فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ تَحْرَمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن مِتْنَ قبلَ الدُّخُولِ، فهل تَحْرُمُ بَناتُهُنَّ؟ على رِوايَتَين) إحْدَاهُما، تَحْرُمُ ابْنَتُها. وبه قال زيدُ بنُ ثابتٍ. وهي اختيارُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ المَوْتَ أُقِيمَ مُقامَ الدُّخُولِ في تَكْمِيلِ العِدَّةِ والصَّداقِ، فيَقُومُ مَقامَه في تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ. والثانيةُ، لا تَحْرُمُ. وهو قولُ عليٍّ، وعامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ علماءِ الأمصارِ، أنَّ الرجلَ إذا تَزَوَّجَ المرأةَ ثم طَلَّقَها، أو ماتَتْ قَبْلَ أن يَدْخُلَ بها، حَلَّ له أن يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها، كذلك قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ،
ومَن تَبِعَهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ}. وهذا نَصٌ يُتْرَكُ بقياسٍ ضعيفٍ، وقد ذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ، ولأنَّها فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخولِ، فلم تُحَرِّمِ الرَّبِيبَةَ، كفُرْقَةِ الطَّلاقِ، والموتُ لا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخولِ في الإِحْصانِ والإحْلالِ، وقيامُه مَقامَه مِن وَجْهٍ ليس بأَولَى مِن مُفارَقَتِه إيَّاه مِن وَجْهٍ آخَرَ،
ولو قام مَقَامَه مِن كلِّ وَجْهٍ فلا يُتْرَكُ صَرِيحُ نصِّ اللهِ تعالى و نَصِّ رسولِه لقياس ولا غيرِه. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ الدُّخُولَ بها وَطْؤُها، كنى عنه بالدُّخُولِ،
فإن خَلَا بها ولم يَطَأْها، لم تَحْرُم ابْنَتُها؛ لأنَّها غيرُ مَدْخولٍ بها.
٣١٣٧ - مسألة: (ويَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ بالوَطْءِ الحَلالِ والحَرامِ) فإذا زَنَى بامرأَةٍ حَرُمَتْ على أبِيه وابْنِه، وحَرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها، كما لو وَطِئَها بشُبْهَةٍ أو حَلالًا.
ولو وَطِئَ أُمَّ امْرأتِه أو ابْنَتَها، حَرُمَتْ عليه امرأتُه. نَصَّ أحمدُ على هذا في روايةِ جماعةٍ. ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ. وبه قال الحسنُ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ وَطْءَ الحَرام لا يُحَرِّمُ . وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ويَحْيىَ بنُ يَعْمُرَ، وعُرْوَة، والزُّهْرِي، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لَا يُحَرِّمُ الحَرَامُ الحَلَال».
ولأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به المَوْطُوءَةُ فِرَاشًا، [فلا يُحَرِّمُ]، كوَطْءِ الصَّغِيرةِ. ولَنا، قولُه سبحانَه:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}. والوَطْءُ يُسَمَّى نِكاحًا،
قال الشاعرُ:
إذا زَنَيتَ فأجِدْ نِكاحًا فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ،
وفي الآيَةِ قَرِينةٌ تَصْرِفُه إلى الوَطْءِ، وهو قولُه سبحانَه:{إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}. وهذا التَّغْلِيظُ إنَّما يكونُ في الوَطْءِ. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لَا يَنْظُرُ الله إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرأةٍ وابْنَتِها». وروَى الجُوزْجانِيُّ بإسنادِه عن وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: مَلْعُونٌ مَن نَظَر [إلى فَرْجِ] امرأةٍ وابْنَتِها . فذَكَرْتُه لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، فأعْجَبَه. ولأنَّ ما تَعَلَّقَ مِن التَّحْرِيمِ بالوَطْءِ المُباحِ ، تَعَلَّقَ بالمَحْظُورِ، كوَطْءِ الحائِضِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُه الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، فأفْسَدَه الوَطْءُ الحَرامُ، كالإحْرامِ.
وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، وإنَّما هو مِن كلام ابنِ أشْوَعَ بعضِ قُضاةِ العِراقِ، كذلك قال الإمامُ أحمدُ.
