وَإِذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ إِذَا بَدَأَ أَحَدَهُمَا بِغَرَضٍ بَدَأَ الْآخَرُ بِالثَّانِي
الشروح عليها
مسألة: (وإذا بَدَأ أحَدُهما في وَجْهٍ، بَدَأ الآخَرُ في الثّانِي) تَعْدِيلًا بينَهما.
فإن شَرَطا البَداءَةَ لأحَدِهما في كلِّ الوُجُوهِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُناضَلَةِ على المُساواةِ، وهذا تَفاضُلٌ،
فإن فَعَلا ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ برِضاهما، جاز؛ لأنَّ البَداءَةَ لا أثَرَ لها في الإِصابَةِ، ولا في جَوْدَةِ الرَّمْي.
وإن شَرَطا أن يَبْدَأَ كلُّ واحِدٍ منهما مِن وَجْهَين مُتوالِيَين، جاز؛ لتَساويهما. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اشْتِراط البَداءَةِ في كلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرْنا غيرَ لازِمٍ، ولا يُوثِّرُ في العَقْدِ؛ لأنَّه لا أثَرَ له في تَجْويدِ رَمْيٍ، ولا كَثْرَةِ إصابَةٍ، وكثِيرٌ مِن الرُّماةِ يَخْتارُ التَّأَخُّرَ على البِدايَةِ، فيكونُ وُجُودُ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه.
وإذا رَمَى البادِئُ بسَهْمٍ، رَمَى الثانِي بسَهْمٍ كذلك، حتى يَقْضِيَا رَمْيَيهما؛ لأنَّ إطْلاقَ المُناضَلَةِ يقْتَضِي المُراسَلَةَ، ولأنَّه أقْرَبُ إلى التَّساوي، وأنْجَزُ للرَّمْيِ، لأنَّ أحَدَهما يُصْلِحُ قَوْسَه ويَعْدِلُ سَهْمَه حتى يَرْمِيَ الآخَرُ.
وإن رَمَيا سَهْمَين سَهْمَين، فحَسَنٌ.
وإنِ اشْتَرَطا أن يَرْمِيَ أحَدُهما رِشْقَه، ثم يَرْمِيَ الآخَرُ، أو يَرْمِيَ أحَدُهما عَدَدًا، ثم يَرْمِيَ الآخَرُ مِثْلَه، جاز؛ لأنَّه لا يُؤثِّرُ في مَقْصودِ المُناضَلَةِ،
وإن خالفَ مُقْتَضَى الإِطْلاقِ، كما يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ في البَيعِ ما لا يَقْتَضِيه الإِطْلاقُ مِن النُّقُودِ والخِيارِ والأجَلِ، لَمّا كان غيرَ مانِعٍ مِن المَقْصُودِ.
٢٢٤٨ - مسألة: (والسُّنَّةُ أن يكونَ لهما غَرَضان) يَرْمِيان أحَدَهما، ثم يَمْضِيانِ إليه، فيَأْخُذان السِّهامَ يَرْمِيانِ الآخَرَ؛ لأنَّ هذا كان فِعْلَ أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«مَا بَيْنَ الغَرَضَينِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».
وقال إبراهيمُ التيمِيُّ: رَأيتُ حُذَيفَةَ يَشْتَدُّ بينَ الهَدَفَين يقولُ: أنا بها . في قَمِيصٍ. وعن ابنِ عُمَرَ مِثْلُ ذلك . والهَدَفُ ما يُنْصَبُ الغَرَضُ عليه؛
إمّا تُرابٌ مَجْمُوعٌ، أو حائِطٌ. ويُرْوَى أنَّ أصْحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانُوا يَشْتَدُّون بينَ الأغْراضِ يَضْحَكُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ،
فإذا جاء اللَّيلُ كانُوا رُهْبانًا.
فإن جَعَلُوا غَرَضًا واحِدًا، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ به، وهو عادَةُ أهْلَ عَصْرِنا.
فصل: وإذا تَشاحّا في الوُقُوفِ،
فإن كان المَوْضِعُ الذي طَلَبَه أحَدُهما أوْلَى، مثلَ أن يكونَ في أحَدِ المَوْقِفَين يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، أو رِيحًا يُؤْذِيه اسْتِقْبالُها، ونحوَ ذلك، والآخَرُ يَسْتَدْبِرُها، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب اسْتِدْبارَها؛ لأنَّه العُرْفُ، إلَّا أن يكونَ في شَرْطِهما اسْتِقْبالُ ذلك، فالشَّرْطُ أوْلَى، كما لو اتَّفَقا على الرَّمي ليلًا.
