فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ إِلَّا الْأَبُ، لَهُ تَزْوِيجُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينُ وَبَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِنَّ
الشروح عليها
مسألة: (إلَّا الأبُ له تَزْويجُ أولادِه الصِّغارِ والمَجانِينِ وبَناتِه الأبكارِ بغيرِ إِذْنِهِمِ)
أمَّا الغُلامُ العاقلُ، فلا نَعْلَمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا ، في أنَّ لأبِيه تزْويجَه. كذلك قال ابنُ المُنْذِرِ. وهذا قولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي؛ لِما رُوِيَ أنَّ ابنَ عمرَ زَوَّجَ ابْنَه وهو صَغِيرٌ، فاخْتَصَموا إلى زيدٍ، فأجازاه جَمِيعًا. رَواه الأثْرَمُ .
وأمَّا الغلامُ المَعْتُوهُ، فلأبِيه تَزْويجُه.
وقال الشَّافعيُّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يُلْزِمُه بالتَّزْويجِ حُقُوقًا مِن المَهْرِ والنَّفَقَةِ، مع عَدَمِ حاجَتِه، فلم يَجُزْ له، كغيرِه مِن الأوْلِيَاءِ. ولَنا، أنَّه غيرُ بالِغٍ، فمَلَكَ الأبُ تَزْويجَه، كالعاقِلِ، ولأنَّه إذا جازَ تَزْويجُ العاقِلِ مع أنَّ له عندَ احْتِيَاجِه إلى التَّزْويجِ رَأيًا ونَظرًا لنَفْسِه، فلَأن يَجُوزَ تَزْويجُ مَن لا يُتَوَقَّعُ فيه ذلك أولَى. ووَصِيُّ الأبِ يَقُومُ مَقامَه في ذلك كَوَكِيلِه، إذا قُلْنا بصِحَّةِ الوَصِيَّةِ في النِّكاحِ، وفيه اخْتِلاف نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: وليس لغيرِ الأبِ أو وَصِيِّه تَزْويجُ الغُلامِ قبلَ بُلُوغِه.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: للحاكِمِ تَزْويجُه؛ لأنَّه يَلي ماله.
وقال الشافعيُّ: يَمْلِكُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ تَزْويجَه، ليَألَفَ حِفْظَ فَرْجه عندَ بُلُوغِه. وليس بسَدِيدٍ،
فإنَّ غيرَ الأبِ لا يَمْلِكُ تَزْويجَ الجارِيَةِ الصَّغِيرَةِ، فالغُلامُ أوْلَى. وفارَقَ الأبَ ووَصِيَّه؛
فإنَّ لهما تَزْويجَ الصَّغِيرَةِ وولايةَ الإِجْبارِ. وسَواءٌ أذِنَ الغُلامُ في تَزْويجِه أو لم يَأذَنْ، لأنَّه لا إذْنَ له. فصل: وللأبِ تَزْويجُ البالِغِ المَعْتُوهِ، في ظاهِرِ كلام أحمدَ، والخِرَقِيِّ، مع ظُهُورِ أماراتِ الشَّهْوَةِ وعَدَمِها.
وقال القاضي: إنَّما يَجُوزُ تَزْويجُه إذا ظَهَرَتْ منه أماراتُ الشَّهْوَةِ باتِّباعِ النِّساءِ ونحوه. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّ في تَزْويجِه مع عَدَم حاجَتِه إضْرارًا به، بإلْزامِه حُقُوقًا لا مَصْلَحَةَ له في إلْزامِها.
وقال أبو بكَرِ: ليس للأبِ تَزْويجُه بحالٍ؛ لأنَّه رجلٌ، فلم يَجُزْ إجْبارُه على النِّكاحِ، كالعاقِلِ.
وقال زُفَرُ: إن طَرَأ عليه الجنُونُ بجدَ البُلُوغِ لم يَجُزْ،
وإن كان مُسْتَدامًا جازَ. ولَنا، أنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فجازَ لأبيه تَزْويجُه، كالصغيرِ، فإنَّه إذا جازَ تَزْويجُ الصَّغِيرِ مع عَدَمِ حاجَتِه في الخالِ وتَوَقُّعِ نَظَرِه، فعندَ الحاجَةِ أوْلَى. ولَنا على التَّسْويَةِ بينَ الطَّارئ والمُسْتَدام، أنَّه مَعْنًى يُثْبِتُ الولايةَ، فاسْتَوَى طارِئُه ومُسْتَدامُه، كالرِّقِّ، ولأَنَّه جُنُونٌ يُثْبِتُ الو لايةَ على مالِه، فأثْبَتَها عليه في نِكاحِه، كالمُسْتَدام.
