الفِسْقَ، كالإيجابِ في عَقْدِ النِّكاحِ ونحوه، وإلَّا فلا.
وأما الإغْماءُ، فلا تَبْطُلُ به، قوْلًا واحدًا.
قال في «الفُصولِ»: لا تَبْطُلُ في قِياسِ المذهبِ. واقْتَصرَ عليه. والتَّعَدِّي. يعْنِي، لا تَبْطُلُ الوَكالةُ بالتَّعدِّي؛ كلُبْسِ الثوْبِ، ورُكُوبِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّابَّةِ، ونحوهما. وهذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». قال.
في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والأرْبَعِين»: والمَشْهورُ، أنَّها لا تَنْفَسِخُ.
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرى»: تَفْسُدُ في الأصح. انتهى. وذلك لأن الوَكالةَ إذْنٌ في التصَرُّفِ مع اسْتِئْمانٍ،
فإنْ زال أحدُهما، لم يَزُلِ الآخَرُ.
وقيل: تَبْطُلُ الوَكالةُ به. حَكاه ابنُ عَقِيلٍ في «نظرِيَّاتِه» وغيرُه. وجزَم به القاضي في «خِلافِه». وأطْلَقهما في «المُحَررِ»، و «الرَّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصغِيرِ».
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»، ومَن تابعَه: أطْلَقَ أبو الخَطَّابِ القَوْل أنَّهَا لا تَبْطُلُ بتَعَدِّي الوَكيلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيما وكِّلَ فيه. وهذا فيه تَفْصِيل. ومُلَخَّصُه، أنَّه إنْ أتْلَفَ بتَعَدِّيه عَينَ ما وُكِّلَ فيه، بطَلتِ الوَكالةُ،
وإنْ كانتْ عَينُ ما تعَدَّى فيه باقِيَةً، لم تَبْطُلْ. وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما، وهو مُرادُ أبِي الخَطَّابِ وغيرِه.
وقال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والأرْبَعِين»: وظاهرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ، أن المُخالفَةَ مِنَ الوَكِيلِ تَقْتَضِي فَسادَ الوَكالةِ، لا بُطْلانَها، فيَفْسُدُ العَقْدُ، ويَصيِرُ مُتَصَرفًا بمُجَردِ الإذْنِ. فعلى المذهبِ، لو تعَدَّى زالتِ الوَكالةُ، وصارَ ضامِنًا،
فإذا تصَرَّفَ كما قال مُوَكِّلُه، بَرِئَ بقَبْضِه العِوَضَ،
فإنْ رُدَّ عليه بعَيب، عادَ الضمانُ.
قال في «القواعِدِ»: وعلى المَشْهورِ؛ إنَّما يَضْمَنُ ما فيه التعَدِّي خاصةً، حتى لو باعَه وقبَض ثَمَنَه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَتَعدَّ في عَينه. ذكَرَه في «التَّلْخيصِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». ولا يزُولُ الضَّمانُ عن عَينِ ما وقَع فيه التَّعَدِّي بحالٍ، إلَّا على طَرِيقَةِ ابنَ الزَّاغُونِيِّ في الوَدِيعَةِ. وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. وهل تَبْطُلُ بالرِّدَّةِ، وحُرِّيَةِ عَبْدِه؟ على وَجْهَين. أطْلَقَ المُصَنِّفُ في بُطْلانِ الوَكالةِ بالرِّدَّةِ وَجْهَين، وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»؛
أحدُهما، لا تَبْطُلُ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الكافِي»، و «الوَجيزِ». والوَجْهُ الثَّاني، تَبْطُلُ.
وقيل: تَبْطُلُ برِدَّةِ المُوَكِّلِ دُونَ الوَكِيلِ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: ولا تَبْطُلُ برِدَّةِ الوَكِيلِ،
وإنْ لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ. وهل تَبْطُلُ برِدَّة المُوَكِّلِ؟ على وَجْهَين؛ أصْلُهما، هل يزُولُ مِلْكُه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُه، أو يكونُ مَوْقُوفًا؟ على ما يأْتِي في الرِّدَّةِ.
قال في «الفائِدَةِ السَّادِسَةَ عشَرَةَ»: إنْ قُلْنا: يزُولُ مِلْكُه. بطَلَتْ وَكالته. وأطْلَقَ المُصَنِّفُ أيضًا في بُطْلانِ الوَكالةِ بحُرِّيةِ عَبْدِه وَجْهَين، وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِي»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الرعايةِ الصغْرى»، و «الحاويَيْن»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، لا تَبْطُلُ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التصْحيحِ». وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
وقيل: تَبْطُلُ. قدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: وكذا الحُكْمُ لو باعَ عَبْدَه.