وقيلَ: إنَّه مِن قولِ ابنِ عباسٍ. ووَطْءُ الصغيرةِ مَمْنُوعٌ، ثم يَبْطُلُ بوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
فصل: والوَطْءُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ، مُباحٌ، وهو الوَطْءُ مِن نِكاحٍ صحيح أو مِلْكِ يمينٍ، فيَتَعَلَّقُ به تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ بالإِجْماعِ، ويصيرُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه؛ لأنَّها حَرُمَتْ عليه على التَّأْبِيدِ بسَبَبٍ مُباحٍ، أشْبَهَ النَّسَبَ. الثاني، الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، وهو الوَطْءُ في نِكاح فاسِدٍ، أو شِراءٍ فاسِدٍ، أو وَطْءُ امرأةٍ ظَنَّها امرأتَه أو أمَتَه، أو وَطْءُ الأمَةِ التي له فيها شِرْكٌ، وأشباهُ ذلك، فيَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ كتَعَلُّقِه بالوَطْءِ المُباحِ إجماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الرجلَ إذَا وَطِئ امرأةَ بنِكاح فاسِدٍ أو شِراءٍ فاسِدٍ، أنَّها تَحْرُمُ على أبِيه وابْنِه، وأجْدادِه ووَلَدِ وَلَدِه.
وهذا مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، لأنَّه وَطْءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فأثْبَتَ التَّحْرِيمَ، كالوَطْءِ المُباحِ. ولا يَصِيرُ به الرجلُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه، ولا يُباحُ له النَّظَرُ إليها بذلك، لأنَّ الوَطْءَ ليس بمُباحٍ، والمَحْرَمِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بكَمالِ حُرْمَةِ الوَطْءِ؛ لأنَّها إباحَةٌ، ولأنَّ المَوْطُوءَةَ لم يَسْتَبِحِ النَّظَرَ إليها، فلأن لا يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلى غيرِها به أَولَى. الثالثُ، الحَرَامُ المَحْضُ، وهو الزِّنى، فيَثْبُتُ به التَّحْرِيمُ، على الخِلافِ المذكورِ، ولا تَثْبُتُ به المَحْرَمِيَّةُ، ولا إباحَةُ النَّظرَ؛
لأنَّها إذا لم تَثْبُتْ بوَطء الشُّبْهَةِ، فبالحَرامِ المَحْضِ أوْلى، ولا يَثْبُتُ به النَّسَبُ،
ولا يَجِبُ به المَهْرُ للمُطاوعَةِ إذا كانت حُرَّةً. فصل: ويَسْتَوي في ذلك الوَطْءُ في القُبُلِ والدُّبُرِ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ إذا وُجِدَ في الزَّوجَةِ والأَمَةِ، فكذلك في الزِّنَى.
٣١٣٨ -
(فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ) أَوْ مَاتَتْ (فَهَلْ تَحْرَمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وَكَالطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ، لَا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخُولِ فِي الْإِحْلَالِ وَالْإِحْصَانِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قِيَاسًا عَلَى تَكْمِيلِ الْعِدَّةِ وَالصَّدَاقِ. (وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ) اتِّفَاقًا (وَالْحَرَامِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وَفِيهَا دَلَالَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى الْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ ;
لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا} وَهَذَا التَّغْلِيظُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَطْءِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ; وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورِ، كَوَطْءِ الْحَائِضِ ; وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يُفْسِدُهُ الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ، وَأَفْسَدَهُ الْوَطْءُ الْحَرَامُ كَالْإِحْرَامِ،
وَذَكَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الْمُغْنِي "، و" التَّرْغِيبِ ": وَلَوْ بِوَطْءِ دُبُرٍ،
وَقِيلَ: لَا، وَنَقَلَ بِشْرُ بْنُ مُوسَى: لَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْحَلَالَ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْحَرَامُ مُبَايِنٌ لِلْحَلَالِ
بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ وَهُنَّ ضَرْبَانِ؛ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ، وَهُنَّ أرْبَعَةُ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ، وَهُنَّ سَبْعٌ؛ الأمَّهَاتُ، وَهُنَّ الْوَالِدَةُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالأُمِّ،
وَإنْ عَلَوْنَ، وَالْبَنَاتُ بابُ المُحَرَّماتِ في النِّكاحِ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَبَنَاتُ الْأوْلَادِ،
وإِنْ سَفَلُوا، وَالْأخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَبَنَاتُ الأَخِ، وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأَوْلَادُهُمْ،
وَإنْ سَفَلُوا، وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالاتُ، وَإنْ عَلَوْنَ، وَلَا تحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ.
فائدة: قولُه: والبَناتُ مِن حلالٍ أو حَرامٍ.