فأمَّا اعْتِبارُ الحاجَةِ، فلا بُدَّ منها، فإنَّه لا يَجُوزُ لوَلِيِّه تَزْويجُه إلَّا إذا رَأى المَصْلَحَةَ فيه، غيرَ أنَّ الحاجَةَ لا تَنْحَصِرُ في قَضاءِ الشَّهْوَةِ، بل قد تَكونُ حاجَتُه إلى الإِيواءِ والحِفْظِ، ورُبَّما كان دَواءً له يُتَرَجَّى به شِفاؤه، فجازَ التَّزْويجُ له، كقَضاءِ الشَّهْوَةِ.
فصل: ومَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ لا يَجُوزُ تَزْويجُه إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّ ذلك مُمْكِنٌ،
ومَن أمْكَنَ أن يَتَزَوَّجَ لنَفْسِه، لم تَثْبُتِ الولايةُ عليه، كالعاقِلِ.
ولو زَال عَقْلُه ببِرْسَامٍ أو مَرَض مَرْجُوِّ الزَّوالِ، فهو كالعاقِلِ،
فإنَّ ذلك لا يثبِتُ الولادةَ على مالِه، فعلى نَفْسِه أولَى.
وإن لم يُرْجَ زَوالُه، فهو داخِلٌ فيما ذَكَرْناه.
فصل: وليس لغيرِ الأبِ ووَصِيِّه تَزْويجُ المَعْتُوهِ البالِغِ. وبه قال مالكٌ.
وقال أبو عبدِ اللهِ بن حامِدٍ: للحاكِمِ تَزْويجُه إذا ظَهَر منه شَهْوَةٌ للنِّساءِ، بأن يَتْبَعَهُنَّ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ ذلك مِن مَصالِحه، وليس له حالٌ يُنْتَظَرُ فيها إذْنُه. وسنَذْكُرُ ذلك في تَزْويج المَجْنُونَةِ . ويَنْبَغِي أن يَجُوزَ تَزْويجُه إذا قال أهْلُ الطِّبِّ: إنَّ في ذلك ذَهابَ عِلَّتِه. لأنَّه مِن أعْظَمِ مَصالِحِه.
فصل: وإذا زَوَّجَ الصغيرَ أو المجنونَ، فإنَّه يَقْبَلُ لهما النِّكاحَ، ولا يَأذَنُ لهما في قَبُولِه؛ لأنَّهما ليسَا مِن أهلِ التَّصَرُّفِ.
فإن كان الغُلامُ ابنَ عَشْر، وهو مُمَيِّزٌ، فقِياس المذهبِ جَوازُ تَفْويضِ القَبُولِ إليه، حتى يتَوَلَّاهُ بنَفْسِه، كما يُفَوَّضُ أمْرُ البَيعِ إليه.
وإن تَزَوَّجَ له الوَلِيّ جازَ، كما يَجُوزُ أن يَبْتاعَ له. وهذا على الرِّوايَةِ التي تقولُ بصِحَّةِ بَيعِه ووُقُوعِ طَلاقِه.
فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ ذلك منه. فهذا أولَى. فصل: وذَكَر القاضي أنَّه لا يَجُوزُ أن يَتَزَوَّجَ لهما بأكثرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ في حَقِّ الغيرِ، فلم تَجُزِ الزِّيادَةُ فيها على عِوَضِ المِثْلِ، كبَيعِ مالِه. وهذا مذهبُ الشافعي.