قال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: قلت: أو وهَبَه، أو كاتَبَه. انتهى.
وكذا لو وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه، فباعَه الغَيرُ.
وأمَّا إذا وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه، فأعْتَقَه ذلك الغيرُ، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
فوائد؛ منها، لو وَكَّلَ امْرأتَه، ثم طَلَّقَها، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ. ومنها، لو جحَد أحدُهما الوَكالةَ، فهل تَبْطُلُ؛ فيه وَجْهان. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْمِ»؛ أحدُهما، تَبْطُلُ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، فيما إذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
جُحِدَ التَّوْكِيلُ. والوَجْهُ الثَّاني، لا تَبْطُلُ. جزَم به في «الوَجيزِ».
وقيل: تَبْطُلُ إنْ تعَمَّدَ، وإلَّا فلا. ومنها، لا تَبْطُلُ الوَكالةُ بالإباقِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الوَجيزِ»، وقل: تَبْطُلُ . وتقدَّم نَظِيرُها في أحْكامِ العَبْدِ، في البابِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذي قبلَه. ومنها، لو وَكَّلَه في طَلاقِ زَوْجَتِه، فوَطِئَها، بطَلَتِ الوَكالةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والروايتَين.
وعنه، لا تَبْطُلُ. فعلى المذهبِ، في بُطْلانِها بقُبْلَةٍ، ونحوها خِلافٌ، بِناءً على الخِلافِ في حُصُولِ الرَّجْعَةِ به، على ما يأْتِي في بابِه، إنْ شاءَ الله تعالى. ومنها، لو وَكَّلَه في عِتْقِ عَبْدٍ، فكاتَبَه أو دَبَّرَه، بطَلَتِ الوَكالةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. ويَحْتَمِلُ صِحَّةُ عِتْقِه. وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. وهل يَنْعَزِلُ الوَكِيلُ بالمَوْتِ والعَزْلِ قبلَ عِلْمِه؟ على رِوايتَين. وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعاية الكُبْرى»، و «الفُروع»، و «الفائقِ»، و «شَرْح المَجْدِ»، و «شَرْحِ المُحَرَّرِ»؛
إحْداهما، يَنْعَزِلُ. وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
قال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهب»: انْعَزَلَ في أصحِّ الرِّوايتَين. وصحَّحه في «الخُلاصَةِ». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ، والشَّرِيفُ، وابنُ عَقِيلٍ.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هذا أشْهَرُ. قال القاضي: هذا أشْبَهُ بأُصولِ المذهبِ، وقِياسٌ لقَوْلِنا: إذا كان الخِيارُ لهما، كان لأحَدِهما الفَسْخُ مِن غيرِ حُضُورِ الآخَرِ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «نِهايةِ ابنِ رَزِينٍ»، وغيرِهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يَنْعَزِلُ. نصَّ عليها، في رِوايَةِ ابنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
مَنْصُورٍ، وجَعْفَرِ بنِ محمدٍ، وأبِي الحارِثِ. وصحَّحه في «النَّظْمِ». وقدَّمه في «الرَّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَيْن».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيل: يَنْعَزِلُ بالمَوْتِ لا بالعَزْلِ. ذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال القاضي: محَلُّ الرِّوايتَين فيما إذا كان المُوَكَّلُ فيهْ باقِيًا في مِلْكِ المُوَكِّلِ،
أمَّا إنْ أخْرَجَه مِن مِلْكِه بعِتْقٍ أو بَيعٍ، انْفَسَخَتِ الوَكالةُ بذلك. وجزَم به. وفرَّقَ القاضي بينَ مَوْتِ المُوَكلِ، بأنَّ الوَكيلَ لا يَنْعَزِلُ على رِوايَةٍ، وبينَ إخْراجِ المُوَكَّلِ فيه مِنَ المُوَكلِ بعِتْقٍ أو بَيعٍ، بأنَّه يَنْعَزِلُ جَزْمًا، بأنَّ المِلْكَ في العِتْقِ والبَيعِ قد زال،
وفي مَوْتِ المُوَكِّلِ، السِّلْعَةُ باقِيَةٌ على حُكْمِ مِلْكِه. قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وفيه نَظَر،
فإنَّ الانْتِقال بالمَوْتِ أقْوَى منه بالبَيعِ والعِتْقِ،
فإنَّ هذا يُمْكِنُ المُوَكلَ الاحْتِرازُ منه، فيَكُونُ بمَنْزِلَةِ عَزْلِه بالقَوْلِ، وذاك زال بفِعْلِ اللهِ فيه.
