وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ وَهِبَةُ كُلِّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ
الشروح عليها
مسألة: (وتَصِحُّ هِبَةُ المُشَاعِ) وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ. وسَواءٌ في ذلك ما أمْكَنَ قِسْمَتُه أو لم يُمْكِنْ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا تَصِحُّ هِبَةُ المُشاعِ الذي يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في الهِبَةِ، ووُجُوبُ القِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ وتَمامَه، وتَصِحُّ هِبَة ما لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لعَدَمِ ذلك فيه.
فإن وَهَب واحِدٌ اثْنَين شيئًا ممّا يَنْقَسِمُ، لم يَجُزْ عندَ أبي حنيفةَ، وجاز عندَ صاحِبَيه.
وإن وَهَب اثْنان اثْنَين شيئًا ممّا يَنْقَسِمُ، لم يَصِحَّ في قِياسِ قَوْلِهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن المُتَّهِبَينِ قد وُهِب له جُزْءٌ مُشاعٌ. ولَنا، أنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمّا جاءُوا يَطْلبون مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَرُدَّ عليهم ما غَنِمَه منهم، قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ». رَواه البُخارِيُّ . وهو هِبَةُ مُشاعٍ. وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء رجلٌ ومعه كُبَّةٌ مِن شَعْرٍ، فقال: أخَذْتُ هذه مِن الْمَغْنَمِ لأُصلِحَ بها بَرْذَعَةً لي، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا كَانَ لي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فهُوَ لكَ».
وروَى عُمَيرُ بنُ سَلَمَةَ الضَّمْرِيُّ، قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أتَينا الرَّوْحاءَ، فرَأينا حِمارَ وَحْشٍ مَعْقُورًا، فأرَدْنا أخْذَه، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعُوهُ، فإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجِئَ صَاحِبُه». فجاء رجلٌ مِن بَهْزٍ، وهو الذي عَقَرَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، شَأْنُكُم بالحِمارِ. فأمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[أبا بكرٍ] أن يَقسِمه بينَ النّاسِ. رَواهُ الإمامُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ .
ولأنه يجوزُ بَيعُه، فجازَتْ هِبَتُه، كالذي لا يَنْقَسِمُ. وقولُهم: إنَّ وُجُوبَ القِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ صِحَّتَه في البَيعِ، فكذا ههُنا.
ومتى كانتِ الهِبَةُ لاثْنَين، فَقَبَضاه بإذْنِه، ثَبَت مِلْكُهما فيه،
وإن قَبَضَه أحَدُهما، ثَبَت المِلْكُ في نَصِيبِه دُونَ نَصِيبِـ صاحِبِه. ٢٦١٠ - مسألة: (و) تَصِحُّ هِبَةُ (كلِّ ما يَجُوزُ بَيعُه) لأنَّه تَمْلِيكٌ في الحَياةِ، فصَحَّ، كالبَيعِ. وتَصِحُّ هِبَةُ الكَلْبِ وما يُباحُ الانْتِفاعُ به مِن النَّجاساتِ؛ لأنه تَبَرُّعٌ، فجاز في ذلك، كالوَصِيَّةِ.
ومتى قُلْنا: إنَّ القَبْضَ شَرْط في الهِبَةِ. لم تَصِحَّ الهِبَةُ فيما لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، كالعَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ الشّارِدِ، والمَغْصُوبِ لغيرِ غاصِبِه، ممّن لا يَقْدِرُ على أخْذِه منه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، أشْبَه البَيعَ.
فإن وَهَب المَغْصُوبَ لغاصِبِه، أو لمَن يَتَمَكَّن مِن أخْذِه منه، صَحّ؛ لإمكانِ قَبْضِه. وليس لغيرِ الغاصِبِ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ.
فإن وَكَّلَ المالِكُ الغاصِبَ في تَقْبِيضِه، صَحَّ.
وإن وَكَّلَ المتَّهِبُ الغاصِبَ في القَبْضِ له، فقَبِلَ ومَضَى زَمَنٌ يُمْكِن قَبْضه فيه، صار مَقْبُوضًا، ومَلَكَه المُتَّهِبُ، وبَرِئَ الغاصِبُ مِن ضَمانِه.
وإن قُلْنا: القَبْضُ ليس شَرْطًا في الهِبَةِ. فما لا يعْتَبر فيه القَبْضُ ذلك يَحْتَمِلُ أن لا يُعْتَبرَ في صِحَّةِ هِبَتِه القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بلا عِوَضٍ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ هِبَتُه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعه، أشْبَهَ الحَمْلَ في البَطْنِ.