وكذا بِنْتُه المَنْفِيَّةُ بلِعانٍ ومِن شُبْهَةٍ. ويكْفِي في التَّحْريمِ أنْ يَعْلَمَ أنَّها بِنْتُه ظاهِرًا،
وإنْ كان النَّسَبُ لغيرِه. قاله القاضي في «التَّعْليقِ». فظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في اسْتِدْلالِه، أنَّ الشبَهَ كافٍ في ذلك. قاله الزَرْكَشِيُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات؛ الأوَّلُ، شَمِلَ قوْلُه: والعَمَّاتُ. عَمَّةَ أبيه وأُمِّه لدُخولِهما في عمَّاتِه، وعَمَّةَ العَمِّ لأبٍ لأنَّها عَمَّةُ أبِيه، لا عَمَّةُ العَمِّ لأمٍّ لأنَّها أجْنَبِيَّةٌ منه. وتحْرُمُ خالةُ العَمَّةِ لأُمٍّ، ولا تحْرُمُ خالةُ العَمَّةِ لأبٍ لأنَّها أجْنَبِيَّةٌ. وتحْرُمُ عَمَّةُ الخالةِ لأبٍ لأنَّها عَمَّهُّ الأمِّ، ولا تحْرُمُ عَمَّةُ الخالةِ لأُمٍّ لأنَّها أجْنَبِيَّةٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي، الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ.
وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ سَوَاءً.
الثَّاني، قوْلُه: القِسْمُ الثَّاني، المُحَرَّماتُ بالرَّضَاعِ،
ويَحْرُمُ به ما يحْرُمُ بالنَّسَبِ سَواءً. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قال ابنُ البَنَّا في «خِصالِه»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما: إلَّا أمَّ أخِيه وأُختَ ابنِه، فإنَّهما يحْرُمان مِنَ النَّسَبِ ولا يحْرُمان بالرَّضاعِ. وقاله الأصحابُ. لكِنَّ أمَّ أخِيه إنَّما حَرُمَتْ مِن غيرِ الرَّضاعِ مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ لكَوْنِها زَوْجَةَ أبِيه، وذلك مِن جِهَةِ تحْريمِ المُصاهَرَةِ لا مِن جِهَةِ تحْريمِ النَّسَبِ،
وكذلك أُخْتُ ابْنِه إنَّما حَرُمَتْ لكَوْنِها رَبِيبَةً، فلا حاجَةَ إلى اسْتِثْنائِهما. وقد قال الزَّرْكَشِيُّ، وغيرُه من الأصحابِ: والصَّوابُ عندَ الجُمْهورِ عدَمُ اسْتِثْنائِهما.
وقال في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والخَمْسِين بعدَ المِائةِ»: يحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه لا يثْبُتُ به تحْرِيمُ المُصاهَرَةِ، فلا يَحْرُمُ على الرَّجُلِ نِكاحُ أُمِّ زوْجَتِه وابْنَتِها مِنَ الرَّضاعِ، ولا على المَرْأةِ نِكاحُ أبِي زَوْجِها وابنِه مِنَ الرَّضاعِ.
وقال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ ابنِ بَدِينا ، في حَليلَةِ الابنِ مِنَ الرَّضاعِ: لا يُعْجِبُنِي أنْ يتَزَوَّجَها، يحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. وليس على هذا الْقِسْمُ الثَّالِثُ، الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهَاتُ الضابطِ إيرادٌ صحيحٌ سِوَى المُرْتَضَعَةِ بلَبَنِ الزِّنَى ، والمَنْصوصُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ ابنِه عَبْدِ اللهِ، أنَّها مُحَرَّمَةٌ كالبِنْتِ مِنَ الزِّنى، فلا إيرادَ إذنْ. انتهى.
الثَّالثُ، قولُه: القِسْمُ الثَّالِثُ، المُحَرَّماتُ بالمُصاهَرَةِ، وهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهاتُ نِسائِه. فيحْرُمْنَ بمُجَرَّدِ العَقْدِ على البِنْتِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ قاطِبَةً.
وعنه، أُمَّهاتُ النِّساءِ كالرَّبائب، لا يحْرُمْنَ إلَّا بالدُّخول ببَناتِهِنَّ. ذكَرَها الزَّرْكَشِيُّ. نِسَائِهِ، وَحَلَائل آَبائِهِ الرابعُ، دخَل في قوْلِه: وحَلائلُ آبائِه. كلّ مَن تزَوَّجَها أبُوه، أو جَدُّه لأبِيه أو لأُمِّه، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ،
وإنْ عَلا، سَواءٌ دخَل بها أو لم يدْخُلْ، طَلَّقها وَأَبْنَائِهِ، فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ دُونَ بَنَاتِهِنَّ، أو ماتَ عنها أو افْترَقا بغيرِ ذلك. ودخَل في قوْلِه: وأبْنائِه. يعْنِي وحَلائلَ أبْنائِه. كلُّ مَن تزَوَّجَها أحدٌ مِن أوْلادِه، أو أولادِ أولادِه وإنْ نزَلُوا، سَواءٌ كانُوا مِن أوْلادِ البَنِين أو البَناتِ، مِن نسَبٍ أو رَضاعٍ. وَالرَّبَائِبُ؛ وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ دُونَ الَّلاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، الخامسُ، ظاهِرُ قولِه: والرَّبائبُ؛ وهُنَّ بَناتُ نِسائِه اللَّاتِي دخَل بهنَّ.