فوائد؛ منها، يَنْبَنِي على الخِلافِ، تَضْمِينُه وعدَمُه؛
فإنْ قُلْنا: يَنْعَزِلُ. ضَمِنَ، وإلَّا فلا.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الذينِ: لا يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
قلتُ: وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّوابُ؛ لأنَّه لم يُفَرِّطْ. ومنها، جعَل القاضي، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وجماعةٌ، محَلَّ الخِلافِ في نَفْسِ انْفِساخِ عَقْدِ الوَكالةِ قبلَ العِلْمِ. وجعَل المَجْدُ، والنَّاظِمُ، وجماعةٌ، محَلَّ الخِلافِ في نُفوذِ التَّصَرُّفِ، لا في نَفْسِ الانْفِساخِ. وهو مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِي. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهذا أوْفَقُ للنصوصِ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: والخِلافُ لَفْظِيٌّ ومنها، لا يَنْعَزِلُ مُودَعٌ قبلَ عِلْمِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، خِلافًا لأبي الخَطَّابِ، فما بيَدِه أمانَةٌ.
وقال: مِثْلُه المُضارِبُ. ومنها، لو قال شَخْصٌ لآخَرَ: اشْتَرِ كذا بينَنا. فقال: نعَمْ. ثم قال لآخَرَ: نعم. فقد عزَل نَفْسَه مِن وَكالةِ الأوَّلِ، ويكونُ ذلك له وللثَّانِي. ومنها، عُقودُ المُشارَكاتِ؛ كالشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها تَنْفَسِخُ وَإذَا وَكَّلَ اثْنَينِ، لَمْ يَجُزْ لأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، إلَّا أَنْ قبلَ العِلْمِ، كالوَكالةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأَلْيَقُ بمَذْهَبِنا في المُضارَبَةِ، والشَّرِكَةِ، لا تَنْفَسِخُ بفَسْخِ المُضَارِبِ، حتى يعْلَمَ رَبُّ المالِ والشرِيكُ؛ لأنَّه ذَرِيعَةٌ إلى عامَّةِ الأضْرارِ، وهو تَعْطِيلُ المالِ عنِ الفَوائدِ والأرْباحِ.
فائدة: لو عُزِلَ الوَكِيلُ، كان ما في يَدِه أمانَةً.
وكذلك عُقُودُ الأماناتِ كلُّها؛ كالوَدِيعَةِ، والشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، والرهْنِ، إذا انْتَهَتْ أو انْفَسَخَتْ، والهِبَةِ إذا رجَع فيها الأبُ. وهو المذهبُ. صرَّح به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ في الرَّهْنِ. وصرَّح به القاضي، وأبو الخَطابِ، في «خِلافَيهما»، في بَقِيَّةِ العُقودِ، وأنَّها تَبْقَى أمانَةً.
وقيل: تَبْقَى مَضْمُونَةً إنْ لم يُبادِرْ بالدَّفْعِ إلى المالِكِ، كمَن أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبًا. وصرَّح به القاضي في مَوضِع مِن «خِلافِه»، في الوَدِيعَةِ والوَكالةِ. وكلامُ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ يُشْعِرُ بالفَرْق بينَ الوَدِيعَةِ والرَّهْنِ، فلا يَضْمَنُ في الرَّهْنِ، ويَضْمَنُ في الوَدِيعَةِ.
قال: (وهل ينعزل الوكيل بالموت والعزل قبل علمه؟ على روايتين) .
أما كون الوكيل ينعزل بموت الموكل قبل علمه على روايةٍ؛ فلأن العزل رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه فلا يفتقر إلى علم الوكيل كالفسخ بعيب المبيع.
وأما كونه لا ينعزل على روايةٍ؛ فلأن ذلك رفع فلا يترتب عليه مقصوده قبل العلم به كالفسخ.
وأما كونه ينعزل بالعزل ففيه الروايتان نقلاً ودليلاً.
وتقييد المصنف الخلاف المذكور في المسألتين بقبل العلم مشعر بانعزاله إذا علم رواية واحدة وهو صحيح.
أما إذا مات الموكِّل؛ فلأن الوكيل يتصرف عنه بطريق النيابة وقد بطل ذلك في الأصل فكذا الفرع.
وأما إذا عزله؛ فلأن تصرفه مستنداً إلى الإذن وقد زال بالعزل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.