وإذا قُلْنا: إنَّ للأبِ تَزْويجَ ابْنَتِه بدونِ صَداقِ مِثْلِها. فهذا مِثْلُه، فإنَّه قد يَرَى المَصْلَحَةَ في ذلك، فجازَ له بَذْلُ المالِ فيه، كما يَجُوزُ في مُدَاوَاتِه، بل الجوازُ ههُنا أوْلَى؛
فإنَّ الغالِبَ أنَّ المرأةَ لا تَرْضَى بتَزْويجِ المجنونِ إلَّا أن تُرَغَّبَ بزِيادَةٍ على مَهْرِ مِثْنها، فيتَعَذَّرُ الوُصولُ إليه بدونِ ذلك،
بخِلافِ المرأةِ. وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»، أنَّ قِياسَ المذهبِ أنَّه لا يُزَوَّجُ بأكثرَ مِن امرأةٍ واحِدَةٍ؛ لعَدَمِ حاجَتِه إلى زِيادَةٍ عليها، فيكونُ بَذْلًا لمالِه فيما لا حاجَةَ به إليه. وذَكَر في «الجامِعِ»، أنَّ له تَزْويجَ ابْنِه الصغيرِ بأرْبَع؛ لأنَّه قد يَرَى المَصْلَحَةَ فيه. وليس له تَزْويجُه بمَعِيبَةٍ عَيبًا يُرَد به النِّكاحُ؛
فإنَّ فيه ضَرَرًا به، وتَفْويتَ مالِه فيما لا مَصْلَحَةَ له فيه،
فإن فَعَل، خُرِّجَ في صِحَّةِ النِّكاحِ وَجْهان؛
فإن قُلْنا: يَصِحُّ. فهل للوَلِي الفَسْخُ في الحالِ؟ على وَجْهَين، نَذْكُرُ تَوْجِيهَهما في تَزْويجِ الصغيرةِ بمَعِيبٍ.
فإن لم يَفْسَخْ حتى بَلَغَ الصَّبِيُّ أو عَقَل المجنونُ، فلهما الفَسْخُ. وليس له تَزْويجُه بأمَةٍ؛ لأنَّ إباحَتَها مَشْرُوطَةٌ بخَوْفِ العَنَتِ، وهو مَعْدُومٌ في حَقِّ الصَّبِيِّ، غيرُ مَعْلوم في حَقِّ المجنونِ.
فصل: فأمَّا الإِناثُ، فللأبِ تَزْويجُ ابْنَتِه البِكْرِ الصغيرةِ التي لم تَبْلُغ تِسْع سِنِين، بغيرِ خلافٍ، إذا وَضَعَها في كَفاءَةٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ نِكاحَ الأبِ ابْنَتَه الصغيرةَ جائِزٌ، إذا زَوَّجَها مِن كفْءٍ، يَجُوزُ له ذلك مع كَراهَتِها وامْتِناعِها. وقد دَلَّ على جَوازِ تَزْويجِ الصغيرةِ قولُ اللهِ تعالى:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}، فجعَلَ لِلَّائِي لم يَحِضْنَ عِدَّةَ ثلاثةِ أشْهُرٍ، ولا تكونُ العِدَّةُ ثلاثةَ أشْهُر إلَّا مِن طَلاقٍ في نِكاحٍ [أو فسْخٍ]، فدَلَّ ذلك على [أنها تُزَوَّجُ] وتُطلَّقُ، ولا إذْنَ لها يُعْتَبَرُ.
وقالت عائشةُ: تَزَوَّجَنِي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابْنَةُ سِتٍّ، وبَنَى بي وأنا ابنةُ تِسْعٍ. مُتَّفَقٌ عليه . ومَعْلُومٌ أنَّها لم تَكُنْ في تلك الحالِ مِمَّن يُعْتَبَرُ إذنها. وروَى الأثْرَمُ أنَّ قُدامَةَ بن مظْعُونٍ تزَوَّجَ ابْنةَ الزُّبَيرِ حينَ نَفِسَتْ، فقِيلَ له، فقال: ابنةُ الزُّبَيرِ إن مِتُّ وَرِثَتْني،
وإن عِشْتُ كانتِ امْرَأتِي. وزَوَّجَ على ابْنَتَه أمَّ كُلْثُوم وهي صغيرة عمرَ بنَ الخَطَّابِ، رَضِيَ الله عنهما.
فصل: وفي البِكْرِ البالغةِ العاقلةِ رِوايتان، إحْدَاهما، إجْبارُها على النكاحِ. وهذا مذهبُ مالكٍ، وابنِ أبي ليلَى، والشَّافعيِّ، [وإسْحاقَ]. والثانيةُ، ليس له ذلك. اخْتارَها أبو بكر. وهو مذهبُ الأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُنْكحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتأمرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأذَنَ». فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف إذنها؟ قال:«أَنْ تَسْكُتَ». مُتَّفَقٌ عليه .
