وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا
الشروح عليها
فصل: قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن تَشْرَبَ المرأةُ دَواءً يَقْطَعُ عنها الحَيضَ، إذا كان دَواءً مَعْرُوفًا. واللهُ أعلمُ. فصل: قال: (وأكثرُ النِّفاسِ أرْبَعُون يَوْمًا) هذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عباس، وعثمانَ بنِ أبي العاص ، وعائِذِ بنِ عَمْرٍو ، وأنس، وأمِّ سَلَمَةَ، رَضِي اللهُ عنهم. وبه قال الثَّوْرِي، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.
وقال الحسنُ البَصْرِي: النُّفَساءُ لا تكادُ تُجاوزُ الأرْبَعِين،
فإن جاوَزَتِ الخَمْسِين، فهي مُسْتَحاضَةٌ.
وقال مالكٌ والشافعيّ: أكْثَرُه سِتُّون. وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةَ عن أحمدَ؛ لأنه رُوِيَ عن الأوزاعِي أنه قال: عِنْدَنا امرأةٌ تَرَى النِّفاسَ شَهْرَين. ورُوي نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ، والمَرْجِعُ في ذلك إلى الوُجُودِ. قال الشافعيّ: وغالِبُه أرْبَعُون يَوْمًا. ولَنا، ما روَى أبو داودَ والترمِذِي، عن مُسَّةَ الأَزْدِية، عن أمِّ سَلَمَةَ، رَضِي اللهُ عنها، قالت: كانَتْ النُّفَساءُ تَجْلِسُ على عَهْدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم أرْبَعِين يومًا . قال الترمِذِيُّ.
لا نَعْرِفُ هذا الحَدِيثَ إلَّا مِن حديثِ أبي سَهْلٍ، وهو ثِقَةٌ. قال الخَطّابِيُّ: أثْنَى محمدُ بنُ إسماعيلَ على هذا الحديثِ . ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيناه مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِف في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا. قال الترمِذِيُّ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعدَهم على أنَّ النُّفَساءَ تَدَعُ الصلاةَ أرْبَعين يومًا، إلَّا أن تَرَى الطُّهْرَ قبلَ ذلك، فتَغْتَسِلَ وتُصَلِّيَ. قال أبو عُبَيدٍ: وعلى هذا جَماعَةُ النّاسِ.
وما حَكَوْه عن الأوْزاعِيِّ يَحْتَمِلُ أنَّ الزِّيادَةَ كانَتْ حَيضًا أو اسْتِحاضَةً، كما لو زاد دَمُها على الستين، فعلى هذا إن زاد دَمُ النُّفَساءِ على أرْبَعِين، وصادَفَ عادَةَ الحَيض، فهو حَيض، وإلَّا فهو اسْتِحاضَةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن أحَدِهما. واللهُ أعلمُ.
(وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ) وَهُوَ دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ لِلْوِلَادَةِ، وَبَعْدَهَا إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَهُوَ بَقِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي احْتُبِسَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَجْلِهِ، وَأَصْلُهُ لُغَةً مِنَ التَّنْفِيسِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْجَوْفِ، أَوْ نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ أَيْ: فَرَّجَهَا (أَرْبَعُونَ يَوْمًا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ،
وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَتْ مُسَّةُ الْأَزْدِيَّةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ:«كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا بِالْوَرْسِ مِنَ الْكَلَفِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُسَّةَ، وَإِسْنَادُهُ إِلَيْهَا حَسَنٌ،
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَثْنَى الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَعْنَاهُ كَانَتْ تُؤْمَرُ أَنْ تَجْلِسَ، وَإِلَّا كَانَ الْخَبَرُ كَذِبًا مَعَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ سَابِقٌ أَوْ كَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ حَكَاهُ إِمَامُنَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ،
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ يَقُلْ بِالسِّتِّينَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ،
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ،
وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ السُّنَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا،
وَعَنْهُ: أَكْثَرُهُ سِتُّونَ اتِّبَاعًا لِلْوُجُودِ.
وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ مِنَ الْوَضْعِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ نِفَاسٌ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْمُدَّةِ،
وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ، فَالدَّمُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ نِفَاسٌ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَشْهَرِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَكْثَرَ، وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ، فَحَيْضٌ، وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ إِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَلَا يَدْخُلْ حَيْضٌ، وَاسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ.
وأكثَرُ النِّفَاسِ أرْبَعُون يَوْمًا. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، سِتُّون. حكَاها ابنُ عَقِيلٍ،
فمَن بعدَه. وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لا حدَّ لأكثرِ النِّفاسِ،
ولو زاد على الأرْبَعِين أو الستين أو السبعِين وانْقطعَ، فهو نِفَاسٌ، لكنْ إنِ اتَّصَل، فهو دَمُ فَسادٍ. وحِينَئذٍ، فالأرْبَعُون مُنْتَهَى الغالِبِ. وتقدَّم إذا رأتْه قبلَ ولادَتِها بيَوْمَين أو ثلاثَةٍ، وابْتِداءُ المُدَّةِ مِن أيِّ وَقْتٍ عندَ قوْلِه: والحامِلُ لا تحِيضُ. فَلْيُعاوَدْ. فعلى المذهبِ، لو جاوَزَ الأرْبَعِين، فالزَّائِدُ اسْتِحاضَةٌ، إنْ لم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . .
يُصادِفْ عادةً ولم يُجاوزْها، فإِنْ صادفَ عادَةً ولم يُجاوزْها، فهو حيضٌ.
وإنْ جاوَزَها، فاسْتِحاضَةٌ، إنْ لم يَتَكَرَّرْ، إذا لم يُجاوزْ أكْثرَ الحيض.
قلت: وكذا وَلا حَدَّ لِأقَلِّهِ، يَنْبَغِي أنْ يكونَ الحُكْمُ بعدَ الستين على القوْلِ به. ولا فَرْقَ، وإنَّما اقْتصَر الأصحابُ على ذلك بِناءً على المذهبِ.
فصل [في النفاس] قال المصنف رحمه الله: (وأكثر النفاس أربعون يومًا. ولا حد لأقله. أيَّ وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي. ويستحب أن لا يقربها في الفرج حتى تتم الأربعين) .
أما كون أكثر النفاس أربعين يومًا فلما روت أم سلمة قالت:«كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يومًا أو أربعين ليلة. وكنا نطلي وجوهنا بالوَرْسِ من الكلف» رواه أبو داود والترمذي.
وقال: أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين من بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي.
والأحاديث في هذا ضعيفة. أثبتها ما ذكر هنا. وينبغي أن يجعل مستند هذا الحكم ما وجد في أعصار المتقدمين.
وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت للنفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك».
وأما كونه لا حد لأقله؛ فلأنه لم يرد في الشرع تحديده فرجع فيه إلى العرف وقد وجد قليل وكثير.
وقد روي «أن امرأة ولدت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تر دمًا فسميت ذات الجفاف» وروي «ذات الجفوف» رواه أبو داود.
وأما كون النفساء طاهرًا أيَّ وقت رأت الطهر فلانقطاع دم النفاس. وكما لو انقطع دم الحائض في عادتها.
وأما كونها تغتسل عند رؤيتها الطهر فللحكم بانقضاء نِفاسها.
وأما كونها تصلي فلما ذكر.
وروى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«إذا طهرت المرأة حين تضع صلت».
وقال علي رضي الله عنه:«لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي».
وأما كونها يستحب أن لا يقربها زوجها في الفرج حتى تتم الأربعين؛ فلأنه لا يأمن عود الدم في الوطء أو بعده فيكون واطئًا في نفاس.
فإن قيل: إذا لم يستحب فهل يكره؟
قيل: روايتان:
إحداهما: يكره؛ لذلك.
و«لأن عثمان بن أبي العاص أتته امرأته قبل الأربعين. فقال: لا تقربيني حتى تتمي الأربعين».
والثانية: لا يكره لأنها حُكم بطهارتها فلم يكره قياسًا على سائر الطاهرات.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.