أنَّه سَواءٌ كانتِ الرَّبِيبَةُ في حِجْرِه أو لا. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جماهِيرُ الأصحاب.
وقيل: لا تحْرُمُ إلَّا إذا كانتْ في حِجْرِه. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. وهو ظاهِرُ القُرآنِ.
فائدة: يحْرُمُ عليه بِنْتُ ابنِ زَوْجَتِه. نقَلَه صالِحٌ وغيرُه. وذكَر الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه لا يَعْلَمُ فيه نِزاعًا. ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والخَمْسِين بعدَ المِائَةِ». ولا تحْرُمُ زَوْجَةُ رَبِيبِه. ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ»،
فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ». ونصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ ابنِ مُشَيشٍ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: لا أعْلَمُ فيه نِزاعًاء
ويُباحُ للمَرْأةِ ابنُ زوْجَةِ ابْنِها، وابنُ زَوْجِ ابْنَتِها، وابنُ زَوْجِ اُّمِّها، وزَوْجُ زَوْجَةِ أبِيها، وزَوْجُ زَوْجَةِ ابنِها. ذكَرَه في «الرِّعايتَين»، و «الوَجيزِ». فإنْ مِتْنَ قبلَ الدُّخُولِ، فهل تَحْرُمُ بَناتُهُنَّ؟ على رِوايتَين. يعْنِي إذا ماتَتِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَعْقودُ عليها قبلَ الدُّخُولِ، ولها بِنْتٌ. وأَطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»؛ إحْداهما، لا يحْرُمْنَ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما، وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، يحْرُمْنَ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ في «المُقْنِعِ».
فائدتان؛ إحْداهما، مِثْلُ ذلك في الحُكْمِ لو أبانَها بعدَ الخَلْوَةِ وقبلَ الدُّخُولِ، خِلافًا ومذهبًا. قاله في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. قال الزَّرْكَشِيُّ: إذا طلَّقَ بعدَ الخَلْوَةِ وقبلَ الوَطْءِ، فرِوايَتان، أنَصُّهما -وهو الذي قطَع به القاضي في «الجامِعِ الكَبِيرِ» في مَوْضِعٍ،
وفي «الخِصالِ»، وابنُ البَنَّا، والشِّيرازِيُّ -ثُبوتُ حُكْمِ الرَّبيبَةِ. وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، والثَّانيةُ- وهي اخْتِيارُ أبِي محمدٍ، وابنِ عَقِيلٍ، والقاضي في «المُجَرَّدِ»،
وفي «الجامِعِ» في مَوْضِعٍ- لا يثْبُتُ. وقدَّم في «المُغْنِي» أنَّها لا تحْرُمُ. وصحَّحه في مَوْضِعٍ آخَرَ.
قلتُ: وصحَّحَه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، في كِتابِ الصَّداقِ. وهو المذهبُ. الثَّانيةُ، قطَع المُصَنِّفُ وغيرُه [مِنَ الأصحابِ- في المُباشَرَةِ] ونظَرِ الفَرْجِ- بعَدَمِ التَّحْرِيمِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وقد يُقالُ بالتَّحْرِيمِ؛ بِناءً على تَقرُّرِ الصَّداقِ. ويأْتِي أيضًا التَّنْبِيهُ على الخَلْوَةِ فيما يُقرِّرُ الصَّداقَ في بابِه. ولا يثْبُتُ التَّحْريمُ باسْتِدْخالِ ماءِ الرَّجُلِ. نصّ عليه في «التَّعْليقِ» في اللِّعانِ. ويثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ بالوَطْءِ الحَلالِ والحَرامِ.
