فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن كان أحَدُ أُبوَيها غيرَ كِتابِيٍّ، أو كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فهل تَحِلُّ) له؟ (على رِوايَتَين) إذا كان أحدُ أُبوَيِ الكافِرَةِ كِتابيًّا والآخَرُ غيرَ كِتابِيٍّ، لم يَحِلَّ نِكاحُها، في إحْدَى الرِّوايَتَين. اخْتارَها الخِرَقِيُّ، سَواءٌ كان وَثَنِيًّا أو مَجُوسِيًّا أو مُرْتَدًّا. وبهذا قال الشافعيُّ فيما إذا كان الأبُ غيرَ كتابِيٍّ؛ لأنَّ الوَلَدَ يَنْتَسِبُ إلى أبِيه، ويَشْرُفُ بشَرَفِه، ويَنْتَسِبُ إلى قَبِيلَتِه،
وإن كانتِ الأمُّ. فله فيه قَوْلان. ولَنا، أنَّها غيرُ مُتَمَحِّضَةٍ مِن أهلِ الكتابِ، أشْبَهَ ما لو كان أبوها وَثَنِيًّا، ولأنَّها مُتَوَلِّدَة بينَ مَن يَحِلُّ وبينَ مَن لا يَحِلُّ، [فلم يَحِلَّ]، كالسِّمْعِ والبَغْلِ. وفيه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّها تَحِلُّ بكلِّ حالٍ؛ لدخُولِها في عُمُومِ الآيةِ المُبِيحَةِ، ولأنَّها كِتابِيَّةٌ، فأشْبَهَتْ مَن أبَواها كِتابيَّان. وعلى هذا، فالحُكْمُ في مَن أبَواها غيرُ كِتابِيَّين، كالحكمِ في مَن أحَدُ أبوَيها غيرُ كتابِيٍّ؛ لأنَّها إذا حَرُمَتْ بكونِ أحَدِ أبوَيها وَثَنِيًّا، فلَأن تَحْرُمَ إذا كانا وَثَنِيَّينِ أوْلَى.
وعلى الرِّوايةِ التي تقولُ: لا تَحْرُمُ. فهو مُتَحَقِّقٌ وإن كان أبَوَاها وَثَنِيَّين، اعْتِبارًا بحالِ نفسِها دونَ أبَوَيها.
فصل: فإن كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، ففيها أيضًا روايتان؛ إحْدَاهما، تَحِلُّ. وهي أصَحُّ؛ لدُخُولِها في قولِه تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} . وهم اليهُودُ والنَّصارَى. والثانيةُ، تَحْرُمُ نِساءُ بَنِي تَغْلبَ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ دُخُولَهم في دِينِهم قبلَ تبْدِيلِ كِتابِهم.
فصل: وسائرُ الكفَّارِ غيرُ أهلِ الكتابِ، كمَن عَبَد ما اسْتَحْسَنَ مِن الأصنامِ والأحجارِ والشَّجَرِ والحيوانِ، فلا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في تَحْرِيمِ نِسائِهِم وذبائِحِهم؛ وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الآيَتَين، وعَدَمِ المُعارِضِ لهما. والمُرْتَدَّةُ يَحْرُمُ نِكاحُها على أيِّ دِينٍ كانت؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لها حكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انْتَقَلَتْ إليه بإقْرارِها عليه، ففي حِلِّها أوْلَى.