وروَى أبو داودَ، وابنُ ماجَه ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ جاريَةً بِكْرًا أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ أنَّ أباهَا زَوَّجَها وهي كارِهَةٌ، فخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّها جائِزَةُ التَّصَرُّفِ في مالِها، فلم يَجُزْ إجْبارُها، كالثَّيِّبِ، والرجلِ. ووَجْهُ الأولَى، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«الْأيمُ أحقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأمَرُ، وَإذنهَا صُمَاتُهَا». رَواه أبو داودَ .
فلمَّا قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَين، وأثْبَتَ الحقَّ لأحَدِهما، دَلَّ على نَفْيِه عن الآخَرِ، وهو البِكْرُ، فيَكونُ وَلِيُّها أحَقَّ منها بها، ودَلَّ الحديثُ على أنَّ الاسْتِئْمارَ ههُنا، والاسْتِئْذانَ في حَدِيثهم مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، كما روَى ابنُ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ». رَواه أبو داودَ . وحديثُ التي خَيَّرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّها التي زَوَّجَها أبوها مِن ابنِ أخِيه ليَرْفَع بها خَسيستَه ، فتَخْيِيرُها لذلك.
[ولأنَّ ما] لا يُشْتَرَطُ في نِكاحِ [الصغيرةِ لا يُشترطُ في نكاحِ] الكَبِيرَةِ، كالنُّطْقِ
(فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ، (إِلَّا الْأَبُ، لَهُ تَزْوِيجُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ) أَيْ: لِلْأَبِ خَاصَّةً تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ الْعَاقِلِ - أَذِنَ أَوْ كَرِهَ - وِفَاقًا ; لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى زَيْدٍ، فَأَجَازَاهُ جَمِيعًا ; وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ تَوْلِيَةٍ، فَكَانَ لَهُ تَزْوِيجُهُ كَابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي إِجْبَارِهِ مُرَاهِقًا نَظَرٌ، وَيَتَوَجَّهُ كَأُنْثَى أَوْ عَبْدٍ مُمَيِّزٍ،
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ قُبِلَ، ذَكَرَهُ فِي " الْإِيضَاحِ " (وَالْمَجَانِينُ) ; لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُمْ، فَكَانَ لَهُ وَلَاءُ تَزْوِيجِهِمْ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَازَ التَّزْوِيجُ مِنْ أَجْلِهِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُزَوِّجُ بَالِغًا إِلَّا إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الشَّهْوَةِ بِاتِّبَاعِ النِّسَاءِ لِلْمَصْلَحَةِ ،
وَقِيلَ: بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: وَاحِدَةٌ،
وَفِي أَرْبَعٍ وَجْهَانِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهُ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ رَجُلٌ، فَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهُ كَالْعَاقِلِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَالْبَالِغُ أَوْلَى،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ مَنْ يَخْنُقُ فِي الْأَحْيَانِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
فَرْعٌ: يُزَوِّجُهُمَا حَاكِمٌ لِحَاجَةٍ، وَظَاهِرُ الْإِيضَاحِ لَا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ،
وَفِي " الْفُصُولِ "، وَغَيْرِهِ حَاجَةُ نِكَاحٍ فَقَطْ، وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " بِكُفْءٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ (وَبَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِنَّ) أَيْ: تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ - بِغَيْرِ خِلَافٍ - إِذَا زَوَّجَهَا بِكُفْءٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} الْآيَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تُزَوَّجُ ثُمَّ تُطَلَّقُ، وَلَا إِذْنَ لَهَا فَتُعْتَبَرُ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَكَذَا لَهُ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ، فَهِيَ امْرَأَةٌ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْقَاضِي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
فَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً، فَلَهُ إِجْبَارُهَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ; لِحَدِيثِ:«الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ،
فَإِنْ أُجْبِرَتْ، أُخِذَ بِتَعْيِينِهَا كُفُؤا لَا بِتَعْيِينِ الْمُجْبِرِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِجْبَارِ بِشُرُوطٍ: أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ، بِمَهْرِ الْمِثْلِ،
وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُزَوَّجُ مُعْسِرًا،
وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَبِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ،
وَأَنْ يُزَوِّجَهَا بِنَقْدِ الْبَلَدِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.