وكذلك يخَرَّجُ في هِبَةِ الطَّيرِ في الهَواءِ، والسَّمَكِ في الماء، إذا كان مَمْلُوكًا. ٢٦١١ -
(وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ) ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا يَطْلُبُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا غَنِمَ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ،
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَمْكَنَ قِسْمَتُهُ أَوْ لَا، لَكِنْ يُعْتَبَرُ لِقَبْضِهِ إِذْنُ الشَّرِيكِ، قَالَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ "، فَيَكُونُ نِصْفُهُ مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا، وَنِصْفُ الشَّرِيكِ أَمَانَةً،
وَقَالَ فِي " الْفُنُونِ " بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " مَنِ اتُّهِبَ مُبْهَمًا أَوْ مُشَاعًا مِنْ مَنْقُولٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فِي الْقَبْضِ - كَانَ سَهْمُهُ أَمَانَةً مَعَ الْمُتَّهَبِ، أَوْ يُوَكِّلُ الْمُتَّهَبُ شَرِيكَهُ فِي قَبْضِ سَهْمِهِ مِنْهُ، وَيَكُونُ بِيَدِهِ أَمَانَةً،
وَإِنْ تَنَازَعَا قَبَضَ لَهُمَا وَكِيلُهُمَا أَوْ أَمِينُ الْحَاكِمِ، وَالْأَشْهَرُ إِنْ أُذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ مَجَّانًا فَكَعَارِيَةٍ،
وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ فَكَمَأْجُورٍ (وَ) تَصِحُّ (هِبَةُ كُلِّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ فَصَحَّ كَالْبَيْعِ،
وَظَاهِرُهُ أَنْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ،
وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ أَوْجُهٌ، وَفِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ وَجْهَانِ،
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْوَجِيزِ " تَصِحُّ هِبَتُهُ، وَنَجَاسَةٌ يُبَاحُ نَفْعُهَا كَالْوَصِيَّةِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ أَهْدَى إِلَى رَجُلٍ كَلْبَ صَيْدٍ تُرَى لَهُ أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهِ؛ قَالَ: هَذَا خِلَافُ الثَّمَنِ، هَذَا عِوَضٌ مِنْ شَيْءٍ،
فَأَمَّا الثَّمَنُ فَلَا.
[هِبَةُ الْمَجْهُولِ]
وتصِحُّ هِبَةُ المُشاعِ. هذا المذهبُ المَقْطوعُ به، عندَ الأصحابِ قاطِبَةً.
وفي طريقَةِ بعضِ الأصحابِ، ويتَخَرجُ لنا مِن عدَم إِجارَةِ المُشاعِ، أنَّه لا يصِحُّ رَهْنُه ولا هِبَتُه. وَكُلِّ مَا يَجُوزُ بَيعُهُ. وكلِّ ما يجوزُ بَيعُه. يعْنِي، تصِحُّ هِبَتُه. وهذا صحيحٌ، ونصَّ عليه. ومَفْهومُه، أنَّ ما لا يجوزُ بَيعُه لا تجوزُ هِبَتُه. وهو المذهبُ. قدَّمه في «الفُروعِ» واخْتارَه القاضي.
وقيل: تصِحُّ هِبَةُ ما يُباحُ الانْتِفاعُ به مِنَ النَّجاساتِ. جزَم به الحارِثِيُّ. [وتصِحُّ هِبَةُ] الكَلْبِ. جزَم به في «المُغْني»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ». واخْتارَه الحارِثِيُّ.
قال في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والثمانِين»: وليس بينَ القاضي وصاحِبِ «المُغْنِي» خِلافٌ في الحقيقَةِ؛ لأنَّ نقْلَ اليَدِ في هذه الأعْيانِ جائزٌ، كالوَصِيَّةِ، وقد صرَّح به القاضي في «خِلافِه». انتهى. نقَل حَنْبَل، في مَن أهْدَى إلى رَجُل كَلْبَ صَيدٍ، تَرَى أنْ يُثِيبَ عليه؟ قال: هذا خِلافُ الثمَنِ، هذا عِوَضٌ مِن شيءٍ،
فأمَّا الثمَنُ، فلا. وأطلَقَ في الكَلْبِ المُعَلَّمِ وَجْهَين في «الرِّعايَةِ»، و «القَواعِدِ الفِقهِيَّةِ».
وقيل: وتصِحُّ أيضًا هِبَةُ جِلْدِ المَيتَةِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ويظْهَرُ لي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ على الظَّهْرِ، قوْلًا واحِدًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، أنَّه لا تصِحُّ هِبَةُ أُمِّ الوَلَدِ، إنْ قُلْنا: لا يجوزُ بيعُها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
وقيل: يصِحُّ هنا، مع القَوْلِ بعدَمِ صِحَّةِ بَيعِها. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ».
قلتُ: يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ القَوْلُ بالصِّحَّةِ؛ بأنْ يكونَ حُكْمُها حُكمَ الإماءِ في الخِدْمَةِ ونحوها، إلى أنْ يموتَ الواهِبُ، فتَعْتِقَ، وتَخرُجَ مِن الهِبَةِ. وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ،
قال: (وتصح هبةُ المشاع وكل ما يصح بيعه) .
أما كون هبة المشاع تصح؛ فلأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده قال: «سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءهُ رجلٌ ومعه كُبّةٌ من شَعْر. فقال: أخذتُ هذه من المغنم لأصلح بَرْدَعَةً لي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لك» . وهذه هبة مشاع.
و«لما جاء وفد هوازن يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم [أن يرد عليهم] ما غنم منهم. فقال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» .
وأما كون هبة ما يصح بيعه تصح؛ فلأن الهبة تمليك.
فإذا صح البيع في شيء. علم أنه قابل للتمليك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.