وإن كان المَوْقِفان سَواءً، كان ذلك إلى الذي يَبْدَأُ، فيَتْبَعُه الآخرُ،
فإذا كان في الوَجْهِ الثانِي، وَقَف الثاني حيث شاءَ، ويَتْبَعُه الأوَّلُ.
فصل: فإن أراد أحَدُهما التَّطْويلَ والتَّشاغُلَ عن الرَّمْي بما لا حاجَةَ إليه؛ مِن مَسْحِ القَوْسِ والوَتَرِ، ونحو ذلك، إرادَةَ التَّطْويلِ على صاحِبِه، لَعَلَّه يَنْسَى القَصْدَ الذي أصاب به أو يَفْتُرُ، مُنِع مِن ذلك، وطُولِبَ بالرَّمْي، ولا يُزْعَجُ بالاسْتِعْجالِ بالكُلِّيَّةِ، بحيث يُمْنَعُ مِن تحَرِّي الإِصابَةِ. ويُمْنَعُ كل واحِدٍ منهما مِن الكَلامِ الذي يَغِيظُ به صاحِبَه، مثلَ أن يَرْتَجِزَ، ويَفْتَخِرَ، ويَتَبَجَّحَ بالإِصابَةِ، ويُعَنِّفَ صاحِبَه على الخَطَأ، أو يُظْهِرَ أنَّه يُعَلِّمُه. وهكذا الحاضِرُ معهما، مثلُ الأمِينِ والشّاهِدَين، يُكْرَهُ لهم مَدْحُ المُصِيبِ وتَعْنِيفُ المُخْطِئِ وزَجْرُه؛
لأنَّ فيه كَسْرَ قَلْبِ أحَدِهما وغَيظَه.
٢٢٤٩ -
(وَإِذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي) تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا،
فَإِنْ شَرَطَا الْبَدَاءَةَ لِأَحَدِهِمَا فِي كُلِّ الْوُجُوهِ لَمْ يَصِحَّ،
فَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرْطٍ بِرِضَاهُمَا جَازَ،
وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَبْدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ جَازَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الْبُدَاءَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرَ لَازِمٍ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ إِذَا بَدَأَ أَحَدَهُمَا بِغَرَضٍ بَدَأَ الْآخَرُ بِالثَّانِي) لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا:«مَا بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» ، وَيُرْوَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،
فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا، وَيَكْفِي غَرَضٌ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ وَهُوَ عَادَةُ أَهْلِ عَصْرِنَا.
فَرْعٌ: إِذَا تَشَاحَّا فِي الْوُقُوفِ كَأَنْ يَسْتَقْبِلَ أَحَدُهُمَا الشَّمْسَ وَالْآخِرُ يَسْتَدْبِرُهَا قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَسْتَدْبِرُهَا ; لِأَنَّهُ الْعُرْفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ، فَيُعْمَلُ بِهِ،
وَلَوْ قَصَدَ أَحَدُهُمَا التَّطْوِيلَ مُنِعَ مِنْهُ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (والسنة أن يكون لهما غرضان إذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني) .
أما كون السنة أن يكون للمتناضلين غرضان يرميان إلى أحدهما ثم يمضيان فيأخذان السهام ثم يرميان إلى الغرض الآخر؛ فلأن ذلك فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة».
وقال إبراهيم التيمي:«رأيتُ حذيفةَ يشتدّ بين الغرضينِ يقولُ: أنا بها».
وعن ابن عمر مثله . ويروى «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشتدون بين الأغراض. يضحك بعضهم إلى بعض».
وعن عمر:«علموا أولادكم الرمي والمشي بين الغرضين».
وأما كون أحد المتناضلين يبدأ بالغرض الثاني إذا بدأ صاحبه بالغرض الآخر فلتحصل المساواة بينهما.
وفي قول المصنف رحمه الله: والسنة أن يكون لهما غرضان
تنبيه على أن الغرض لو كان واحداً جاز. وهو صحيح؛ لأن الغرض معرفة حذق الرماة، وذلك حاصل بالغرض الواحد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.