٣١٥٧ -
(فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ، الْأُولَى: قَطَعَ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " - أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَمَنْ لَا يَحِلُّ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى ; لِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ، فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَحَكَى ابْنُ رَزِينٍ ثَالِثَةً: أَنَّهَا تَحِلُّ إِذَا كَانَ أَبُوهَا كِتَابِيًّا ; لِأَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا خَطَأٌ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالدِّينِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقِ الْحُكْمَ بِالنَّسَبِ الْبَتَّةَ،
وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " رَدًّا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ دُونَ النَّسَبِ، وَالدِّينُ الْمُحَرَّمُ مَوْجُودٌ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ دُونَ النَّسَبِ،
وَظَاهِرُهُ إِذَا كَانَ أبواه غير كِتَابِيَّيْنِ، فَالتَّحْرِيمُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ
وَقِيلَ عَنْهُ: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ اعْتِبَارًا بِنَفْسِهِ
فإنْ كان أحَدُ أبَوَيها غيرَ كِتابيٍّ، فهل تحِلُّ؟ على رِوايتَين. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ إحْداهما، لا تحِلُّ. وهي المذهبُ. اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْرٍ في «الشَّافِي»، و «المُقْنِعِ»، وابنُ أبي مُوسى، والقاضي في «المُجَرَّد»، و «الجامِعِ»، و «الخِلافِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، وأبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيهما»، والشِّيرازِيُّ، وابنُ البَنَّا، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، والشَّارِحُ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، وغيرُهم.
قال في «الفُروعِ»: والأَشْهَرُ تحْريمُ مُناكَحَتِه. وصحَّحَه في «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، تحِلُّ. ذكَرَها كثيرٌ مِنَ الأصحابِ. وحَكاها في «المُغْنِي» احْتِمالًا. قال الزَّرْكَشِيُّ: ولم أرَ عنِ الإمامِ أحمدَ بذلك نصًّا.
قلتُ: لا يلْزَمُ مِن عدَمِ رُؤْيَتِه أنْ لا يكونَ فيها نصٌّ، فقد أثْبَتَها الثِّقاتُ. وحكَى ابنُ رَزِينٍ رِوايَةً ثالثةً، إنْ كان أبُوها كِتابِيًّا أُبِيحَتْ ، وإلَّا فلا. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: وهو خَطَأٌ.
تنبيهان؛ أحدُهما، مَحَلُّ الخِلافِ فيما إذا كان أحدُ أبوَيها غيرَ كِتابِيٍّ، إذا اخْتارَتْ هي دِينَ أهْلِ الكِتابِ.
أمَّا إنِ اخْتارَتْ غيرَه، فلا تُباحُ، قوْلًا واحدًا. الثَّانِي، فعلى كلا الرِّوايتَين في أصْلِ المَسْألَةِ، لو كان أبَوَاها غيرَ كِتابِيَّين واخْتارَتْ هي دِينَ أهْلِ الكِتابِ، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا التَّحْريمُ، رِوايَةً واحِدةً. وهو المذهبُ. قدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل عنه: لا تحْرُمُ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، على الرِّوايَةِ الثَّانيةِ. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، اعْتِبارًا بنَفْسِه،
وقال: هو المَنْصوصُ عنِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في عامَّةِ أجْوبَتِه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لا ينْكِحُ مَجُوسِيٌّ كِتابِيَّةً. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نصَّ عليه. وقيل: بلى. وينْكِحُ كِتابِيٌّ مَجُوسِيَّةً. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا ينْكِحُها. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِير» الثَّانيةُ، لو ملَك كِتابِيٌّ مَجُوسِيَّةً، فله وَطْؤُها على الصَّحيحِ. قدَّمه في «الرِّعايتَين».
وقيل: لا يجوزُ له ذلك. أو كانَتْ مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فهل تَحِلُّ؟ على رِوايتَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الخِرَقِيِّ». ذكَرَه أكثرُهم في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ؛ إحْداهما، تحِل. وهو المذهبُ بلا رَيبٍ. صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّصْحيحِ». قال المُصَنِّفُ، تَبَعًا لإبْراهِيمَ الحَربِيِّ: هذه الرِّوايَةُ آخِرُ قوْلَيه. وهو ظاهِرُ ما قطَع به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وقدَّمه في «الفُروعِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تحِلُّ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذه الرِّوايَةُ أَشْهْرُ عندَ الأصحابِ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ نِساءَ العرَبِ، مِن اليَهُودِ والنَّصارَى، غيرَ بَنِي تَغْلِبَ، يحِلُّ نِكاحُهُنَّ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: حُكْمُهُنَّ حُكْمُ نِساءِ بَنِي تَغْلِبَ. وَلَيسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهبِ»، و «مَسْبوكِ الذّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. وتقدَّم قريبًا مِن ذلك، في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.