أمَّا ثُبوتُ تحْريمِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُصاهَرَةِ بالوَطْءِ الحَلالِ فإجْماعٌ. ويثْبُتُ بوَطْءِ الشُّبْهَةِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وحَكاه ابن المُنذِرِ إجْماعًا. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يثْبُتُ. وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ». وحِكايةُ هذا الوَجْهِ منه عَجيبٌ؛ فإنَّه جزَم بأنَّ الوَطْءَ في الزِّنَى كالنِّكاحِ الصَّحيحِ، وأطْلَقَ وَجْهَين في الوَطْءِ بشُبْهَةٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ ليس بحَلالٍ ولا حَرامٍ؛ فقال: ووَطْءُ الحَرام مُحَرِّمٌ كما يُحَرِّمُ وَطْءُ الحَلالِ والشُّبْهَةِ. وصرَّح القاضي في «تَعْليقِه» أنَّه حَرامٌ.
وأَمَّا ثبُوتُه بالوَطْءِ الحَرامِ فهو المذهبُ. نصَّ عليه في رِوايَةِ جماعَةٍ. وذكَر القاضي في «الخِلافِ»، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ» أنَّه يثْبُتُ تحْريمُ المُصاهَرَةِ بوَطْءِ الدُّبُرِ بالاتِّفاقِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «التَّرْغِيبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَينٍ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
قال في «المُذْهَبِ»: إذا وَطِئَ امْرأةً بزِنًى كان كالوَطْءِ في النِّكاحِ.
وقيل: لا يثْبُتُ تحْرِيمُ المُصاهَرَةِ بوَطْء الدُّبُرِ. ونقَل بِشْرُ بنُ محمدٍ ، لا يُعْجِبُنِي. ونَقَل المَيمُونِيُّ، إنّما حرَّم اللهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالحَلالِ على ظاهِرِ الآيَةِ ، والحَرامُ مُباينٌ للحَلالِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الوَطْءُ الحَرامُ لا ينْشُرُ تحْريمَ المُصاهَرَةِ. واعْتَبرَ في مَوْضِع آخَرَ التَّوْبَةَ حتى في اللِّواطِ، وحرَّم بِنْتَه مِنَ الزِّنَى،
وقال: إنْ وَطِئَ بِنْتَه غَلَطًا لا ينْشُرُ، لكَوْنِه لم يتَّخِذْها زوْجَةً، ولم يُعْلِنْ نِكاحًا.
فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أوْ صَغِيرَةً، فَعَلَى وَجْهَينِ،
تنبيه: شَمِلَ قوْلُه: الحَرامِ. الوَطْءَ في قُبُلِها ودُبُرِها. وهو كذلك. قاله الأصحابُ، كما تقدَّم.
فلو زَنَى بامْرَأةٍ، حرُمَتْ على أبِيه وابْنِه، وحرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها، كوَطْءِ الحَلال والشُّبْهَةِ.
ولو وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِه أو ابْنَتَها، حرُمَتْ عليه امْرَأَتُه. نصَّ عليه. ولكِنْ لا يُثْبِتُ مَحْرَمِيَّةً، ولا إباحَةَ النَّظَرِ.
قال: (ويثبت تحريم المصاهرة بالوطء الحلال والحرام. فإن كانت الموطوءة ميتة أو صغيرة فعلى وجهين) .
أما كون تحريم المصاهرة يثبت بالوطء الحلال والحرام؛ فلأن الله تعالى قال:{ولا تَنكحوا ما نَكح آباؤكم من النساء} يعمهما؛ لأن الوطء الحرام يسمى نكاحاً.
قال الشاعر:
إذا زنيت فأجد نكاحًا وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء لا إلى العقد وهو قوله تعالى:{إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلا}. وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا ينظرُ اللهُ إلى وجهِ رجلٍ نظرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتِهَا».
وعن وهب بن منبّه:«ملعونٌ من نظرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتِهَا». رواه الجوزجاني بإسناده.
ولأن ما تعلق بالوطء المباح تعلق بالمحظور؛ كوطء الحائض.
ولأن النكاح يفسده الوطء بالشبهة. فأفسده الوطء الحرام؛ كالإحرام.
وأما كونه يثبت بوطء الميتة على وجه؛ فلأن الوطء ينشر الحرمة المؤبدة. فلم يختص بالحياة؛ كالرضاع.
وأما كونه لا يثبت على وجه؛ فلأنه ليس بسبب للبضعية. ولأن التحريم يتعلق باستيفاء منفعة الوطء، والموت يبطل المنافع، والرضاع إنما حرم من أجل إنبات اللحم وهو حاصل من لبن الميتة.
وأما كونه يثبت بوطء الصغيرة على وجه؛ فلأنه وطءٌ لآدمية حرة في القُبُل. أشبه وطء الكبيرة.
وأما كونه لا يثبت به على وجه؛ فلأنه ليس بسبب للبضعية.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.